-
الجالية بالخارج.. شريك اقتصادي وثقافي في مسار التنمية
يأتي تأكيد الوزير الأول، سيفي غريب، على إعادة الاعتبار لدور الجالية الوطنية بالخارج، ليضع العمل القنصلي أمام مرحلة جديدة تتجاوز البعد الإداري إلى أفق تنموي أوسع. ففي سياق الإصلاحات التي يقودها رئيس الجمهورية، تبرز الدعوة إلى تحويل الجهاز القنصلي من فضاء خدماتي تقليدي إلى فاعل حقيقي في حماية المواطنين وتعزيز ارتباطهم بالوطن والمساهمة في مسار التنمية الوطنية.
خلال إشرافه، بتكليف من رئيس الجمهورية، على الافتتاح الرسمي لأشغال ندوة رؤساء المراكز القنصلية بمقر وزارة الشؤون الخارجية، أبرز الوزير الأول، سيفي غريب، حرص الحكومة على إيلاء الجالية الوطنية بالخارج المكانة التي تستحقها ضمن مختلف السياسات العمومية، انسجاما مع ارتباطها العميق بالوطن الأم. وأكد في كلمته أن الرهان المطروح أمام الشبكة القنصلية يتمثل في السعي الدائم للارتقاء إلى مستوى الإرادة القوية التي عبّر عنها رئيس الجمهورية في عديد المناسبات بخصوص التكفل بهذه الشريحة. وجدد الوزير الأول حرص الدولة التام على التكفل الأمثل بالجالية الوطنية المقيمة بالخارج وحمايتها والإصغاء الدائم لانشغالاتها، معتبرا أن ذلك يستوجب مواصلة دعم دور الشبكة الدبلوماسية والقنصلية في تطوير أساليب عملها، بما يسمح لها بالاضطلاع بالمهام المنوطة بها تجاه المواطنين الجزائريين في الخارج، وضمان تقديم خدمات قنصلية فعّالة تستجيب لتطلعاتهم. وفي هذا السياق، حدّد سيفي غريب المحاور الرئيسية التي ينبغي أن تحظى بالعناية خلال أشغال الندوة، وعلى رأسها تعزيز وترسيخ مبدأ حماية المواطنين الجزائريين بالخارج أينما تواجدوا وفي كل الظروف، والحفاظ على مصالحهم، وتعزيز روابطهم مع بلدهم الأم، إلى جانب مواصلة تبسيط الإجراءات الإدارية وتكييف التسيير القنصلي مع التحولات الإدارية التي تعرفها الجالية الوطنية بالخارج. كما شدد الوزير الأول، على ضرورة تعزيز مسار التحول الرقمي للخدمات القنصلية، باعتباره ركيزة أساسية لإصلاح المنظومة القنصلية، داعيا إلى استشراف وصياغة حلول عملية تستجيب للاحتياجات المستجدة للجالية بالخارج، لا سيما في المجالات الاقتصادية والثقافية وميدان الاتصال، بما يضمن تحسين نوعية الخدمات وتقريب الإدارة من المواطن. وأكد في ختام هذا السياق، أن دور المراكز القنصلية لا يجب أن ينحصر في تقديم الخدمات الإدارية فقط، رغم أهميتها، بل يتعين أن يشمل مهام أخرى يفرضها الواقع الراهن، خاصة في ظل تفاقم ظواهر الإسلاموفوبيا والتمييز العنصري واضطراب الهويات، مبرزًا في الوقت ذاته أهمية مساهمة الجهاز القنصلي في مرافقة المسار التنموي للبلاد وتثمين الوظيفة الاقتصادية للمراكز القنصلية وفق التوجيهات العليا للسلطات العمومية.
الجالية في صلب السياسات العمومية… التزام حكومي متجدد

تعكس مداخلة الوزير الأول، سيفي غريب، توجها واضحا نحو ترقية مكانة الجالية الوطنية بالخارج من ملف إداري ظرفي إلى مكوّن ثابت في الرؤية الشاملة للسياسات العمومية. فالتأكيد على الارتباط العميق للجالية بالوطن الأم لا يأتي في سياق رمزي، بل يُترجم كخيار دولة يسعى إلى تثبيت هذا الارتباط ضمن مقاربة مؤسساتية مستدامة، تنطلق من الاعتراف بدور الجالية كامتداد اجتماعي واقتصادي وثقافي للجزائر خارج حدودها. وفي هذا الإطار، يبرز حديث الوزير الأول عن “الحرص التام للدولة” بوصفه رسالة طمأنة سياسية وإدارية في آن واحد، مفادها أن التكفل بالجالية ليس فعلا استجابيا مرتبطا بالأزمات، وإنما مسارا دائما يقوم على الحماية، الإصغاء، والمتابعة المنتظمة للانشغالات. هذا التصور يعكس انتقالا من منطق التدخل الظرفي إلى منطق المرافقة المستمرة، بما ينسجم مع التحولات التي تعرفها أوضاع الجاليات في السياقات الدولية الراهنة. كما يبرز البعد التحليلي الإيجابي في ربط الوزير الأول هذا الالتزام بتوجيهات رئيس الجمهورية، ما يمنح السياسة الموجهة للجالية بعدا استراتيجيا موحدا، ويؤكد أن المسألة لا تُدار بمعزل عن الرؤية العامة للدولة. فإدراج الجالية ضمن أولويات العمل الحكومي يعكس إرادة سياسية لدمجها في معادلة التنمية الوطنية، ليس فقط كمستفيد من الخدمات، بل كفاعل محتمل في مسارات متعددة. ومن خلال هذا الطرح، يتضح أن الحكومة تسعى إلى إعادة تعريف العلاقة مع الجالية على أساس الشراكة لا الوصاية، وعلى قاعدة الحقوق والواجبات المتبادلة. فالجالية، كما تُقدَّم في هذا الخطاب، ليست مجرد رقم ديمغرافي بالخارج، بل رصيد وطني استراتيجي، يتطلب سياسات ذكية قادرة على تحويل الارتباط الوجداني بالوطن إلى مساهمة فعلية في حركته الاقتصادية والثقافية والمؤسساتية.
