سلاح منخفض الكلفة يغيّر قواعد المواجهة..

“حرب المسيرات” بين واشنطن وإيران

“حرب المسيرات” بين واشنطن وإيران
  • مسيرات “شاهد” الإيرانية تتصدر المشهد العسكري في المواجهة

  • تكلفة منخفضة وقدرة هجومية مؤثرة تعزز حضور الطائرات المسيرة

  • واشنطن تدخل سباق التطوير بمسيرات LUCAS لمواجهة التهديد

 

مع استمرار التصعيد العسكري في الشرق الأوسط للأسبوع الثالث على التوالي بين إيران من جهة والولايات المتحدة والكيان الصهيوني من جهة أخرى، برزت الطائرات المسيرة كأحد أبرز أدوات المواجهة في ساحة الصراع.

فبينما تواصل طهران استخدام مسيراتها محلية الصنع من طراز “شاهد” لتنفيذ ضربات ضد أهداف في المنطقة، تتجه واشنطن في المقابل إلى تطوير مسيرات منخفضة التكلفة لمواجهة هذا التهديد، في مؤشر واضح على بروز ما يمكن وصفه بـ”حرب المسيرات” في المعركة الدائرة.

في ظل التصعيد العسكري المتواصل في الشرق الأوسط، بدأت ملامح نمط جديد من المواجهة العسكرية بالظهور، يتمثل في الاعتماد المتزايد على الطائرات المسيرة في تنفيذ الضربات والهجمات المتبادلة. فمع استمرار الضربات الأميركية والإسرائيلية ضد أهداف مرتبطة بإيران، لجأت طهران إلى تكثيف استخدام الطائرات المسيرة الهجومية، مستهدفة مواقع مختلفة في المنطقة، في خطوة تعكس تحولا واضحا في طبيعة الأدوات المستخدمة في هذا الصراع.

وبحسب تقارير متخصصة في الشؤون العسكرية، فإن إيران اعتمدت بشكل متزايد على الطائرات المسيرة محلية الصنع، وعلى رأسها مسيرات “شاهد”، لتنفيذ عمليات الرد على الضربات التي تتعرض لها. وقد تحولت هذه الطائرات خلال الفترة الأخيرة إلى عنصر أساسي في الاستراتيجية العسكرية الإيرانية، خاصة في ظل تراجع وتيرة إطلاق الصواريخ الباليستية مقارنة ببداية المواجهة.

وفي هذا السياق، أشار مسؤولون أميركيون إلى أن عمليات إطلاق الصواريخ الباليستية الإيرانية انخفضت بشكل ملحوظ منذ بداية الضربات في 28 فيفري، إذ تراجع استخدامها بنحو 90 بالمائة وفق تصريحات للرئيس الأميركي دونالد ترامب وقادة في الجيش الأميركي. ويعكس هذا التحول، بحسب مراقبين، توجها متزايدا نحو الاعتماد على الطائرات المسيرة كوسيلة أكثر مرونة وأقل تكلفة في تنفيذ العمليات العسكرية. ومع تزايد استخدام هذه الطائرات في العمليات الميدانية، بدأت المواجهة العسكرية تأخذ بعدا جديدا يمكن وصفه بـ”حرب المسيرات”، حيث باتت هذه الأنظمة غير المأهولة تلعب دورا متناميا في رسم ملامح الصراع. وفي هذا الإطار، برزت مسيرة “شاهد-136” بشكل خاص كأحد أبرز النماذج التي تعتمد عليها إيران في تنفيذ ضرباتها، وهو ما يسلط الضوء على خصائص هذه الطائرة وقدراتها في ميدان المعركة.

 

“شاهد 136”.. المسيرة التي تعتمد عليها إيران في الرد

وفي سياق هذا التحول المتزايد نحو استخدام الطائرات المسيرة في المواجهة الجارية، برزت الطائرة الإيرانية “شاهد-136” كأحد أبرز النماذج التي تعتمد عليها طهران في تنفيذ ضرباتها.

