-
عرض حكومي يكشف توجهات المالية العمومية
-
استثمار متصاعد يدعم مسار الانتعاش الاقتصادي
-
أرقام النفقات والإيرادات ترسم ملامح 2026
في جلسة برلمانية اتسمت بطابعها الاقتصادي البارز، عرض وزير المالية عبد الكريم بوالزرد مشروع قانون المالية لسنة 2026 أمام المجلس الشعبي الوطني، مستعرضا أبرز المؤشرات التي تقوم عليها الرؤية المالية للعام المقبل.
وجاء العرض في سياق تعيش فيه الجزائر انتعاشا تدريجيا للنشاط الاقتصادي، مدفوعا بجهود حكومية واسعة في الاستثمار وتنويع مصادر الدخل. وقد كشف الوزير عن الخطوط الكبرى للمشروع من حيث حجم النفقات والإيرادات وآفاق النمو، في وقت يواصل فيه الاقتصاد الوطني التحول نحو القطاعات خارج المحروقات، وهي معطيات تمنح صورة أولية عن توجهات الدولة خلال السنوات الثلاث المقبلة.
عرض مشروع قانون المالية أمام النواب
جاء عرض وزير المالية عبد الكريم بوالزرد لمشروع قانون المالية لسنة 2026 ليشكّل أول محطة رسمية تعلن عن ملامح السياسة المالية للدولة خلال العام المقبل، إذ قدّم الوزير الخطوط العريضة للمشروع أمام نواب المجلس الشعبي الوطني، وذلك خلال جلسة ترأسها رئيس المجلس إبراهيم بوغالي وحضرها عدد من أعضاء الحكومة. ويعكس هذا العرض أهمية الظرف الاقتصادي الذي تمر به البلاد، باعتبار أن قانون المالية يظل الوثيقة التي تحدد حجم الإنفاق العمومي ومسارات الإيرادات وتوقعات النمو، بما يجعل من مناقشته داخل البرلمان محطة مركزية في رسم التوجهات الاقتصادية. وخلال الجلسة، قدّم الوزير عرضا مفصلا للأرقام الرئيسية التي يقوم عليها المشروع، مع التركيز على المعطيات التي تعكس توجهات الدولة في إدارة المالية العمومية. ويكتسي هذا العرض أهمية خاصة لكونه يأتي في مرحلة تشهد فيها الجزائر إعادة ضبط سياساتها الاقتصادية وتحسين آليات تمويل المشاريع العمومية. كما يسمح عرض المشروع أمام النواب بفتح نقاش موسع داخل المؤسسة التشريعية حول أولويات الدولة ومسار تنفيذ البرامج التنموية الجارية. ويمثل عرض الحكومة لمشروع القانون خطوة دستورية تهدف إلى تمكين النواب من الاطلاع المباشر على مضمون الوثيقة المالية قبل شروع اللجان المختصة في دراستها التفصيلية. وتتيح هذه العملية وقوف المؤسسة التشريعية على منطق إعداد المشروع، وتفسير بعض الخيارات المالية وتوزيع النفقات حسب القطاعات، وهو ما يعزز الشفافية ويمنح للرأي العام صورة أكثر وضوحا عن السياسة المالية للدولة. وتأتي أهمية هذا العرض أيضا من ارتباطه بالتحوّلات الاقتصادية المسجلة خلال السنوات الأخيرة، خاصة مع توجه الجزائر نحو إعادة بعث المشاريع الكبرى وتحديث أنماط تسيير الميزانية. فالنقاش البرلماني حول مشروع القانون لا يقتصر على الأرقام فحسب، بل يتجاوزها إلى فهم الاتجاه العام للمالية العمومية، وهو ما يجعل هذه الجلسة البرلمانية خطوة أساسية في مسار المصادقة على قانون المالية قبل دخوله حيز التنفيذ مطلع سنة 2026، تمهيدا للانتقال إلى مرحلة تنفيذ السياسات المدرجة فيه.
