-
موروث جزائري منذ 5 قرون
يرتبط “حق الملح” بثقافة الكرم والضيافة التي يتميز بها الجزائريون، حيث يعد الطعام رمزا للمحبة والتقارب، فمن شاركك اللقمة صار بينكما عهد غير مكتوب يُلزمك بالاحترام وعدم الإساءة، لذلك يقال دائما إن “الملح ما يتنكرش” في إشارة إلى ضرورة رد الجميل وصون العشرة.
وتعود تسمية حق الملح إلى اضطرار الزوجة أحيانا عند إعدادها الطعام لأسرتها خلال شهر رمضان إلى تذوّق الأكل دون ابتلاعه للتأكد من اعتدال ملوحته.
هدية رمزية بعد شهر من العطاء

خلال شهر رمضان تتحمل الزوجة في الغالب مسؤوليات كبيرة داخل البيت، من تحضير وجبات الإفطار والسحور إلى العناية بأفراد الأسرة وتهيئة أجواء العبادة، ومع نهاية الشهر الفضيل، يأتي حق الملح كنوع من الاعتراف بجهودها، وكلمة شكر تترجم على شكل هدية، وقد تكون هذه الهدية قطعة ملابس أو عطر، أو مبلغا ماليا أو حتى شيئا بسيطا حسب إمكانيات الزوج مع التأكيد على قيمتها المعنوية أكثر منها المادية.
بين العادة والتعبير عن الحب

لا يقتصر “حق الملح” على كونه تقليدا اجتماعيا بل هو أيضا فرصة لتعزيز الروابط العاطفية بين الزوجين، فهو يعكس اهتمام الزوج بزوجته، ويؤكد تقديره لدورها داخل الأسرة، وفي المقابل تشعر الزوجة من خلال هذه اللفتة بأنها محل تقدير واحترام مما يعزز الاستقرار الأسري ويزيد المحبة بين الطرفين، وفي بعض العائلات يتحول “حق الملح” إلى لحظة خاصة تنتظرها الزوجة كل عام ليس بسبب الهدية في حد ذاتها بل بسبب المعنى الذي تحمله والذي توارثته عن الأجيال السابقة، حيث كان الرجل في عيد الفطر يخرج مبكرا لأداء صلاة العيد وتبقى المرأة في البيت للاهتمام بملابس الأطفال وتحضير الطعام وترتيب البيت ووضع البخور، وتتزين وتلبس ملابس جديدة ثم تحضّر ربة البيت القهوة والحلويات في انتظار عودة زوجها.
وعند عودته يحتسي الرجل القهوة مع أفراد العائلة، لكنه لا يرجع الفنجان فارغا، بل يضع فيه خاتما أو قطعة ذهبية أو نقود، ليكون هدية لزوجته تعبيرا منه على امتنانه وشكره لها على مجهودها الذي بذلته خلال شهر رمضان المبارك.
اختلاف المظهر وثبات المعنى

في عصرنا الحالي تختلف طريقة تقديم “حق الملح” من منطقة إلى أخرى ومن عائلة إلى أخرى، فهناك من يحرص على أن تكون الهدية مميزة ومفاجئة، وهناك من يكتفي بشيء رمزي بسيط، كما أن بعض الأزواج يقدمون الهدية صباح يوم العيد، بينما يفضّل آخرون تقديمها في أجواء عائلية في آخر أيام الشهر الكريم.
مواقع التواصل.. أعادت “حق الملح” للظهور والانتشار

منذ سنوات قليلة انتشرت عبر مواقع التواصل في عيد الفطر منشورات ومقاطع فيديو لسيدات عرضن صورا لهدايا “حق الملح”، وهو ما أثار السجال بداية الأمر في التعليقات، بين من رأين ذلك تفاخرا ليس في محله وبين من تحسرن على تجاهل أزواجهن وعدم اعترافهم بالمجهودات التي بذلناها، ثم عادت العادة للانتشار عاما بعد آخر.
عادة جزائرية عريقة منذ 5 قرون

وتؤكد الدراسات الخاصة بالموروث التقليدي الجزائري، أن هذه العادة قديمة منذ 5 قرون بالجزائر، وانتقلت إلى كل من تونس والجزائر خلال فترة تواجد العثمانيين بهذه المنطقة العربية منذ القرن الـ 16، ثم بعد ذلك إلى المغرب.
وتشير تلك الدراسات إلى أن “حق الملح” عادة إسعاد الزوجة واعتراف الزوج بجميلها صباح يوم عيد الفطر، تكون عبارة عن هدية يقدمها لزوجته، وتختلف طبيعة الهدية بين الحناء أو قطعة ذهبية توضع في كأس القهوة أو قطعة من القماش والتي تسمى في الموروث الجزائري بـ “محرمة الفتول”.
هذا، ويبقى “حق الملح” أكثر من مجرد هدية تقدم في عيد الفطر، فهو رسالة حب ووفاء وتقدير صادق لدور الزوجة داخل الأسرة، وبين بساطة الفكرة وعمق المعنى، تظل هذه العادة شاهدا على جمال التقاليد الجزائرية التي تحافظ على قوة العلاقة الأسرية.
لمياء بن دعاس