وقد أصبحت هذه المسيرة، التي تنتجها الصناعات العسكرية الإيرانية، مشهدا متكررا في مقاطع الفيديو المتداولة على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تُظهر عمليات إطلاقها باتجاه أهداف مختلفة في المنطقة ضمن الردود الإيرانية على الضربات الأميركية والإسرائيلية. وتُعد “شاهد-136” من الطائرات المسيرة الهجومية أحادية الاتجاه، إذ يتم تجهيزها بمتفجرات وتوجيهها نحو الهدف قبل أن تنقض عليه وتنفجر عند الاصطدام. ويبلغ وزن الطائرة نحو 200 كيلوغرام، بينما يصل مداها إلى ما لا يقل عن 2000 كيلومتر، ما يمنحها القدرة على الوصول إلى أهداف بعيدة نسبيا. ويتم توجيهها عبر إحداثيات يتم إدخالها يدويا قبل الإطلاق، لتتابع بعد ذلك مسارها نحو الهدف المحدد. وتعتمد عملية إطلاق هذه المسيرة على معزز صاروخي يُثبت أسفل الطائرة، حيث يمنحها دفعة أولية أثناء الإقلاع. وبعد بلوغ سرعة معينة يتم التخلص من هذا المعزز، ليتولى محرك يعمل بالمكبس مهمة دفع الطائرة ومواصلة تحليقها باتجاه الهدف. ويتيح هذا التصميم للطائرة التحليق لمسافات طويلة نسبيا مع الحفاظ على استقرارها في الجو.

ورغم أن هذه الطائرات تُعد بطيئة نسبيا ويمكن إسقاطها في حال رصدها بشكل منفرد، إلا أن فعاليتها تظهر بشكل أكبر عند إطلاقها ضمن مجموعات أو “وابل” من الطائرات المسيرة في وقت واحد. ففي مثل هذه الحالات قد تتمكن بعض الوحدات من تجاوز الدفاعات الجوية والوصول إلى أهداف حساسة مثل منشآت الطاقة أو الرادارات أو البنى التحتية، وهو ما يجعل استخدامها جزءا مهما من نمط العمليات الذي بات يميز هذه المواجهة.

 

سلاح رخيص بقدرة تدميرية مؤثرة في ساحة المعركة

ومع تزايد استخدام مسيرات “شاهد-136” في العمليات العسكرية، يلفت الخبراء إلى أن أحد أبرز أسباب انتشارها يعود إلى كلفتها المنخفضة مقارنة بالأنظمة القتالية التقليدية.

فبحسب تقديرات متخصصة، تتراوح تكلفة الطائرة الواحدة بين 20 و30 ألف دولار فقط، وهو مبلغ يُعد محدودا قياسا بكلفة الصواريخ الموجهة أو الصواريخ الباليستية، ما يمنح هذه المسيرات ميزة اقتصادية واضحة في الحروب طويلة الأمد.

وتتيح هذه الكلفة المنخفضة إمكانية إطلاق أعداد كبيرة من الطائرات المسيرة في وقت واحد، وهو الأسلوب الذي يمنحها فعالية أكبر في ساحة المعركة. فحتى لو تمكنت أنظمة الدفاع الجوي من إسقاط عدد منها، فإن بعض الطائرات قد تنجح في اختراق الدفاعات والوصول إلى أهدافها، الأمر الذي يجعل استخدامها ضمن موجات متتالية أداة ضغط فعالة على البنية التحتية والمنشآت الحيوية. ويشير خبراء عسكريون، إلى أن الطائرات المسيرة باتت تؤدي أدوارا متعددة في النزاعات الحديثة، إذ يمكن استخدامها كأنظمة هجومية تشبه الصواريخ الجوالة أو الذخائر الجوالة، بينما تُستخدم نماذج أخرى في مهام الاستطلاع أو المراقبة أو حتى حمل القنابل. ويمنح هذا التنوع في الاستخدامات الطائرات المسيرة مرونة عملياتية كبيرة، ما يفسر انتشارها الواسع في النزاعات الإقليمية خلال السنوات الأخيرة. وفي ظل هذه الخصائص، أصبحت المسيرات منخفضة التكلفة جزءا أساسيا من معادلة القوة في الصراعات الحديثة، حيث تسمح للدول باستخدام قدرات هجومية مؤثرة دون الحاجة إلى أنظمة تسليح باهظة الثمن. وفي هذا السياق، لم يتوقف تطوير الطائرات المسيرة الإيرانية عند طراز “شاهد-136″، إذ تشير التقارير إلى ظهور نسخ جديدة معدلة من هذه الطائرات تحمل تغييرات تقنية وتصميمية مختلفة.

