رغم ما يروّج له نظام المخزن في المغرب من إصلاحات وهيكلة متقدمة في مجال محاربة الفساد، كشف تقرير حديث صادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عن صورة مغايرة، تُبرز فجوة واضحة بين القوانين المعلنة والنتائج الفعلية على أرض الواقع، في مشهد يعكس أزمة عميقة في ترجمة الوعود إلى إنجازات ملموسة.
التقرير، المعنون بـ”آفاق مكافحة الفساد والنزاهة 2026″، وضع المغرب ضمن الدول التي نجحت نظريًا في بناء منظومة قانونية ومؤسساتية متقدمة، من خلال اعتماد استراتيجيات وطنية وإحداث هيئات مخصصة للنزاهة، غير أن هذه الجهود، بحسب المصدر ذاته، تظل حبيسة النصوص دون أثر فعلي يلمسه المواطن. وتكشف المعطيات، أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في غياب القوانين، بل في ضعف التنفيذ، حيث تعاني السياسات العمومية من غياب آليات فعالة للتتبع والتقييم، ما يجعل محاربة الفساد مجرد شعار سياسي أكثر منه ممارسة مؤسساتية راسخة، ويُضاف إلى ذلك نقص الموارد وضعف التنسيق بين الأجهزة، فضلًا عن محدودية توظيف الرقمنة والبيانات في كشف الاختلالات. والأكثر إثارة للقلق، هو استمرار هشاشة قطاعات حساسة، مثل تمويل الحياة السياسية ونزاهة القضاء وتدبير تضارب المصالح، وهي مجالات تُعد حجر الأساس لأي منظومة نزاهة حقيقية، لكنها في السياق المغربي ما تزال تعاني من اختلالات بنيوية تعيق أي إصلاح فعلي. ويرى متابعون، أن هذا الوضع يعكس طبيعة نظام المخزن، الذي يُفضل الحفاظ على واجهة إصلاحية دون المساس بجوهر منظومة الحكم، ما يؤدي إلى إنتاج قوانين متقدمة شكليًا لكنها تفتقر إلى الإرادة السياسية لتطبيقها بصرامة. وفي ظل هذه المعطيات، يحذر التقرير من أن استمرار هذه الفجوة من شأنه تقويض ثقة المواطنين وإضعاف جاذبية الاستثمار، خاصة وأن الفساد يكلف الاقتصاد العالمي خسائر جسيمة، تصل إلى 5 بالمائة من الإيرادات سنويًا. وبذلك، يجد المغرب نفسه أمام اختبار حقيقي: إما الانتقال من منطق التجميل المؤسساتي إلى إصلاح فعلي يضع حدًا للإفلات من المحاسبة، أو الاستمرار في دائرة الوعود التي لا تنعكس على واقع المواطنين، في ظل نظام يُتقن صناعة الخطاب أكثر من تحقيق النتائج.
خديجة. ب