الجهاز القنصلي من إدارة خدمات إلى أداة تأثير
وانطلاقا من التأكيد على مركزية الجالية في السياسات العمومية، ينتقل خطاب الوزير الأول إلى الحلقة التنفيذية الأهم في هذا المسار، وهي الجهاز القنصلي، الذي لم يعد يُنظر إليه كواجهة إدارية تقليدية، بل كفاعل مباشر في تجسيد إرادة الدولة تجاه مواطنيها بالخارج. فالتحدي، كما طُرح، لا يكمن في أداء المهام الروتينية، وإنما في الارتقاء بالأداء القنصلي ليعكس حجم الرهان السياسي والوطني المعلّق عليه. وفي هذا السياق، يبرز البعد التحليلي الإيجابي في دعوة الوزير الأول إلى تجاوز “العقيدة البيروقراطية”، وهي عبارة دالة تختزل تشخيصًا هادئا لواقع قائم، دون تحميل أو إدانة، مقابل اقتراح مسار إصلاحي واضح المعالم. فالجهاز القنصلي مدعو، وفق هذا التصور، إلى التحول من منطق تسيير الملفات إلى منطق مرافقة الإنسان الجزائري بالخارج، بما يحمله ذلك من أبعاد قانونية، اجتماعية، وإنسانية. ويكتسب هذا التحول أهميته من طبيعة السياق الدولي الراهن، حيث أشار الوزير الأول إلى تفاقم ظواهر مقلقة مثل الإسلاموفوبيا والتمييز العنصري واضطراب الهويات. هنا، لا يُطرح الدور القنصلي كخدمة إدارية فقط، بل كخط دفاع مؤسساتي عن المواطن، وعن صورته وحقوقه وكرامته، بما يعزز الإحساس بالحماية والانتماء، ويُبقي رابط الدولة بمواطنيها فعّالًا مهما اختلفت الجغرافيا. ومن هذا المنظور، يصبح الجهاز القنصلي أداة تأثير ناعم، تعكس من خلالها الدولة حضورها ومسؤوليتها، وتعيد من خلالها بناء الثقة مع الجالية على أساس القرب، الفعالية، والقدرة على الاستجابة. وهو مسار، كما يوحي الخطاب، لا ينفصل عن تحديث أساليب العمل، ولا عن إعادة تموقع القنصلية كفضاء خدمة، حماية، وتمثيل وطني في آن واحد. التحول الرقمي كجسر جديد بين الدولة وجاليتها. وبعد إعادة تحديد وظيفة الجهاز القنصلي ودوره المتجدد، يبرز التحول الرقمي كأحد المفاتيح العملية لترجمة هذا التصور إلى واقع ملموس. فقد قدّم الوزير الأول الرقمنة بوصفها ركيزة أساسية لإصلاح المنظومة القنصلية، لا كخيار تقني ظرفي، بل كتحول هيكلي يهدف إلى تحسين جودة الخدمة وتقليص المسافات بين المواطن والإدارة. ويحمل هذا التوجه بعدا إيجابيا واضحا، إذ يعكس إدراكا رسميا بأن الجالية الوطنية بالخارج تعيش تحولات متسارعة في أنماط العيش والتواصل، وهو ما يستدعي إدارة قنصلية أكثر مرونة وقدرة على التكيف. فالرقمنة، في هذا السياق، ليست مجرد تبسيط للإجراءات، بل أداة لإعادة بناء العلاقة على أساس السرعة، الشفافية، والنجاعة. كما يندرج هذا المسار ضمن رؤية أوسع تسعى إلى تكييف التسيير القنصلي مع التحولات الإدارية التي تعرفها الدولة، ومع الاحتياجات المستجدة للجالية، سواء في المجال الاقتصادي أو الثقافي أو الاتصالي. وهو ما يجعل من الخدمات الرقمية منصة تفاعلية تُمكّن المواطن من الولوج إلى حقوقه وخدماته دون عوائق زمنية أو جغرافية. ومن خلال هذا الطرح، يتضح أن التحول الرقمي لا يُقدَّم كغاية في حد ذاته، بل كوسيلة لإرساء إدارة قنصلية عصرية، قادرة على الاستشراف بدل الاكتفاء بردّ الفعل، وعلى تعزيز ثقة الجالية في مؤسساتها، بما ينسجم مع التزام الدولة بتجسيد توجيهات رئيس الجمهورية في التكفل الأمثل بمواطنيها أينما وجدوا.
