عادت السينما الجزائرية، مساء السبت، إلى شاشة السينماتيك ببجاية بفيلم روائي طويل يضع الحدود في قلب الحكاية، ليس كجغرافيا فحسب، بل كمعادل نفسي وسياسي وذلك في افتتاح اللقاءات السينمائية لبجاية.
ويُشبه الفيلم رحلة متشظية بين الواقعية العارية لتهريب الوقود، وما تحمله من عنف اجتماعي، وبين التفاصيل الحميمة للكرونولوجيا العائلية. وعرض فيلم “بين وبين” للمخرج محمد لخضر تاتي، في افتتاح البرنامج، بحضور المخرج وعدد من الممثلين البارزين، يوسف كراش، سليمان دازي، سليم قشيـوش، وهناء منصور. العنوان نفسه، “بين وبين” مستوحى من تعبير جزائري دارج، يشير إلى حالة التردد والانتظار على العتبة، بين خيارين متناقضين. هذه الحالة تتجسد في مسار شخصية سعد زنين، الذي يعيش الحدود بوصفها امتحاناً وجودياً يختبر فيه ذاته ويلاحق شبح حب ضائع، كلما مرّ من الضفة إلى الأخرى. يُقدمّ هذا العمل من فئة أفلام الخيال خلال تسعين دقيقة، رؤى فنية وفلسفية تعالج موضوع التهريب الحدودي وحياة المهرب من منظور مختلف، كما ينتقل بنا المخرج وكاتب السيناريو بين الشخصيات المختلفة التي أثثت أحداث الفيلم، إضافة إلى توظيف الطبيعة والمكان والزمان من أجل خلق بيئة حدودية سوريالية تمنحنا فرصة الغوص في دواخل كلّ شخصية. يعرِض هذا الفيلم عدة أسماء خَلَّفَت كلّ منها لمستها الخاصة في تسلسل الأحداث، أهمّها: سليم كشيوش، سليمان دازي، علي جبارة، إيدير بن عيبوش، هناء منصور وغيرهم من الشخصيات التي قد تدخل الجمهور في حالة قد يصعب الخروج من خيالاتها لمدة طويلة. “بين وبين” لا يكتفي بتسجيل الواقع، بل ينفتح على سحر المخيال الجمعي، ويعيد تركيب الحدود كرمزٍ له القدرة على تفكيك الديناميكيات الاجتماعية والسياسية في الجزائر المعاصرة. في 90 دقيقة، يرسم لخضر تاتي ملامح فيلم يتجاوز الحكاية الفردية إلى مساءلة أشمل عن معنى الانتماء، عن الحرية المشروطة بخطوط متخيلة، وعن تلك المسافة الفاصلة بين الفرد ومجتمعه. هنا تصبح الحدود استعارة للقلق الإنساني، وحكاية سعد ليست سوى مرآة لقلق أوسع يعيشه الجسد الاجتماعي برمّته.
ق. ث