واشنطن في مواجهة مكلفة مع طهران

حرب الأرقام.. مليار دولار لكل يوم قتال

حرب الأرقام.. مليار دولار لكل يوم قتال
  • التصعيد العسكري يعيد طرح كلفة الحروب في واشنطن

  • عمليات مكلفة تضع الميزانية العسكرية الأمريكية تحت الضغط

  • إلى متى تستطيع واشنطن تحمّل فاتورة الحرب؟

مع دخول الحرب الأمريكية على إيران يومها الثامن، تعود كلفتها المالية إلى واجهة النقاش داخل الولايات المتحدة، في ظل تقديرات تشير إلى فاتورة يومية تقترب من 900 مليون دولار.

فبعيدا عن مسار العمليات العسكرية، تطرح الحرب أسئلة متزايدة حول حجم الإنفاق الذي تتحمله واشنطن، خاصة مع توقعات بإمكانية استمرار الصراع لأسابيع أخرى، وهو ما قد يفرض على الإدارة الأمريكية البحث عن تمويل إضافي لتغطية النفقات المتزايدة.

وفي امتداد للنقاش الذي عاد بقوة داخل الولايات المتحدة حول كلفة الحرب، تكشف التقديرات الأولية عن أرقام لافتة تعكس حجم الإنفاق العسكري المتسارع منذ اندلاع المواجهة مع إيران. فمع دخول الحرب يومها الثامن، لم يعد الحديث مقتصرا على مسار العمليات العسكرية، بل أصبح التركيز يتجه بشكل متزايد إلى الفاتورة المالية اليومية التي تتحملها واشنطن. وفي هذا السياق، نشر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، وهو مركز أبحاث أمريكي متخصص في قضايا الدفاع، تقديراته الأولية لتكاليف الحرب خلال الساعات الأولى من الصراع. ووفق هذه المعطيات، بلغت تكلفة أول 100 ساعة من العمليات العسكرية نحو 3.7 مليار دولار، وهو ما يعادل قرابة 891 مليون دولار يوميا، في رقم يضع الحرب ضمن أكثر العمليات العسكرية كلفة منذ بدايتها. وتعكس هذه الأرقام حجم الموارد المالية التي تتطلبها العمليات العسكرية الحديثة، حيث تشمل النفقات تكاليف تشغيل القوات والعمليات القتالية وإطلاق الذخائر المتطورة إضافة إلى تكاليف الدعم اللوجستي والتقني. كما أن طبيعة العمليات الجوية والصاروخية المكثفة تساهم في رفع مستوى الإنفاق بسرعة كبيرة خلال الأيام الأولى من أي مواجهة عسكرية. ومع استمرار العمليات العسكرية بوتيرة مرتفعة، يثير هذا المستوى من الإنفاق تساؤلات داخل الأوساط السياسية والاقتصادية الأمريكية حول قدرة الميزانية العسكرية على استيعاب تكاليف حرب طويلة الأمد. فكل يوم إضافي من العمليات يعني مئات الملايين من الدولارات من الإنفاق، وهو ما يجعل مسألة كلفة الحرب أحد أبرز الملفات المطروحة على طاولة النقاش في واشنطن.

 

استنزاف الميزانية العسكرية الأمريكية

وإذا كانت التقديرات التي تحدثت عن تكلفة تقارب 900 مليون دولار يوميا تعكس حجم الإنفاق المباشر للحرب، فإن الصورة المالية الأوسع تكشف عن ضغط متزايد على الميزانية العسكرية الأمريكية. فالحروب الحديثة لا تتطلب فقط تمويل العمليات الجارية، بل تفرض أيضا أعباء إضافية على الموارد الدفاعية للدولة، خاصة عندما تستمر العمليات بوتيرة عالية خلال فترة زمنية قصيرة. وفي هذا السياق، تشير التقديرات الصادرة عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية إلى أن جزءا كبيرا من النفقات المرتبطة بالحرب لم يكن مدرجا أصلا في ميزانية وزارة الدفاع الأمريكية. فالتقرير يوضح أن نحو 3.5 مليارات دولار من تكلفة العمليات خلال الساعات الأولى لم تكن مبرمجة مسبقا ضمن الاعتمادات المالية للبنتاغون، وهو ما يعني أن الإنفاق الفعلي للحرب بدأ يتجاوز الأطر المالية التي وضعتها الميزانية الدفاعية السنوية. وتبرز هذه المعطيات طبيعة الحروب الحديثة التي يمكن أن تستنزف الموارد المالية بسرعة كبيرة، خاصة عندما تتضمن استخداما مكثفا للذخائر الدقيقة والمنظومات القتالية المتطورة. فتكلفة تشغيل الطائرات الحربية، وإطلاق الصواريخ الموجهة، وتسيير العمليات اللوجستية الواسعة، جميعها عناصر تضيف أعباء مالية متراكمة على الميزانية العسكرية خلال فترة قصيرة. ومع استمرار العمليات العسكرية، يتزايد القلق داخل الأوساط السياسية في واشنطن من أن تتحول هذه الحرب إلى عامل ضغط إضافي على الإنفاق الدفاعي الأمريكي. فكل يوم من العمليات يعني استنزافا جديدا للموارد المالية المخصصة للدفاع، وهو ما قد يفرض على الإدارة الأمريكية إعادة تقييم أولويات الإنفاق العسكري في حال استمر الصراع لفترة أطول.

