تعد جبال بابور من أجمل المناطق الطبيعية في الجزائر، وهي سلسلة جبلية تقع بولاية سطيف، تنفصل عن جبال جرجرة عن طريق جبال البيبان ووادي الصومام وتمتد على خليج بجاية وجيجل تبلغ أعلى قمة بها 2004 م في جبل البابور.
يطلق على البابور سلسلة جبال البابور، أو قبائل البابور، بالقبائلية تابابورت ويقصد بها القارب أو السفينة، نظرا لشكل الجبال الضخمة والمعقدة، وقد يكون الاسم مشتقا من اسم مجموعة القبائل الأمازيغية في هذه المنطقة في العهد الروماني حين كانت تسمى البافاريين أو الباباريين.
رغم أن السلطات الفرنسية الاستعمارية كانت تقوم بسلب ثروات الجزائريين ونقلها إلى فرنسا، إلا أن القائمين على شؤون سطيف، رفضوا عمليات القطع المستمر لأشجار غابات بابور، وقاموا بتصنيف المنطقة كحظيرة وطنية بمرسوم حكومي مؤرخ في 12 / 02 / 1921، وبعد مرور 10 سنوات كاملة وبقرار حكومي رقم 160 مؤرخ في 12 / 01 / 1931، تم تقليص المساحة من 2367 هكتارا إلى 1701 هكتار، وتم التنازل عن القسم الجنوبي للأشغال المنجمية، غير أن المنطقة لم تستفد من أي قوانين أخرى لحماية كنوزها الطبيعية إلى غاية اليوم.
من معقل للثوار إلى مخبأ للجماعات الإرهابية
كانت جبال بابور بمثابة قلعة حقيقية للمجاهدين الذين اتخذوا منها معقلا لهم ومركزا لتنفيذ هجوماتهم، بحكم كثافة نسيجها الطبيعي ومكانتها الإستراتيجية، كما أسسوا بها أكبر مستشفى عسكري لثورة التحرير الكبرى، ويتذكر سكان المنطقة من كبار السن الكثير من البطولات والأحداث التي تم التخطيط لها في جبال البابور، غير أن جبال بابور شهدت أيضا على سنوات الدم التي مرت بها الجزائر خلال عشرية كاملة، حيث يؤكد السكان أن جماعات كثيرة كانت تحفر الخنادق في الجبال وتقوم بتهيئة مغارات كمنازل وإجراء تدريباتهم العسكرية، حيث شهدت المنطقة تواجد المئات من العناصر الإرهابية التي سكنت الغابة، وشهدت المنطقة مواجهات عنيفة بين الجيش والمسلحين وغارات كثيرة لطائرات الهليكوبتر على تلك الغابات.
وكانت عناصر الجيش الوطني الشعبي اكتشفت أثناء قيامها بعملية تمشيط سنة 2004، قرابة 40 طفل ولدوا في جبال بابور ولا يعرفون معنى التلفزيون أو الهاتف أو غيرها، ولم يدخلوا المدارس، ما جعل أكثر من 120 تائبا فيما بعد يقدّمون رسالة إلى رئيس الجمهورية آنذاك المرحوم عبد العزيز بوتفليقة في سنة 2008، يناشدونه تسوية وضعيات أطفالهم تجاه المدارس ومؤسسات الدولة، زيادة على ترسيم بعض حالات الزواج التي لم تسجل إداريا، واكتفى قياديون في الجماعات المسلحة بتسجيلها في ما كان يعرف بـ “السجلات الشرعية”.
خشب وفحم غابة بابور عرضة للسرقة
بعد سنة 2004 التي شهدت أشهر عملية تمشيط والتي شارك فيها الآلاف من عناصر الجيش الوطني الشعبي، هجر الإرهابيون المنطقة، خاصة مع التواجد المكثف للجيش الذي أقام نقاط مراقبة ثابتة في أماكن عديدة، وهو ما جعل عصابات سرقة الفحم والخشب تسيطر على المنطقة التي أصبحت تواجه كارثة بيولوجية حقيقية.. حيث قُطعت مئات الأشجار وهُربت لمناطق أخرى حيث يُباع الجذع الواحد من الأشجار بـ 1200 دينار.
