روما تتحرك لتعميق شراكتها مع الجزائر

تحالف طاقوي جزائري–إيطالي على وقع توترات الشرق الأوسط

تحالف طاقوي جزائري–إيطالي على وقع توترات الشرق الأوسط
  • الغاز الجزائري يعزز موقعه.. وروما تراهن على شريك مستقر
 
  • سباق أوروبي صامت.. الجزائر في قلب معادلة الإمدادات

في ظل تصاعد التوترات في الشرق الأوسط واضطراب أسواق الطاقة العالمية، تكتسي زيارة رئيسة الوزراء الإيطالية إلى الجزائر، المرتقبة هذا الأربعاء، أهمية خاصة تتجاوز الطابع البروتوكولي. فالتحرك الإيطالي يأتي في سياق تعزيز شراكة طاقوية استراتيجية مع الجزائر، التي برزت كأحد أبرز مزودي أوروبا بالغاز. وبين الحسابات الجيوسياسية ومتطلبات أمن الطاقة، تتجه العلاقة بين البلدين نحو مرحلة جديدة عنوانها “التحالف” في مواجهة تقلبات السوق العالمية.

امتدادا لهذا السياق الإقليمي المتوتر، تأتي زيارة رئيسة الوزراء الإيطالية إلى الجزائر في توقيت بالغ الحساسية، حيث تتقاطع الحسابات السياسية مع رهانات الطاقة بشكل غير مسبوق. فالتصعيد الذي يشهده الشرق الأوسط، وما يرافقه من مخاوف بشأن استقرار الإمدادات، دفع العواصم الأوروبية إلى إعادة ترتيب أولوياتها الطاقوية، والبحث عن شركاء موثوقين قادرين على ضمان تدفقات مستقرة خارج مناطق التوتر. وفي هذا الإطار، تبدو روما من بين أكثر العواصم تحركا، إذ تسعى إلى تثبيت موقعها ضمن خريطة التزود بالطاقة، عبر تعزيز علاقاتها مع الجزائر، التي أثبتت خلال السنوات الأخيرة قدرتها على لعب دور مزود استراتيجي مستقر. فالزيارة المرتقبة لا تنفصل عن هذا التحرك الاستباقي، بل تعكس رغبة إيطالية في تأمين احتياجاتها المستقبلية في ظل بيئة دولية تتسم بعدم اليقين. كما أن اختيار هذا التوقيت بالذات يعكس إدراكا إيطاليا بأن سوق الطاقة لم يعد يخضع فقط لمنطق العرض والطلب، بل أصبح مرتبطا بشكل وثيق بالتطورات الجيوسياسية. فكل تصعيد في الشرق الأوسط ينعكس مباشرة على الأسعار وعلى تدفقات الطاقة، ما يدفع الدول المستوردة إلى التحرك سريعا لتأمين مصادر بديلة أو تعزيز الشراكات القائمة. وبذلك، تتجاوز هذه الزيارة بعدها الثنائي، لتصبح جزءا من مشهد أوسع عنوانه “إعادة تموقع طاقوي” في أوروبا، حيث تسعى الدول إلى تقليل المخاطر وتعزيز أمنها الطاقوي. وفي قلب هذا التحول، تبرز الجزائر كشريك محوري، فيما تتحرك إيطاليا بخطوات محسوبة لتثبيت موقعها في هذا التوازن الجديد.

 

الجزائر وإيطاليا.. شراكة طاقوية تتعزز منذ 2022

وفي امتداد لهذا التحرك المرتبط بالتطورات الإقليمية، تبرز العلاقات الجزائرية–الإيطالية كإحدى أكثر الشراكات الطاقوية استقرارا وتطورا في المنطقة، خاصة منذ سنة 2022 التي شكلت نقطة تحول في مسار التعاون بين البلدين.

فمنذ ذلك التاريخ، شهدت العلاقات ديناميكية متسارعة، انتقلت بها من تعاون تقليدي في مجال الطاقة إلى مستوى أقرب إلى الشراكة الاستراتيجية القائمة على المصالح المتبادلة. وقد تعزز هذا المسار من خلال زيارات متبادلة واتفاقيات متتالية، كان أبرزها زيارة رئيسة الوزراء الإيطالية إلى الجزائر في جانفي 2023، والتي أسست لمرحلة جديدة من التعاون، خاصة في قطاع الغاز. ومنذ ذلك الحين، حافظت العلاقة على وتيرة تصاعدية، مدعومة برغبة مشتركة في توسيع مجالات التعاون وتكييفها مع التحولات التي يشهدها سوق الطاقة العالمي. كما يعكس هذا التقارب ثقة متبادلة بين الطرفين، حيث تعتبر الجزائر شريكا موثوقا لإيطاليا في تأمين إمدادات الطاقة، في حين ترى الجزائر في إيطاليا بوابة استراتيجية نحو السوق الأوروبية. هذا التوازن في المصالح ساهم في ترسيخ العلاقة، وجعلها أقل عرضة للتقلبات السياسية أو الاقتصادية التي قد تؤثر على شراكات أخرى. وبهذا، لم تعد العلاقة بين الجزائر وروما مجرد تعاون ظرفي فرضته الأزمات، بل تحولت إلى شراكة قائمة على رؤية مشتركة لمستقبل الطاقة في المنطقة. وهو ما يفسر استمرار تعزيز هذا المسار، خاصة في ظل التحديات الحالية، حيث يسعى الطرفان إلى تثبيت هذا التعاون كأحد أعمدة الاستقرار الطاقوي في الضفة الشمالية للمتوسط.