انتعاش اقتصادي يدعم رؤية الحكومة للعام 2026
ويمتدّ عرض الوزير بسلاسة نحو الإطار العام الذي يستند إليه مشروع قانون المالية، إذ أوضح أن الوثيقة تُطرح في سياق اقتصادي يتّسم بانتعاش تدريجي للنشاط الوطني، وهو انتعاش تسعى الحكومة إلى تعزيزه عبر برامج متعددة تغطي مختلف القطاعات. ويكتسب هذا المعطى أهميته من كون السياسات المالية لا تُبنى في فراغ، بل تعتمد على قراءة دقيقة لحركية الاقتصاد، ما يجعل من هذا الانتعاش مؤشرا إيجابيا يدعم القدرة على تنفيذ المشاريع المبرمجة وتوسيع قاعدة النمو. ويعكس هذا التحسن الاقتصادي نتائج الجهود المبذولة على مستوى عدد من القطاعات الإنتاجية، حيث تشهد الجزائر خلال السنوات الأخيرة عمليات إعادة هيكلة وتنشيط في مشاريع البنى القاعدية، وإطلاق ورشات إصلاح اقتصادي تستهدف خلق بيئة أكثر تنافسية. ومن شأن هذه الديناميكية أن توفر أرضية ملائمة لتطبيق السياسات المالية الجديدة، بما فيها تلك الموجهة لتحسين مناخ الأعمال وتحفيز المؤسسات على توسيع استثماراتها. ومن زاوية تحليلية، يرتبط هذا الانتعاش أيضا بتنامي النشاط في القطاعات خارج المحروقات، إذ يُسجَّل توجه واضح نحو زيادة المساهمة الصناعية والفلاحية والخدماتية في الناتج الداخلي الخام، وهو ما يسمح بتقليل تقلبات الاقتصاد المرتبطة بأسعار الطاقة. وتأتي هذه التطورات في وقت تعمل فيه الدولة على تعزيز استقرار المالية العمومية عبر ضبط الإنفاق وتوجيهه نحو المشاريع الأكثر إنتاجية وقدرة على خلق القيمة المضافة. وفي ضوء هذه الخلفية، يبدو أن مشروع قانون المالية لسنة 2026 يعكس إرادة حكومية في مواصلة مسار التحول الاقتصادي، عبر الاعتماد على المعطيات الإيجابية المتوفرة في الاقتصاد الوطني. ويتيح هذا السياق للسلطات العمومية هامشا أكبر للتحكم في السياسة المالية، مع السعي إلى توجيه الموارد نحو القطاعات التي أظهرت مؤشرات واعدة، بما يضمن استمرار الانتعاش ويفتح المجال أمام تحقيق أهداف النمو المعلنة في السنوات المقبلة.
الاستثمار وتنويع الاقتصاد في صلب التوجهات الجديدة
ويمضي التقرير بسلاسة إلى محور أساسي ركز عليه وزير المالية في عرضه، وهو استمرار الدولة في تشجيع الاستثمار وتنويع القاعدة الاقتصادية باعتبارهما ركيزتين أساسيتين في السياسات الحكومية للمرحلة المقبلة. فقد أبرز الوزير، أن الجهود المبذولة في هذا المجال تظل متواصلة، سواء من خلال إعادة بعث المشاريع المهيكلة الكبرى أو عبر دعم المبادرات الاستثمارية في القطاعات المنتجة، وهو ما يعكس توجهًا استراتيجيًا يرمي إلى تقليل الاعتماد على المحروقات كرافد رئيسي للاقتصاد الوطني. وتأتي أهمية هذا التوجه من ارتباطه بالإصلاحات التي تعمل الحكومة على تنفيذها لتحسين بيئة الأعمال، لا سيما ما يتعلق بتسهيل إجراءات الاستثمار وتوفير مناخ قانوني وتنظيمي أكثر جاذبية للمؤسسات المحلية والأجنبية. وتندرج هذه الخطوات، في إطار رؤية أشمل تهدف إلى بناء اقتصاد متعدد المصادر، قادر على مواجهة التقلبات الخارجية والاستفادة من الإمكانات التي توفرها القطاعات الصناعية والزراعية والخدماتية. كما أن إعادة بعث المشاريع الكبرى تمثل نقطة تحول في المسار الاقتصادي، خاصة أن العديد من هذه