من جهة أخرى، قامت عصابات أخرى بحرق أشجار كبيرة جدا، ومن ثم استعمال فحمها وتسويقه إلى مختلف مناطق الولاية من أجل بيعه لمطاعم الشواء، ويقوم هؤلاء بإضرام النيران في جذع شجرة تكون معزولة نسبيا عن باقي الأشجار، حتى لا تنتقل النيران إليها وحتى لا يلفتوا انتباه قوات الجيش الوطني التي ترابط في المنطقة، ومن ثم يتم نقل الفحم بين الأحراش إلى مناطق واد البارد المحاذية للجبال، حيث يبلغ سعر الكلغ الواحد من الفحم 200 دينار.
أهمية بيولوجية في مواجهة عصابات السرقة
بالإضافة إلى مكانة غابة بابور في حفظ التوازن البيئي والمناخي لشمال الجزائر وخاصة الجهة الشرقية منها، فإنها تحتوي على نباتات نادرة للغاية قدّر البعض عددها بأكثر من 400 نوع نباتي، منها نوع نادر من الفطر الغذائي ذو قيمة عالية، ويصل قطره إلى 40 سنتمترا، حيث يتناوله اليابانيون بكثرة ويخصصون يوما دينيا لهذا النوع بغرض شكر اللّه على هذه النعمة.
كما زار غابة بابور مصورون عالميون من أجل مراقبة بعض الطيور النادرة وتصوير نباتات لا توجد إلا في غابة بابور دون بقية غابات العالم. كما زادت شهرة حظيرة بابور بعد اكتشاف أندر طائر على وجه الأرض والمعروف بـ “كاسر الجوز القبائلي”، والذي لا يعيش سوى في أشجار التنوب النوميدي التي لا توجد هي الأخرى إلا في غابات بابور، ما يجعلها المفارقة الأكثر أهمية في العالم، وعادة ما كان يزور المنطقة قبل العشرية السوداء مصورون عالميون، حيث ينصبون خيمهم لليال طويلة لمراقبته وتصويره.
ويتواجد في هذه الغابات منبع مائي معدني في تالة الحوش والذي يمتد إلى غاية واد البارد، زيادة على تواجد منجم للحجر الكحلي الذي يدخل في صناعة الكحل المفيد للعين والذي يحتوي على مادة الأرجينين النادرة هي الأخرى.
“داتورا” آخر اكتشافات العلم الحديث لمعالجة السرطان
نبتة تتواجد استثنائيا بغابة بابور
أكدت الأبحاث العلمية أن غابة بابور يتواجد بها 385 صنفا من الأعشاب معظمها طبي، خاصة ما تعلق منها بنبتة “داتورا” والتي تدخل حاليا في صناعة آخر المنتوجات الدوائية لمكافحة السرطان، حيث تتواجد بشكل استثنائي بجبال بابور وبكثافة عالية، وتتميز زهورها بجمال يخطف الأنظار والعقول، في وقت مضى حذر مختصون في البيئة من تناولها مباشرة بحكم خطرها على الصحة.
إضافة إلى هذا، أكد العلماء وجود 5 أصناف أخرى من النباتات لا توجد في أي غابة بالقارة السمراء سوى جبال بابور، من بينها “سدرة الأطلس” التي يتراوح قطرها ما بين 6 إلى 7 أمتار ويمتد عمرها إلى مئات السنين، فيما يبقى أهمها على الإطلاق شجرة التنوب النوميدي الرائعة، والتي أوصى الكثير من السياسيين والمثقفين بجعلها رمزا وطنيا بحكم أنها أندر الأشجار في العالم.
أما على صعيد الحيوانات، فتحتوي الغابة على 157 نوعا بين حشرات وثدييات وكواسر، ومن بين الحشرات النادرة التي اكتشفها العلماء carabus morbillosos، وهي الحشرة التي تعيش تحت الثلوج وفي درجات حرارة متدنية جدا رغم ضعفها، زيادة على نوع نادر من الفهود يعرف علميا بـ linx caracal والذي يوجد لحد الآن بغابة بابور فقط.
إمكانيات بسيطة تجعل المنطقة قطبا سياحيا بامتياز
منعت الأتربة الكثيرة والغبار المتصاعد الآلاف من صعود قمة الجبل ومشاهدة السحاب الذي يمر بالقرب منها، حيث يناشد المجلس البلدي السلطات الولائية إدراج مشروع تعبيد هذا الطريق الذي سيحل الكثير من المشاكل، ورغم ذلك تم وضع صهاريج للمياه لمساعدة الزوار على التجول، زيادة على تشجيع بعض الخواص على نصب خيم لبيع الشواء والمأكولات للسياح، خاصة مع وجود الكثير من الشباب الذي فضّل التخييم والمبيت للتمتع بالمناظر الساحرة.
ل. ب













