المخزن يتجاهل أولوية محاربة الفساد ويعمّق أزمة الثقة مع الشعب المغربي

حكومة بلا بوصلة.. الفساد يتمدد في المغرب

حكومة بلا بوصلة.. الفساد يتمدد في المغرب
  • 50 مليار درهم تُهدر سنوياً.. من يحاسب لوبيات الفساد؟

في سياق يتسم بتصاعد المطالب المجتمعية بالإصلاح وتعزيز الشفافية، يسلّط تقرير مرصد العمل الحكومي الضوء على اختلالات عميقة في أداء الحكومة المغربية، خاصة في ما يتعلق بملف محاربة الفساد، الذي يبدو وفق التقرير خارج دائرة الأولويات الفعلية، وهذا التقييم لا يقتصر على الانطباعات، بل يستند إلى مؤشرات ومعطيات تعكس فجوة واضحة بين الخطاب الرسمي والواقع الميداني.

أولى نقاط الانتقاد، تتجلى في غياب إرادة سياسية ومؤسساتية حقيقية للتصدي للفساد بشكل جذري، فالتقرير يرى أن وتيرة الإصلاح بطيئة ولا ترقى إلى سقف انتظارات المواطنين، في وقت تتزايد فيه التحديات الاقتصادية والاجتماعية، هذا البطء لا يُفسَّر فقط بتعقيدات الملفات، بل يعكس – بحسب المرصد – تردداً في اتخاذ قرارات حاسمة تمس مصالح متجذرة داخل بنية الاقتصاد. ويعزز هذا الطرح، استمرار تراجع المغرب في مؤشر مدركات الفساد العالمي، حيث احتل المرتبة 99 من أصل 180 دولة سنة 2025، وهو ترتيب مقلق يعكس ضعف فعالية السياسات العمومية في هذا المجال، فالمؤشرات الدولية، رغم ما قد يحيط بها من نقاش، تظل مرآة تعكس مستوى الثقة في مناخ الأعمال وشفافية المؤسسات. اقتصادياً، تبدو كلفة الفساد أكثر وضوحاً، إذ تشير تقديرات الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها إلى أن الخسائر السنوية تصل إلى نحو 50 مليار درهم، هذا الرقم لا يمثل فقط نزيفاً مالياً، بل يترجم أيضاً ضعف الأثر الاجتماعي للاستثمارات العمومية، وتعثر إصلاحات حيوية في قطاعات مثل الصحة والتعليم والتشغيل، فالفساد هنا لا يُختزل في الرشوة المباشرة، بل يمتد إلى سوء توزيع الموارد وتضخم كلفة المشاريع وضعف تنافسية المقاولات. ومن أبرز مظاهر هذا التعثر، ملف المحروقات الذي ظل محور جدل واسع، فرغم تدخل مجلس المنافسة وفرضه غرامات على شركات التوزيع بسبب ممارسات منافية للمنافسة، إلا أن الأثر على الأسعار وثقة المواطنين ظل محدوداً، و هذا الوضع عزز الانطباع بأن آليات السوق لا تعمل بكفاءة، وأن مظاهر الريع ما تزال حاضرة في قطاعات تمس الحياة اليومية للمغاربة. ولا يتوقف النقد عند هذا الحد، بل يمتد إلى الصفقات العمومية، التي تحولت في بعض الحالات إلى عنوان لتداخل المال والسلطة، فالتقرير يشير إلى أن غياب قواعد صارمة وواضحة لتدبير تضارب المصالح يفتح الباب أمام ممارسات تضعف الحكامة وتؤثر على مصداقية المؤسسات، ومع تزايد حجم المشاريع الكبرى، يصبح هذا الملف أكثر حساسية، نظراً لما له من تأثير مباشر على جودة الخدمات العمومية. ويكشف التقرير، عن أزمة ثقة متنامية بين المواطن والمؤسسات، حيث لم تعد الشعارات كافية في ظل غياب نتائج ملموسة، فمحاربة الفساد لم تعد خياراً سياسياً، بل ضرورة تنموية ملحة، تتطلب إرادة حقيقية، وإصلاحات عميقة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، ودون ذلك، سيظل الفساد عائقاً بنيوياً يحد من أي مشروع إصلاحي، ويؤجل تحقيق تنمية عادلة وشاملة.

خديجة. ب