يتكشف واقع مغاير تعيشه الأسر المغربية، عنوانه الهشاشة والاختناق المالي اليومي، فبين ارتفاع الأسعار وتآكل المداخيل، لم يعد تحسين مستوى العيش سوى وهم إحصائي، بينما تكافح الأغلبية لتأمين أبسط الضروريات وسط تراجع القدرة على الادخار واتساع دائرة الفقر بصمت.
تكشف المعطيات الصادرة عن المندوبية المغربية للتخطيط عن مفارقة صارخة بين المؤشرات الرسمية والواقع المعيشي للمغاربة، حيث تزداد الضغوط الاقتصادية حدةً، وتغرق الأسر أكثر في دوامة الفقر والهشاشة، في ظل سياسات يُحمّلها كثيرون مسؤولية هذا الاختلال المتفاقم. الأسر المغربية، خلال الفصل الأول من السنة، لم تلمس أي انعكاس إيجابي لهذا “التحسن” المعلن، بل وجدت نفسها عالقة بين ارتفاع غير مسبوق في أسعار المواد الغذائية وضعف مزمن في المداخيل، هذا الوضع خلق ما يمكن وصفه بـ”الاختناق المالي الصامت”، حيث لم يعد تدبير المصاريف اليومية ممكناً إلا عبر الاستدانة أو استنزاف مدخرات سابقة، في مشهد يعكس عمق الأزمة الاجتماعية التي تتسع رقعتها بصمت. الأرقام في حد ذاتها كاشفة؛ إذ لا تتجاوز نسبة الأسر القادرة على الادخار 2.5 بالمائة، مقابل لجوء أكثر من ثلث الأسر إلى الاقتراض أو استهلاك مدخراتها لتأمين احتياجاتها الأساسية، وهذه المعطيات لا تعكس أزمة ظرفية، بل تشير إلى خلل هيكلي في النموذج الاقتصادي، حيث تتآكل الطبقة المتوسطة تدريجياً، وتُدفع شرائح واسعة نحو الهشاشة. ويبرز غلاء المواد الغذائية، كأحد أبرز مظاهر هذا الخلل، حيث تحولت إلى ما يشبه “ثقباً أسود” يبتلع أي تحسن طفيف في الدخل. فمع إقرار أكثر من 93 بالمائة من الأسر بارتفاع الأسعار، وتوقع أغلبها استمرار هذا المنحى، يصبح الحديث عن تحسن مستوى المعيشة مجرد خطاب منفصل عن الواقع. بل إن 75 بالمائة من الأسر تؤكد تراجع مستوى عيشها، ما يطرح تساؤلات جدية حول فعالية السياسات الاقتصادية المتبعة. في هذا السياق، تتجه الانتقادات إلى نظام المخزن، الذي يرى فيه مراقبون فاعلاً رئيسياً في تكريس هذه الاختلالات، من خلال غياب سياسات اجتماعية ناجعة قادرة على حماية القدرة الشرائية، مقابل التركيز على توازنات مالية لا تنعكس على حياة المواطنين، فالفجوة بين الأرقام الرسمية وحقيقة الأسواق تعكس ضعفاً في ترجمة المؤشرات الاقتصادية إلى أثر ملموس داخل الأسر. كما أن تراجع القدرة على الاستهلاك، خاصة فيما يتعلق بالسلع المستديمة، يكشف عن شلل اقتصادي داخلي، حيث لم تعد الأسر قادرة على التفكير في تحسين ظروف عيشها، بل تكتفي بتأمين الحد الأدنى من الضروريات، هذا الوضع لا يهدد فقط الاستقرار الاجتماعي، بل ينعكس أيضاً على دينامية الاقتصاد الوطني ككل. في المحصلة، يبدو أن التحسن المسجل في مؤشر الثقة يظل شكلياً، ما لم يُترجم إلى سياسات فعلية تعيد التوازن بين الدخل والأسعار، فاستمرار الوضع الحالي ينذر بتعميق الفوارق الاجتماعية، ويضع صناع القرار أمام مسؤولية ملحّة إما مراجعة الاختيارات الاقتصادية، أو مواجهة واقع اجتماعي أكثر احتقاناً، حيث لم يعد الفقر مجرد احتمال، بل أصبح واقعاً يومياً يعيشه الملايين.
خديجة. ب