 

الغاز الجزائري.. ركيزة أساسية في أمن الطاقة الإيطالي

وفي سياق هذا التقارب المتصاعد بين البلدين، يبرز الغاز الجزائري كأحد الأعمدة الأساسية التي تقوم عليها معادلة أمن الطاقة في إيطاليا، خاصة في ظل التحولات التي شهدها السوق الأوروبي خلال السنوات الأخيرة.

فقد أصبحت الجزائر منذ 2022 المزود الأول للغاز إلى روما، بكميات تفوق 20 مليار متر مكعب سنويا، ما يمثل أكثر من ثلث واردات البلاد، وهو رقم يعكس حجم الاعتماد الإيطالي على هذا المورد الحيوي. ولا يقتصر هذا الدور على الأرقام فقط، بل يرتبط أيضا بعوامل جغرافية وتقنية تمنح الغاز الجزائري أفضلية واضحة، من بينها قرب المسافة وتوفر منشآت النقل، خصوصا عبر أنبوب “ترانسميد” الذي يربط البلدين مباشرة. هذه المعطيات تجعل من الإمدادات الجزائرية خيارا مستقرا وقابلا للزيادة في فترات الحاجة، دون تعقيدات لوجستية كبيرة مقارنة بمصادر أخرى. كما أن الظرف الحالي يمنح الجزائر هامشا إضافيا لتلبية الطلب الإيطالي، حيث يتزامن توقيت الزيارة مع فترة انخفاض الاستهلاك المحلي للغاز، سواء في التدفئة أو إنتاج الكهرباء، وهو ما يفتح المجال لتوجيه كميات أكبر نحو التصدير. هذا العامل يعزز من مرونة الجزائر في الاستجابة لاحتياجات شركائها، ويجعلها في موقع قوة ضمن معادلة العرض والطلب. وبذلك، يتحول الغاز الجزائري من مجرد مورد طاقوي إلى أداة استراتيجية في العلاقات بين البلدين، حيث تسعى إيطاليا إلى تأمين تدفقاته بشكل مستقر، بينما توظفه الجزائر لتعزيز حضورها في السوق الأوروبية. وفي ظل التوترات الجيوسياسية الراهنة، تزداد أهمية هذا الدور، ليصبح الغاز عنصرا حاسما في رسم ملامح التحالف الطاقوي بين الجزائر وروما.

 

“إيني” تقود التوسع.. استثمارات تعكس عمق التحالف

وفي امتداد لهذا الدور المحوري الذي يلعبه الغاز الجزائري في تأمين احتياجات إيطاليا، يبرز دور شركة “إيني” كفاعل رئيسي في تعميق هذا التحالف الطاقوي، حيث تحولت إلى الذراع الاستثمارية الأبرز لروما داخل السوق الجزائرية.

فالشركة الإيطالية لم تكتفِ بالحفاظ على حضورها التقليدي، بل اختارت توسيع نشاطها بشكل لافت، خاصة في قطاع المنبع المرتبط بإنتاج النفط والغاز. وقد تجسد هذا التوسع من خلال سلسلة من العمليات الاستثمارية، أبرزها شراء حصة شركة “بريتيش بتروليوم” في حقلي عين أمناس وعين صالح، إضافة إلى الاستحواذ على أصول “نبتون إينرجي” في حقل توات للغاز بولاية أدرار، الذي يُعد من بين أهم الحقول المنتجة بكميات تصل إلى 4.5 مليار متر مكعب سنويا. كما ساهمت “إيني” بالشراكة مع “سوناطراك” في إعادة تشغيل منشآت المعالجة التي توقفت سابقا بسبب مشاكل تقنية. ولم يتوقف هذا المسار عند هذا الحد، إذ عززت الشركة الإيطالية موقعها مؤخرا عبر رفع حصتها في حقل توات إلى 43% بعد شراء جزء من حصة “إنجي” الفرنسية، إلى جانب فوزها بمشاريع جديدة، من بينها تطوير حقل “رقان 2” بالشراكة مع شركة تايلاندية، وتوقيع عقد بقيمة 1.35 مليار دولار لتطوير حقل غازي في إيليزي. هذه التحركات تعكس استراتيجية واضحة تقوم على ترسيخ الحضور طويل المدى داخل قطاع الطاقة الجزائري. وبذلك، لا تمثل “إيني” مجرد مستثمر أجنبي تقليدي، بل أصبحت أحد أعمدة الشراكة الطاقوية بين الجزائر وإيطاليا، حيث تجمع بين الاستثمار والإنتاج ونقل التكنولوجيا. هذا الدور يعزز من عمق العلاقة بين البلدين، ويجعل من التعاون بين “سوناطراك” و”إيني” نموذجا لتحالف اقتصادي يتجاوز الصفقات الظرفية نحو شراكة استراتيجية قائمة على المصالح المتبادلة والاستقرار طويل الأمد.