المشاريع يحمل طابعا مهيكلا على غرار البنى التحتية، الطاقات الجديدة، التحويل الصناعي، والنقل. وتمثل هذه المشاريع محركات مهمة للنمو وفرص العمل، وتساهم في تحسين تنافسية الاقتصاد الوطني على المدى المتوسط والبعيد. ومن خلال استئناف هذه الورشات، تعمل الدولة على استعادة وتيرة الإنجاز وإعادة ضخ ديناميكية جديدة في السوق. وبالنظر إلى تطور الصادرات خارج المحروقات، يبرز أن هذا المسار بدأ يعطي ثماره تدريجيا، إذ شهدت السنوات الأخيرة توجها ملحوظا نحو الرفع من قيمة المنتجات الجزائرية في الأسواق الخارجية. ورغم أن هذه الديناميكية لا تزال في بدايتها، إلا أنها تشكل إضافة ملموسة تدعم رؤية الحكومة لتنويع مصادر الدخل. وفي هذا الإطار، يأتي مشروع قانون المالية لسنة 2026 ليعزز هذا المسار عبر توجيه الموارد نحو القطاعات الإنتاجية التي تمتلك مؤشرات نمو واعدة.
هيكل الميزانية.. نفقات بـ 17.636,7 مليار دج وإيرادات بـ 8.009 مليار دج
ومع الانتقال إلى الجانب المالي المحوري في المشروع، كشف وزير المالية عن الأرقام الرئيسية التي يقوم عليها قانون المالية لسنة 2026، حيث بلغت توقعات النفقات 17.636,7 مليار دينار، مقابل إيرادات منتظرة قدرها 8.009 مليار دينار. وتُظهر هذه الأرقام اتساع حجم الإنفاق العمومي الذي يستجيب لحاجيات تمويل المشاريع الجارية والبرامج الحكومية، خاصة في القطاعات الاجتماعية والاقتصادية ذات الأولوية. ويُعد هذا الحجم من النفقات مؤشرًا على مواصلة الدولة دعم النمو وتحسين الخدمة العمومية عبر توجيه الموارد نحو مشاريع ذات طابع مهيكل. ويبرز هذا الفارق بين النفقات والإيرادات التحديات المرتبطة بتوازن الميزانية، وهو أمر اعتادت الجزائر التعامل معه في سياقات مشابهة بالاعتماد على آليات التمويل العادية أو الاستثنائية التي تسمح بالحفاظ على استقرار المالية العمومية. ومن منظور اقتصادي عام، تُعد مثل هذه الوضعيات نتيجة طبيعية عندما يكون الهدف هو تسريع وتيرة التنمية ودعم القطاعات المنتجة، إذ يتطلب ذلك رصد موارد مالية معتبرة لضمان استكمال المشاريع الكبرى وتحسين البنى التحتية وتطوير الخدمات الأساسية للمواطن. كما أن قراءة هذه الأرقام لا يمكن فصلها عن طبيعة المرحلة التي تمر بها البلاد، حيث تشهد عمليات إصلاح اقتصادي وإعادة تهيئة شاملة للقطاعات الحيوية. ويأتي تخصيص موارد مالية كبيرة ضمن هذا المشروع استجابة لضرورة مرافقة هذه الإصلاحات من خلال تمويل البرامج التي تعزز قدرات الإنتاج وتوسع قاعدة النمو. وفي هذا السياق، تُعتبر رصد مثل هذه النفقات خطوة منسجمة مع رؤية الحكومة للتوجه التدريجي نحو اقتصاد متنوع وأكثر قدرة على خلق القيمة المضافة. وبالنظر إلى توقعات الإيرادات، يُسجّل أن قيمتها تعكس المعطيات المرتبطة بأداء الاقتصاد الوطني، خصوصا خارج قطاع المحروقات. ورغم أن الإيرادات العامة تبقى مرتبطة بشكل متفاوت بتطور الأسواق الدولية، إلا أن التوجه نحو تنويع مصادر الدخل يساهم تدريجيا في تحسين قدرة الميزانية على التأقلم مع مختلف المتغيرات. وتأتي هذه المؤشرات لتمنح صورة أوضح عن الأسس التي يستند إليها مشروع قانون المالية، وتسمح بفهم الخيارات التي اعتمدتها الحكومة في ضبط توازناته الداخلية.
