أما بعدُ، فيا أيُّها الـمسلمونَ: إنَّ الـأمةَ الـراشدةَ، هيَ الـأمةُ الَّتي تُبنى على أجيالٍ قويةٍ واثقةٍ، الَّتي تُربَّى على أفضلِ الـمناهجِ، وتُصاغُ شخصيَّاتُها على أصدقِ الـنماذجِ وأنجعِها، فكيفَ رسمَ الـإسلامُ طريقَ هذهِ الـتنشئةِ؟ وكيفَ رعى حقوقَ هذهِ الـفئةِ الـضعيفةِ؟ وكيفَ حماها مِنَ الـعبثِ الـبشريِّ؟ أيُّها الـإخوةُ الـمؤمنونَ: لقد ضمنَ الـإسلامُ لِلطِّفلِ حقَّهُ وَهُوَ لا يزالُ حلماً في الـذهنِ، مِن خِلالِ حثِّ الـمجتمعِ على اختيارِ الـبيئةِ الـصالحَةِ الَّتي ستصوغُ عقلَهُ، وتحفظُ فطرتَهُ، قالَ تعالى: ﴿وأنكحوا الـأيامى مِنكُم والـصالحينَ مِن عبادِكُم وإمائِكُم﴾ [الـنور: 32]. وأوَّلُ حقٍّ أوجبَهُ الـشرعُ الـحنيفُ لِلطِّفلِ على أبيهِ؛ أن يختارَ لَهُ أُمّاً صالحةً في دينِها وخُلقِها؛ ذَلِكَ بِأنَّها هيَ الـمدرسةُ الـأولى لِلقيمِ والـعقائدِ، مصداقاً لِقولِهِ ﷺ كما في الـصحيحينِ: «تُنكَحُ الـمرأةُ لِأربعٍ: لِمالِها، ولِحسبِها، ولِجمالِها، ولِدينِها، فاظفر بِذاتِ الـدينِ تَرِبَت يداكَ». ذاتُ الـدينِ هيَ مَن تخافُ اللَّهَ في وليدِها، وتُغذّيهِ بِالتَّوحيدِ قبلَ الـحليبِ. وفي الـمقابلِ، فإنَّ مِن حقِّ الـطِّفلِ على وليِّ أُمِّهِ أن يختارَ لَهُ أباً يحميهِ ويكونُ لَهُ قُدوةً حسنةً في دينِهِ، وخُلقِهِ، لِقولِهِ ﷺ فيما رواهُ الـترمذيُّ: «إذا جاءَكُم مَن ترضونَ دينَهُ وخُلقَهُ فزوِّجوهُ، إلَّا تفعلوا تكن فتنةٌ في الـأرضِ وفسادٌ عريضٌ». والـأبُ الـصالحُ هُوَ الـحِمى لِروحِ الـطِّفلِ وعقلِهِ وبدنِهِ مِن أيِّ تشويهٍ لِدينِهِ أو انحرافٍ لِخُلقِهِ. قالَ عليهِ الـصلاةُ والـسلامُ فيما رواهُ الـبخاريُّ عن أبي هريرةَ -رضيَ اللَّهُ عنهُ-: “كلُّ مولودٍ يولدُ على الـفطرةِ، فأبواهُ يهوِّدانِهِ أو ينصِّرانِهِ أو يمجِّسانِهِ”. وفوقَ ذَلِكَ حفظَ حقَّهُ في الـحياةِ وهوَ جنينٌ في بطنِ أُمِّهِ؛ بِأن حرَّمَ إجهاضَهُ إذا نُفخت فيهِ الـروحُ بعدَ مائةٍ وعشرينَ يوماً، تحتَ أيِّ ظرفٍ حتَّى ولو كانَ الـفقرَ، قالَ تعالى: ﴿ولا تقتلوا أولادَكُم مِن إملاقٍ نَّحنُ نرزقُكُم وإيَّاهُم﴾ [الـأنعام: 151]. وثبتَ عنهُ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ أنَّهُ غيَّرَ أسماءَ بعضِ أصحابِهِ لِما كانَ فيها مِنَ الـمهانةِ والـتَّنفيرِ كالعاصِ، وعزيزٍ، وعتلةَ، وشيطانٍ، والـحكمِ، وغُرابٍ، وحُبابٍ، وشهابٍ فَسمَّى شهاباً هشاماً، وسمَّى حرباً سِلماً، وجعلَ الـإسلامُ الـرِّضاعةَ حقّاً فطريّاً وتشريعيّاً لِلطِّفلِ لِما فيهِ مِن بناءٍ لِلمناعةِ والـارتباطِ الـنَّفسيِّ بِالأُمِّ، لِضمانِ حقِّ الـطِّفلِ في الـغذاءِ الـعاطفيِّ والـصِّحِّيِّ، معتبراً أنَّ مصلحةَ الـطِّفلِ مقدَّمةٌ على مطالبِ الـوالدينِ في حالِ الـنزاعِ، قالَ تعالى: ﴿والـوالداتُ يُرضعن أولادَهُنَّ حولينِ كاملينِ لِمَن أرادَ أن يُتمَّ الـرِّضاعةَ﴾. وأوجبَ الـإسلامُ على الـأبِ الـنَّفقةَ الـضَّروريَّةَ كالمأكلِ، والـملبسِ، والـعلاجِ، بِإجماعِ الـفقهاءِ،
الجزء الأول من خطبة الجمعة من جامع الجزائر