 

سباق أوروبي صامت.. الجزائر في قلب معادلة الطاقة

وفي سياق هذا التوسع المتواصل في الشراكة الجزائرية–الإيطالية، تتضح معالم سباق أوروبي صامت نحو الغاز الجزائري، حيث لم تعد الجزائر مجرد مزود تقليدي، بل أصبحت محورا رئيسيا في معادلة الطاقة داخل القارة.

فمع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط وتزايد المخاوف من اضطراب الإمدادات، تسعى عدة دول أوروبية إلى تعزيز علاقاتها مع الجزائر، ما يضعها في قلب تنافس غير معلن على الموارد الطاقوية. وتبرز إيطاليا في مقدمة هذا السباق، عبر تحركات استباقية تهدف إلى تثبيت موقعها كشريك أول، خاصة في ظل مؤشرات على اهتمام دول أخرى، مثل إسبانيا، بتعزيز وارداتها من الغاز الجزائري. هذا التنافس يعكس إدراكا متزايدا داخل أوروبا بأهمية تنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على المناطق غير المستقرة، وهو ما يمنح الجزائر موقعا تفاوضيا أقوى. كما تشير المعطيات، إلى أن إيطاليا لم تستغل كامل قدراتها في استيراد الغاز الجزائري خلال الفترة الماضية، حيث لم يتجاوز الاستخدام نحو 80 بالمائة من الحجم المتاح ضمن العقود، ما يعني وجود هامش فعلي لزيادة الإمدادات دون الحاجة الفورية إلى اتفاقيات جديدة. هذا العامل يمنح روما مرونة إضافية في التحرك، لكنه في الوقت نفسه يفتح الباب أمام منافسة محتملة من أطراف أوروبية أخرى تسعى للاستفادة من هذه القدرات غير المستغلة. وبذلك، تتحول الجزائر إلى نقطة ارتكاز في التوازن الطاقوي الأوروبي، في وقت تتسارع فيه التحركات لضمان الوصول إلى موارد مستقرة. وبين هذه الحسابات، تبدو الشراكة مع إيطاليا جزءا من مشهد أوسع، عنوانه إعادة رسم خريطة الطاقة في أوروبا، حيث لم يعد الأمر مجرد تعاون ثنائي، بل سباق استراتيجي على موقع في منظومة الإمدادات المستقبلية.

 

من الطاقة إلى الفلاحة.. شراكة متعددة الأبعاد تتشكل

وفي امتداد لهذا الحضور القوي في قطاع الطاقة، تتجه الشراكة الجزائرية–الإيطالية نحو آفاق أوسع تتجاوز الغاز والنفط، لتشمل مجالات جديدة تعكس طابعا متعدد الأبعاد للعلاقة بين البلدين.

فزيارة رئيسة الوزراء الإيطالية لا تقتصر على الملفات الطاقوية، بل تتضمن أيضا شقا يتعلق بالتعاون الفلاحي، من خلال مشروع مركز “إنريكو ماتاي” للتكوين والبحث والابتكار في المجال الزراعي بولاية سيدي بلعباس، والذي ينتظر أن يشكل منصة جديدة للتعاون التقني والمعرفي. ويعكس هذا التوجه رغبة مشتركة في تنويع مجالات الشراكة، بما يضمن استدامتها وعدم حصرها في قطاع واحد، مهما بلغت أهميته. فالانتقال من التعاون الطاقوي إلى التعاون في مجالات مثل الفلاحة والبحث العلمي يعزز من عمق العلاقة، ويمنحها بعدا تنمويا يتجاوز الاعتبارات الظرفية المرتبطة بالأزمات الدولية. كما أن هذا المسار ينسجم مع رؤية أوسع تقوم على نقل الخبرات وتطوير الكفاءات، خاصة في القطاعات الحيوية المرتبطة بالأمن الغذائي، وهو ما يفتح المجال أمام مشاريع مشتركة يمكن أن تعود بالفائدة على الطرفين، سواء من حيث الاستثمار أو تبادل المعرفة. وفي هذا السياق، تصبح الشراكة أكثر توازنا، حيث لا تقتصر على تصدير الموارد، بل تمتد إلى بناء قدرات محلية مستدامة. وبذلك، تتشكل ملامح علاقة استراتيجية شاملة بين الجزائر وإيطاليا، قوامها التكامل بين الطاقة والفلاحة والتكنولوجيا، في إطار رؤية بعيدة المدى. هذه الديناميكية تعكس تحولا نوعيا في طبيعة التعاون، من علاقة قائمة على المصالح الظرفية إلى شراكة متعددة الأبعاد، قادرة على التكيف مع التحولات الإقليمية والدولية، وتثبيت موقع البلدين ضمن خريطة التعاون الاقتصادي في حوض المتوسط.

مصطفى. ع