 

تطوير مستمر.. النسخ الجديدة من مسيرات “شاهد”

وفي موازاة الاعتماد المتزايد على مسيرات “شاهد-136″، تشير تقارير عسكرية إلى أن إيران تواصل تطوير نماذج جديدة من طائراتها المسيرة الهجومية أحادية الاتجاه.

ويعكس هذا التطور المستمر محاولة تحسين قدرات هذه الأنظمة وتكييفها مع متطلبات ساحات القتال الحديثة، خاصة في ظل الاستخدام المتزايد للطائرات المسيرة في النزاعات الإقليمية والدولية. وفي هذا السياق، تحدثت تقارير متخصصة عن استخدام إيران نسخة معدلة من الطائرة المسيرة “شاهد-101” خلال الهجمات التي نُفذت ردا على الضربات الأميركية والإسرائيلية. وتتميز هذه النسخة بتغييرات هيكلية واضحة، إضافة إلى اعتماد نظام دفع كهربائي، وهو تطور تقني يختلف عن التصميمات التقليدية التي اعتمدت سابقاً على محركات البنزين المكبسية. ويضع التصميم الجديد نظام الدفع في مقدمة الطائرة، حيث تعمل المروحة المثبتة في الأمام على سحب الطائرة عبر الهواء بدلا من دفعها من الخلف كما هو الحال في النماذج السابقة. ويُعتقد أن هذا التعديل قد يسهم في تقليل البصمة الصوتية والحرارية للطائرة أثناء الطيران، إلى جانب تحسين خصائصها الديناميكية الهوائية، ما قد يؤثر على طرق رصدها وتعقبها. ورغم هذه التعديلات، تحتفظ الطائرة المسيرة الجديدة بعدد من الخصائص الأساسية التي تميز عائلة “شاهد”، مثل تصميم الجناح الثابت الذي يسمح بالتحليق لمسافات طويلة نسبيا مع الحفاظ على الاستقرار أثناء الطيران. كما يستخدم الجزء الخلفي من الطائرة تكوينا على شكل حرف “X” للمثبتات، إلى جانب معزز صاروخي يُستخدم عند الإطلاق لتوفير سرعة أولية قبل انتقال الطائرة إلى التحليق باستخدام نظام الدفع الرئيسي.

 

مواقع الإطلاق والإنتاج.. كيف تحافظ إيران على قدراتها

ومع استمرار تطوير الطائرات المسيرة الإيرانية، يبرز عامل آخر لا يقل أهمية في فهم دورها في المواجهة الجارية، وهو طبيعة مواقع الإطلاق والإنتاج التي تعتمد عليها طهران للحفاظ على قدرتها العملياتية.