من الحماية القنصلية إلى صيانة الهوية الوطنية
وبالتوازي مع تحديث الأدوات والأساليب، انتقل خطاب الوزير الأول إلى بعد أكثر عمقا يتعلق بجوهر الدور القنصلي في المرحلة الراهنة، وهو بعد الحماية الشاملة للمواطن الجزائري بالخارج، ليس فقط في معناها الإداري أو القانوني، بل في بعدها الإنساني والهوياتي. فقد شدّد على أن المراكز القنصلية مطالَبة بضمان حماية المواطنين أينما تواجدوا وفي كل الأحوال، باعتبار ذلك مبدأ ثابتًا لا يقبل التجزئة. ويكتسي هذا التوجه، أهمية خاصة في سياق دولي يتسم بتنامي ظواهر مقلقة، على غرار الإسلاموفوبيا والتمييز العنصري واضطراب الهويات، وهي تحديات لا يمكن التعامل معها بمنطق تقني صرف. من هنا، يبرز الدور القنصلي كخط دفاع أول عن كرامة المواطن، وحاضنة رسمية تحفظ حقوقه وترافقه في محيطات قد تكون معقدة أو غير آمنة. كما يعكس هذا الطرح، وعيا رسميا بأن الحفاظ على روابط الجالية بوطنها الأم لا يتحقق فقط عبر الوثائق والخدمات، بل عبر الإحساس بالحماية والاهتمام والمتابعة. فالمواطن الذي يشعر بأن دولته حاضرة إلى جانبه في الأوقات الصعبة، يكون أكثر تمسكا بهويته وأكثر استعدادا لتعزيز ارتباطه الوطني. وفي هذا الإطار، تتجاوز المهمة القنصلية بعدها التقليدي لتصبح فعل صيانة للهوية الوطنية في الخارج، وحلقة وصل بين الفرد ووطنه، بما يعزز الانتماء ويحدّ من آثار الاغتراب الثقافي والاجتماعي. وهو توجه ينسجم مع رؤية شاملة ترى في الجالية امتدادا حيا للأمة، لا مجرد فئة إدارية مقيمة خارج الحدود.
الجالية شريك في التنمية لا مجرد مستفيد من الخدمات
وانطلاقا من هذا التصور الموسّع للدور القنصلي، انتقل الوزير الأول إلى التأكيد على بُعد آخر لا يقل أهمية، يتمثل في إدماج الجالية الوطنية بالخارج في المسار التنموي للبلاد، باعتبارها طاقة بشرية واقتصادية حقيقية لا يجوز حصر علاقتها بالدولة في إطار الطلب على الوثائق أو الخدمات الإدارية. ففي خطابه، شدّد على أن مرافقة التنمية الوطنية أصبحت مهمة حيوية يتعيّن على الجهاز القنصلي الاضطلاع بها بفعالية. ويبرز في هذا السياق التحول المفاهيمي الذي دعا إليه، والمتمثل في تجاوز “العقيدة البيروقراطية” نحو دور تنموي فاعل، يجعل من المراكز القنصلية منصات تعريف بمناخ الأعمال والاستثمار في الجزائر. فالإصلاحات الاقتصادية التي باشرتها السلطات العمومية، حسب ما أشار إليه، تفرض مواكبة قنصلية نشطة قادرة على إيصال المعلومة الصحيحة وفتح قنوات الثقة مع أبناء الجالية. كما دعا الوزير الأول إلى تمكين الجالية من آليات عملية تسمح لها بتجسيد مشاريعها على أرض الوطن، والتعريف بالمنتوج الجزائري وترقية حضوره في الدول المضيفة، إلى جانب تنشيط خلايا لليقظة الاقتصادية والمرافقة الدائمة للمتعاملين الاقتصاديين الوطنيين. وهي مقاربة تعكس إرادة واضحة لجعل الجالية جزءا من الدورة الاقتصادية، لا عنصرا خارجيا عنها. ويؤسس هذا التوجه، في مجمله، لرؤية جديدة تعتبر الجالية رافدا تنمويا استراتيجيا، قادرا على نقل الخبرة والاستثمار والصورة الإيجابية عن الجزائر، متى توفرت له المرافقة المؤسسية الفعالة. وبذلك، تتحول العلاقة بين الدولة وجاليتها من علاقة خدمة إلى علاقة شراكة، قوامها الثقة والمساهمة المتبادلة في بناء مسار وطني جامع.











