إعادة تفعيل معاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون الموقّعة سنة 2002

الجزائر وإسبانيا.. عودة الشراكة

الجزائر وإسبانيا.. عودة الشراكة
  • الجزائر شريك استراتيجي لا غنى عنه بالنسبة لإسبانيا

في خطوة تعكس تحولا لافتا في مسار العلاقات الجزائرية–الإسبانية، قررت الجزائر إعادة تفعيل معاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون الموقعة سنة 2002، بعد فترة من الجمود.

ويأتي هذا القرار في سياق ديناميكية جديدة تشهدها العلاقات بين البلدين، خاصة في ظل متغيرات إقليمية ودولية جعلت الجزائر شريكا استراتيجيا لا غنى عنه بالنسبة لإسبانيا، لاسيما في مجال الطاقة والتعاون الاقتصادي.

 

وفي امتداد لهذا القرار الذي أعاد ضبط مسار العلاقات الثنائية، يشكل إعلان إعادة تفعيل معاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون بين الجزائر وإسبانيا خطوة رسمية تعكس إرادة سياسية مشتركة للعودة إلى مستوى متقدم من التنسيق والتعاون. فالمعاهدة، الموقعة منذ أكتوبر 2002، تعد الإطار المرجعي الذي ينظم العلاقات بين البلدين على المستويين السياسي والاقتصادي.

ويؤشر هذا القرار إلى استئناف آليات الحوار المؤسسي التي تنص عليها المعاهدة، من خلال إعادة بعث اللقاءات الثنائية واللجان المشتركة، بما يسمح بتطوير التعاون في عدة مجالات، تشمل الاقتصاد والتجارة والتعليم والتنسيق الأمني. كما يعكس رغبة في إعادة تنشيط قنوات الاتصال الرسمية بعد فترة من التباطؤ، بما يضمن استمرارية المشاريع المشتركة. وتتضمن المعاهدة في مضمونها بنودا متعددة تهدف إلى تعزيز الحوار السياسي وتكثيف التعاون الاقتصادي والمالي، إضافة إلى تطوير الشراكة في مجالات البحث العلمي والتكوين، وتبادل الخبرات. كما تشمل مجالات أخرى مثل التعاون القضائي ومكافحة الهجرة غير النظامية، إلى جانب برامج للتبادل الثقافي والأكاديمي، ما يمنحها طابعا شاملا يتجاوز الجانب الاقتصادي. وبذلك، لا يقتصر قرار إعادة التفعيل على استعادة إطار قانوني سابق، بل يمثل إعادة إطلاق للعلاقات في صيغة أكثر تنظيما واستقرارا، بما يفتح المجال أمام مرحلة جديدة من التعاون. مرحلة تقوم على تفعيل الأدوات المؤسساتية القائمة، وتكييفها مع التحولات الراهنة، خاصة في ظل تزايد أهمية الجزائر كشريك استراتيجي بالنسبة لإسبانيا في عدة قطاعات حيوية.

 

ديناميكية جديدة في العلاقات.. تعاون يتوسع في مختلف المجالات

وفي امتداد لإعادة تفعيل الإطار المؤسساتي للعلاقات، بدأت ملامح ديناميكية جديدة تتشكل بين الجزائر وإسبانيا، تقوم على توسيع مجالات التعاون وتكثيف التنسيق على مختلف المستويات.

فالتوجه الحالي لا يقتصر على استعادة العلاقات إلى ما كانت عليه، بل يتجه نحو تطويرها بشكل أوسع، بما يعكس رغبة مشتركة في استغلال الفرص الاقتصادية المتاحة. وتشير المعطيات، إلى أن هذا التحرك يتجسد من خلال الاتفاق على إعادة بعث الزيارات الرسمية والاجتماعات الثنائية، سواء على المستوى الحكومي أو القطاعي، ما يسمح بإعادة تنشيط آليات التعاون وتفعيل المشاريع المشتركة. كما يعكس هذا المسار رغبة في بناء علاقة أكثر استقرارا واستمرارية، بعيدا عن الطابع الظرفي الذي طبع بعض الفترات السابقة. وفي الجانب الاقتصادي، يشمل هذا التعاون مجالات متعددة، من بينها الطاقة والصناعة والبنية التحتية، إضافة إلى التعاون في مجالات البحث العلمي والتكوين. كما يجري بحث إنشاء غرفة تجارة جزائرية–إسبانية، بهدف تسهيل المبادلات وتنظيم الحوار الاقتصادي بين الفاعلين من الجانبين، وهو ما يعكس توجها نحو تعزيز الإطار المؤسساتي للعلاقات الاقتصادية. وبذلك، تتجه العلاقات بين البلدين نحو مرحلة جديدة تتسم بالتنوع والتكامل، حيث لم تعد تقتصر على قطاع واحد، بل تشمل مجالات متعددة تعزز من عمق الشراكة. ومع استمرار هذه الديناميكية، تتشكل ملامح تعاون أكثر اتساعا، مدعوم بإرادة سياسية واقتصادية تهدف إلى تثبيت هذه العلاقة في سياق إقليمي ودولي متغير.

 

الغاز الجزائري في الصدارة.. ركيزة أساسية لأمن الطاقة الإسباني

وفي سياق هذه الديناميكية المتصاعدة، يبرز قطاع الطاقة كأحد أهم ركائز العلاقات الجزائرية–الإسبانية، حيث يحتل الغاز الجزائري موقعًا محوريا في تلبية احتياجات السوق الإسبانية.