 

الحاجة لتمويل إضافي من الكونغرس

وفي ظل الضغوط التي بدأت تظهر على الميزانية الدفاعية الأمريكية نتيجة ارتفاع كلفة العمليات العسكرية، يبرز سؤال التمويل كأحد أهم الملفات المطروحة في واشنطن. فمع تجاوز بعض النفقات التقديرات المسبقة المدرجة في ميزانية وزارة الدفاع، تبدو الإدارة الأمريكية أمام احتمال اللجوء إلى الكونغرس لطلب اعتمادات مالية إضافية لضمان استمرار العمليات. وفي هذا السياق، يشير تقرير مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية إلى أن جزءا كبيرا من النفقات المرتبطة بالحرب لم يكن مبرمجا ضمن الميزانية الأصلية للبنتاغون، وهو ما يفتح الباب أمام ما يُعرف في النظام المالي الأمريكي بـ الميزانيات التكميلية. وتُستخدم هذه الآلية عادة في حالات الطوارئ أو العمليات العسكرية غير المخطط لها، حيث يتم تقديم طلب رسمي إلى الكونغرس للحصول على تمويل إضافي لتغطية النفقات الطارئة. وتشكل هذه الخطوة، مسارا مألوفا في الحروب التي تخوضها الولايات المتحدة، إذ سبق أن اعتمدت الإدارات الأمريكية المتعاقبة على التمويل الإضافي خلال عمليات عسكرية خارجية، سواء في أفغانستان أو العراق. غير أن هذه العملية تمر عبر نقاشات سياسية داخل الكونغرس، حيث يخضع أي طلب لتمويل إضافي لمراجعة ومداولات تتعلق بحجم النفقات وأهداف العمليات العسكرية. ومع استمرار الحرب على إيران، قد يصبح هذا الخيار أكثر ترجيحا في حال تواصل الإنفاق العسكري بوتيرة مرتفعة. فتمويل العمليات خلال الأيام الأولى قد يتم تغطيته جزئيا من الاعتمادات المتاحة، لكن في حال امتداد الصراع لفترة أطول، قد تجد الإدارة الأمريكية نفسها مضطرة لطلب موارد مالية جديدة، ما سيعيد فتح نقاش واسع داخل المؤسسات السياسية الأمريكية حول كلفة الحرب وأبعادها المالية.

 

إعادة تسليح المخزون العسكري

وإذا كانت الحاجة إلى تمويل إضافي من الكونغرس تعكس الضغوط المالية التي بدأت تظهر على الميزانية الدفاعية الأمريكية، فإن أحد أكبر التحديات التي تواجه البنتاغون يتمثل في إعادة بناء المخزون العسكري الذي يُستنزف بسرعة خلال العمليات القتالية المكثفة. فالحروب الحديثة لا تستهلك فقط الموارد المالية، بل تستهلك كذلك كميات كبيرة من الذخائر المتطورة التي تحتاج لاحقا إلى إعادة تصنيع وتعويض. وفي هذا السياق، تشير تقديرات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية إلى أن إعادة بناء مخزون الذخائر تمثل الجزء الأكبر من فاتورة الحرب خلال الساعات الأولى من الصراع. فوفقا للتقرير، بلغت تكلفة إعادة تسليح المخزون العسكري الأمريكي نحو 3.1 مليارات دولار من أصل 3.7 مليارات دولار تم إنفاقها خلال أول 100 ساعة من العمليات. ويعكس هذا الرقم حجم الاستهلاك الكبير للذخائر المتطورة خلال العمليات العسكرية، حيث استخدمت القوات الأمريكية أكثر من 2000 ذخيرة خلال أقل من 100 ساعة، في إطار الضربات الجوية والصاروخية المكثفة. وتشمل هذه الذخائر صواريخ دقيقة التوجيه وقنابل موجهة تستخدم عادة في العمليات عالية الدقة، وهي من بين أكثر الأسلحة كلفة في الترسانة العسكرية الحديثة. ومع استمرار العمليات العسكرية، يصبح تعويض هذا المخزون ضرورة استراتيجية بالنسبة للجيش الأمريكي، ليس فقط لمواصلة الحرب الجارية، بل أيضا للحفاظ على جاهزية القوات المسلحة لأي أزمات محتملة أخرى. ولذلك تمثل عملية إعادة تسليح المخزون العسكري أحد أهم البنود التي ترفع فاتورة الحرب، نظرا لما تتطلبه من إنتاج صناعي عسكري واسع وكلف مالية كبيرة.