فبحسب تقارير عسكرية، تلجأ القوات الإيرانية إلى استخدام مواقع إطلاق متنوعة وموزعة جغرافيا، ما يمنحها مرونة أكبر في تنفيذ الهجمات ويجعل من الصعب استهداف هذه المنظومات بشكل كامل. وفي هذا السياق، أشارت تقارير صادرة عن القيادة المركزية الأميركية إلى أن القوات الإيرانية تستخدم في بعض الأحيان مناطق خاصة صعبة التحديد لإطلاق الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية. ويجعل هذا الأمر من عمليات الاستهداف الجوية أكثر تعقيدا بالنسبة للقوات الأمريكية، ما يحد من القدرة على تنفيذ ضربات مباشرة ضد هذه المنصات. كما كشفت تقارير صادرة عن معهد دراسات الحرب في واشنطن أن قوة مشتركة استهدفت منشأة لإنتاج طائرات “شاهد” في مدينة أصفهان، حيث تضرر مبنيان في قاعدة “بدر” المرتبطة بمنشأة تصنيع هذه الطائرات. ومع ذلك، أشارت التقديرات إلى أن هذه الضربات لم تنهِ مشكلة الطائرات المسيرة بالكامل، ما يعكس استمرار قدرة إيران على الحفاظ على هذا النوع من الإنتاج العسكري. ويرى محللون في قطاع الصناعات الدفاعية، أن تصنيع الطائرات المسيرة يتميز بمرونة أكبر مقارنة بإنتاج الصواريخ التقليدية، إذ لا يعتمد بالدرجة نفسها على بنية صناعية معقدة أو منشآت ضخمة. ويعني ذلك أن إنتاج هذه الطائرات يمكن أن يتم في مواقع متعددة وبسرعة نسبية، وهو ما قد يفسر استمرار ظهورها في العمليات رغم الضربات التي استهدفت بعض منشآت الإنتاج.

 

الرد الأمريكي.. مسيرات LUCAS لمواجهة التهديد الإيراني

وفي مقابل هذا التوسع في استخدام الطائرات المسيرة منخفضة التكلفة، بدأت الولايات المتحدة بدورها في تسريع برامج تطوير أنظمة مشابهة تهدف إلى مواجهة التهديد المتزايد الذي تمثله هذه الطائرات في ساحات القتال.

ففي منتصف عام 2025 عرضت وزارة الدفاع الأمريكية نحو 18 نموذجا أوليا لطائرات مسيرة جديدة منخفضة التكلفة، في خطوة تعكس إدراك واشنطن المتزايد لأهمية هذا النوع من الأسلحة في النزاعات الحديثة. وتندرج هذه النماذج ضمن مفهوم يعرف باسم LUCAS، وهو اختصار للأنظمة الجوية القتالية غير المأهولة منخفضة التكلفة، والتي تسعى وزارة الدفاع الأميركية إلى تطويرها ونشرها في الميدان. وتهدف هذه الطائرات إلى توفير قدرات هجومية واستطلاعية بمرونة عالية وكلفة أقل، بما يسمح باستخدامها على نطاق واسع في العمليات العسكرية. وبحسب مسؤولين في وزارة الدفاع الأمريكية، فقد انتقلت هذه النماذج من مرحلة المفهوم إلى التطوير خلال نحو 18 شهرا فقط، وهو زمن أقل بكثير من الدورات التقليدية لتطوير الأنظمة العسكرية التي قد تستغرق ما يصل إلى ست سنوات. كما أعلن البنتاجون عزمه توسيع إنتاج هذه الطائرات اعتمادا على معايير رئيسية تشمل انخفاض التكلفة والمرونة العملياتية والقوة النارية وإمكانية التصنيع السريع. وتُظهر هذه الخطوات أن الطائرات المسيرة أصبحت أحد أبرز عناصر المواجهة في الحروب الحديثة، إذ تسعى القوى الكبرى إلى تطوير نماذج أكثر كفاءة وأقل تكلفة لتعزيز قدراتها في هذا المجال. وفي هذا السياق، تبدو المنافسة المتصاعدة في مجال الطائرات غير المأهولة مؤشرا واضحا على التحول الذي يشهده ميدان المعركة، حيث باتت هذه الأنظمة تحتل موقعا متقدما في موازين القوة العسكرية.

مصطفى. ع