أنوار من جامع الجزائر

خطر الإشاعة – الجزء الأول –

خطر الإشاعة – الجزء الأول –

لَقَدْ نَهَتِ الشريعةُ عَنْ تَلَقُّفِ الأخبارِ وَنَشْرِهَا دُونَ تَثَبُّتٍ وَتَمْحِيصٍ، قَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: 6]. وَحَذَّرَتْ مِنَ التَّهَاوُنِ بِشَأْنِ مَا يَتَنَاوَلُهُ المرءُ مِنْ أَحَادِيثَ، وَمَا يَنْشُرُهُ بَيْنَ الناسِ مِمَّا قَدْ يَتَسَبَّبُ فِي سَخَطِ اللهِ عَلَيْهِ؛ فَقَدْ رَوَى الشيخانِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «وَإِنَّ العَبدَ لَيَتَكَلَّمُ بالكلمةِ مِن سَخَطِ اللهِ، لَا يُلْقِي لَهَا بَالاً، يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ». وَبَيَّنَ عَلَيْهِ الصلاةُ والسلامُ فِيمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ سَيِّدَنَا مُعَاذٍ حِينَ سَأَلَهُ: “وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ؟” فَقَالَ: «ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ، وَهَلْ يَكُبُّ الناسَ فِي النارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ، أَوْ مَنَاخِيرِهِمْ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ؟». وَجَعَلَتِ الشريعةُ الإرجافَ وَزَعْزَعَةَ الأمنِ العامِّ بالشائعاتِ مِنْ شَأْنِ المنافقينَ، وَمَنْ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ، وَتَوَعَّدَهُمُ الباري سُبْحَانَهُ باللعنةِ والحربِ، قَالَ تَعَالَى: “لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [الأحزاب: 60-61]. لَقَدْ وَاجَهَتِ الشريعةُ الإسلاميةُ الإشاعةَ بِصَرَامَةٍ لَا هَوَادَةَ فِيهَا؛ وَلَمْ تَكْتَفِ بالنهيِ والتَّرْهِيبِ وَحَسْبُ، بَلْ أَرْسَتْ قَوَاعِدَ قَانُونِيَّةً وَفِكْرِيَّةً صَارِمَةً. وَتَأَمَّلُوا فِي أَعْظَمِ مِحْنَةٍ إِعْلَامِيَّةٍ وَاجْتِمَاعِيَّةٍ وَاجَهَتِ المجتمعَ النبويَّ؛ وَهِيَ حَادِثَةُ الإفكِ، يَوْمَ أَنْ خَاضَ المرجفونَ فِي عِرْضِ أُمِّ المؤمنينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا الصِّدِّيقَةِ المُبَرَّأَةِ. فَنَزَلَ الوحيُ لِيُؤَسِّسَ خَارِطَةَ طَرِيقٍ لِوَأْدِ الفتنِ فِي مَهْدِهَا.

 

الجزء الأول من خطبة الجمعة من جامع الجزائر