 

تكلفة الذخائر والعمليات

وإذا كانت إعادة تسليح المخزون العسكري تمثل الجزء الأكبر من فاتورة الحرب، فإن العمليات العسكرية اليومية نفسها تشكل بدورها بندا ماليا مهما في الإنفاق الدفاعي الأمريكي. فإدارة العمليات القتالية لا تقتصر على استخدام الذخائر فقط، بل تشمل تشغيل الطائرات الحربية والسفن العسكرية، إلى جانب منظومات القيادة والتحكم والدعم اللوجستي التي ترافق أي تحرك عسكري واسع.

وفي هذا السياق، تشير تقديرات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية إلى أن العمليات العسكرية المباشرة كلفت نحو 196 مليون دولار خلال الساعات الأولى من الحرب. وتشمل هذه النفقات تشغيل الطائرات المقاتلة والطائرات الاستطلاعية، إضافة إلى تحريك القطع البحرية وتوفير الدعم التقني والاستخباراتي للعمليات العسكرية. كما تتضمن فاتورة الحرب تكاليف أخرى مرتبطة بالخسائر المادية وإصلاح بعض البنى التحتية العسكرية، والتي قدرها التقرير بنحو 350 مليون دولار خلال المرحلة الأولى من الصراع. وتندرج هذه النفقات ضمن التكاليف التي تظهر عادة في الحروب الحديثة، حيث تتطلب العمليات العسكرية المستمرة صيانة المعدات وإعادة تأهيل بعض المنشآت المتضررة. وتكشف هذه الأرقام أن تكلفة الحرب لا تتوقف عند حدود الذخائر المستخدمة، بل تمتد إلى شبكة واسعة من العمليات العسكرية واللوجستية التي تضمن استمرار القتال. فكل طلعة جوية، وكل عملية نقل أو دعم تقني، تضيف بدورها جزءا جديدا إلى فاتورة الحرب، ما يفسر الارتفاع السريع في الإنفاق العسكري منذ الساعات الأولى لاندلاع الصراع.

 

ماذا يحدث إذا استمرت الحرب لأسابيع؟

وفي ضوء هذه الأرقام المتعلقة بتكاليف العمليات العسكرية والذخائر وإعادة تسليح المخزون، يبرز سؤال أساسي داخل الأوساط السياسية والاقتصادية في الولايات المتحدة: ماذا يعني استمرار الحرب لأسابيع إضافية؟ فكل يوم جديد من العمليات يضيف مئات الملايين من الدولارات إلى الفاتورة المالية، ما يجعل مدة الحرب عاملا حاسما في تحديد حجم الإنفاق النهائي. فإذا استمرت وتيرة الإنفاق الحالية التي تقترب من 900 مليون دولار يوميا، فإن امتداد العمليات العسكرية لعدة أسابيع قد يرفع التكلفة الإجمالية إلى عشرات المليارات من الدولارات. وهذا السيناريو يضع الإدارة الأمريكية أمام تحديات مالية وسياسية، خاصة في ظل النقاشات الداخلية حول أولويات الإنفاق العام والضغوط المتعلقة بعجز الميزانية.

كما أن استمرار الحرب لفترة أطول يعني زيادة الاستهلاك العسكري للمعدات والذخائر، وهو ما قد يفرض تسريع برامج الإنتاج العسكري لتعويض المخزون المستنزف. ويؤدي ذلك بدوره إلى توسيع نطاق الإنفاق الدفاعي، ليس فقط لتمويل العمليات الجارية، بل أيضا لإعادة بناء القدرات العسكرية على المدى المتوسط.

وفي هذا السياق، يرى عدد من الخبراء أن الكلفة الحقيقية لأي حرب لا تُقاس فقط بالأيام الأولى من القتال، بل بمدى استمرار العمليات العسكرية. فكلما طال أمد الحرب، ارتفعت فاتورتها المالية بشكل كبير، وهو ما يجعل مسألة مدة الصراع أحد أهم العوامل التي ستحدد حجم الأعباء الاقتصادية التي قد تتحملها الولايات المتحدة خلال الفترة المقبلة.

مصطفى. ع