آفاق نمو متصاعدة حتى 2028
ويمتدّ مسار القراءة إلى توقعات النمو الاقتصادي التي كشف عنها الوزير، حيث ينتظر أن يسجل الاقتصاد الوطني نسبة نمو قدرها 4,1 بالمائة خلال سنة 2026، ليرتفع وفق التقديرات إلى 4,4 بالمائة سنة 2027، ثم إلى 4,5 بالمائة سنة 2028. وتمثّل هذه النسب مؤشرا على مسار تصاعدي يعكس الثقة في قدرة القطاعات المنتجة على مواصلة وتيرة التحسن، خصوصا تلك الواقعة خارج دائرة المحروقات والتي بدأت تسجّل نتائج ملموسة على مستوى مساهمتها في الناتج الداخلي الخام. وتعكس هذه التوقعات رؤية متوازنة تأخذ بعين الاعتبار التطورات الاقتصادية الوطنية والدولية، بما يضمن صياغة سياسات أكثر واقعية واستباقية. وتكشف هذه المؤشرات، في خلفيتها الاقتصادية، أن التحسن المتوقع نتيجة لمسار إصلاحات بدأ يؤتي ثماره تدريجيا، من خلال إعادة بعث المشاريع الكبرى وتعزيز بيئة الاستثمار. ويعكس هذا التوجه محاولة واضحة لزيادة الاعتماد على القطاعات الإنتاجية التي تمتلك قدرة أكبر على خلق الثروة، سواء في المجال الصناعي أو الفلاحي أو الخدماتي، وهو ما يمنح الاقتصاد الوطني قاعدة أكثر صلابة لتوقع نسب نمو مستقرة خلال السنوات المقبلة. كما أن الرفع التدريجي لنسب النمو يعكس قدرة الاقتصاد على التكيف مع المتغيرات الخارجية، لاسيما تلك المرتبطة بأسعار الطاقة والتقلبات الجيوسياسية التي تؤثر على التجارة العالمية. وفي هذا السياق، تتيح وفرة المشاريع المهيكلة واستمرار تطوير الصادرات فضاء اقتصاديا أكثر مرونة، ما يُسهم في تقليص هشاشة الاقتصاد وتقوية قدرته على الاستجابة للصدمات المحتملة. ومع استمرار الجهود المبذولة لتوسيع قاعدة الإنتاج، يصبح تحقيق هذه النسب هدفا واقعيا قابلا للتجسيد في ظل المعطيات الحالية. ومن خلال هذا المسار المتصاعد، يمكن قراءة توجه الدولة نحو تعزيز التحول الاقتصادي الجاري، عبر الاعتماد على نمو أكثر تنويعا وأقل ارتباطا بعائدات الطاقة. وتمثل هذه التوقعات خطوة مهمة في رسم رؤية مستقبلية تمتد إلى ما بعد 2028، بالنظر إلى أنها تقدم إشارة واضحة حول الثقة في الديناميكية الاقتصادية الجديدة. ومع دخول مشروع قانون المالية لسنة 2026 حيز التنفيذ، ستنتقل هذه المؤشرات من إطار التوقع إلى إطار الاختبار الفعلي داخل السوق الوطنية، بما يسمح بقياس مدى انسجامها مع الواقع الاقتصادي خلال السنوات المقبلة.