تعيش مهنة المحاماة في المغرب على وقع واحدة من أكثر الأزمات توتراً خلال السنوات الأخيرة، بعد دخول جمعية هيئات المحامين في مواجهة مفتوحة مع وزارة العدل على خلفية مشروع تعديل القوانين المنظمة للمهنة، في مشهد يعكس عمق الخلاف بين السلطة التنفيذية وهيئات الدفاع حول حدود الإصلاح القانوني ومدى احترام استقلالية المحاماة باعتبارها أحد أعمدة العدالة ودولة القانون.
فالبيان الصادر عن جمعية هيئات المحامين بالمغرب لم يكن مجرد موقف مهني عابر، بل حمل لغة تصعيدية غير مسبوقة، كشفت حجم الاحتقان داخل الجسم المهني، خاصة مع اتهام وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، بالتراجع عن التوافقات التي جرى التوصل إليها سابقاً مع الحكومة والمهنيين خلال إعداد المشروع، وهو اتهام خطير يعيد إلى الواجهة سؤال الثقة بين المؤسسات الرسمية والهيئات المهنية، ومدى التزام الحكومة بمنهجية الحوار التشاركي في القضايا الحساسة. وتعتبر جمعية المحامين أن التعديلات التي تمت المصادقة عليها لا تمثل فقط تغييراً قانونياً عادياً، بل تشكل، وفق رؤيتها، مساساً مباشراً باستقلالية المهنة وحصانتها ومؤسساتها التمثيلية، وفي مقدمتها مؤسسة النقيب التي ترى الجمعية أن هناك توجهاً لتقليص أدوارها وإضعاف مكانتها داخل المنظومة المهنية. ويبدو أن جوهر الأزمة يتجاوز مجرد اختلاف تقني حول بعض المواد القانونية، ليمتد إلى صراع أعمق يتعلق بطبيعة العلاقة بين الدولة والمحاماة، فالمحامون يعتبرون أنفسهم جزءاً من منظومة العدالة وليسوا مجرد فاعلين إداريين يخضعون لمنطق الوصاية الحكومية، لذلك ينظر كثير منهم إلى أي تعديل يمس استقلالية المهنة باعتباره تهديداً مباشراً لدور المحامي في الدفاع عن الحقوق والحريات. وفي المقابل، يرى متابعون أن وزارة العدل المغربية تسعى إلى تمرير إصلاحات تعتبرها ضرورية لتحديث القطاع وضبط بعض الاختلالات التنظيمية، غير أن طريقة تدبير الملف، وفق منتقدين، اتسمت بغياب الوضوح والتواصل الكافي مع الهيئات المهنية، وهو ما ساهم في تعميق الأزمة وتحويلها إلى مواجهة مفتوحة تهدد بتعطيل جزء من المنظومة القضائية. وما يزيد من حساسية الوضع، هو أن جمعية هيئات المحامين لم تكتف بإصدار بيانات احتجاجية، بل ذهبت إلى خطوات تصعيدية قوية تمثلت في إعلان نقباء هيئات المحامين السبع عشرة نيتهم تقديم استقالات جماعية، مع التلويح بعدم الإشراف على تنظيم الانتخابات المهنية. وهي خطوة تعكس حجم الغضب داخل القطاع، كما تكشف أن الأزمة دخلت مرحلة سياسية ومؤسساتية دقيقة قد تكون لها تداعيات واسعة على سير العدالة بالمغرب. كما يحمل البيان انتقادات واضحة لما وصفته الجمعية بـ”الخطاب غير المقبول” الذي رافق مناقشة المشروع، في إشارة إلى أجواء التوتر التي طبعت النقاش داخل المؤسسات الرسمية. وهو ما يعكس، بحسب مراقبين، غياب ثقافة التوافق في التعامل مع الملفات المهنية الحساسة، خصوصاً تلك المرتبطة بقطاع العدالة الذي يفترض أن يقوم على الحوار واحترام التوازن بين مختلف مكوناته. وفي الوقت الذي أشادت فيه الجمعية ببعض الفرق البرلمانية التي تقدمت بمقترحات داعمة لاستقلالية المحاماة، فإن رفض تلك التعديلات زاد من شعور المحامين بوجود إرادة لفرض مشروع لا يحظى بإجماع مهني، الأمر الذي عمّق حالة الاحتقان ودفع نحو مزيد من التصعيد. وتطرح هذه الأزمة، تساؤلات جوهرية حول مستقبل الإصلاحات المرتبطة بمنظومة العدالة في المغرب، ومدى قدرة الحكومة على تدبير الملفات المهنية الكبرى دون خلق صدامات مع الفاعلين الأساسيين. كما تثير مخاوف من أن تتحول الخلافات الحالية إلى أزمة ثقة أوسع بين الدولة وهيئات الدفاع، في وقت تحتاج فيه المنظومة القضائية إلى إصلاحات متوازنة تحفظ استقلالية المهن القانونية وتضمن في الآن نفسه تحديث القطاع وتطويره.
خديجة. ب