فقد أصبحت الجزائر خلال السنوات الثلاث الأخيرة الممون الأول لإسبانيا، حيث تغطي أكثر من ثلث احتياجاتها من الغاز الطبيعي، في مؤشر واضح على عمق الاعتماد المتبادل بين البلدين. وتعكس الأرقام هذا التوجه بوضوح، إذ تم رفع حجم الإمدادات اليومية من الغاز الجزائري إلى إسبانيا بنسبة تقارب 12 بالمائة خلال مطلع سنة 2026، حيث انتقلت من 28 مليون متر مكعب يوميا في شهري يناير وفبراير إلى نحو 32 مليون متر مكعب يوميا. هذا الارتفاع يعكس قدرة الجزائر على الاستجابة للطلب المتزايد، ويعزز موقعها كمصدر موثوق ومستقر في سوق يشهد تقلبات مستمرة. كما يأتي هذا الاعتماد في ظل تراجع مصادر تقليدية أخرى، ما دفع إسبانيا إلى تعزيز شراكتها مع الجزائر لضمان استمرارية الإمدادات. ويُعد هذا التوجه جزءا من استراتيجية أوسع تهدف إلى تأمين الطاقة عبر شركاء قريبين جغرافيا وقادرين على توفير كميات منتظمة، وهو ما توفره الجزائر عبر بنيتها التحتية وشبكة أنابيبها. وبذلك، لا يمثل الغاز الجزائري مجرد مورد ضمن مزيج الطاقة الإسباني، بل أصبح عنصرا حاسما في ضمان استقرار السوق. ومع استمرار الطلب وتزايد التحديات في الأسواق العالمية، تتعزز مكانة الجزائر كركيزة أساسية لأمن الطاقة الإسباني، في إطار علاقة تتجه نحو مزيد من التوازن والاعتماد المتبادل.

 

أرقام تكشف التحول.. تجارة واستثمارات في مسار تصاعدي

وفي امتداد لهذا الدور المحوري الذي يلعبه الغاز الجزائري في السوق الإسبانية، تكشف المؤشرات الاقتصادية عن تحوّل ملموس في حجم المبادلات التجارية بين البلدين خلال الفترة الأخيرة، حيث لم تعد العلاقات محصورة في قطاع الطاقة، بل بدأت تتجه نحو تنويع أكبر في مجالات التعاون الاقتصادي.

وتشير المعطيات إلى أن حجم المبادلات التجارية بين الجزائر وإسبانيا بلغ نحو 8.5 مليارات يورو خلال سنة 2025، وهو ما يعكس عودة قوية للنشاط الاقتصادي بين الطرفين. كما سجلت الصادرات الإسبانية نحو الجزائر نموًا لافتًا، حيث تضاعفت ثلاث مرات خلال السنة الماضية، في مؤشر واضح على استعادة الديناميكية التجارية. وفي المقابل، تظل واردات إسبانيا من الجزائر مدفوعة أساسا بقطاع الطاقة، الذي يشكل العمود الفقري للعلاقة الاقتصادية، ما يمنح الجزائر موقعا متميزا في الميزان التجاري، ويعكس طبيعة التكامل بين اقتصاد يعتمد على الموارد الطاقوية وآخر يحتاج إلى تأمينها بشكل مستقر. كما تعكس هذه المؤشرات انتقال العلاقات الاقتصادية إلى مرحلة أكثر توازنا من حيث التنوع، مع استمرار تفوق الصادرات الجزائرية من حيث القيمة، مقابل سعي إسبانيا إلى توسيع حضورها في السوق الجزائرية عبر زيادة صادراتها وتعزيز استثماراتها. وبذلك، تؤكد الأرقام أن العلاقات الاقتصادية بين الجزائر وإسبانيا دخلت مرحلة تصاعدية، تقوم على مزيج من الاعتماد الطاقوي والتوسع التجاري، في إطار ديناميكية جديدة تعكس تحولات أعمق في طبيعة الشراكة بين البلدين.

 

إسبانيا تعزز حضورها الاقتصادي.. ومؤسساتها تعود بقوة إلى الجزائر

L'Espagne pousse ses entreprises à prendre d'assaut le marché algérien - L' Algérie Aujourd'hui

وفي امتداد لهذا النمو في المبادلات، يتجه الحضور الاقتصادي الإسباني داخل الجزائر نحو استعادة موقع أكثر اتساعا، مدفوعا بعودة المؤسسات الإسبانية إلى النشاط بوتيرة متصاعدة. وتشير المعطيات إلى وجود أكثر من 100 مؤسسة إسبانية تنشط حاليا في السوق الجزائرية، ما يعكس عودة الثقة والانخراط مجددا في مشاريع متنوعة. ويشمل هذا الحضور قطاعات متعددة، من بينها الصناعة والبنية التحتية والخدمات، إلى جانب مجالات مرتبطة بالتحول الاقتصادي، مثل الفلاحة والصناعات الغذائية. كما تعمل شركات إسبانية على تطوير مشاريع ذات طابع إنتاجي، خاصة في مجال زراعة القمح الصلب والصناعات التحويلية المرتبطة به، بما يعكس توجها نحو الاستثمار في سلاسل القيمة بدل الاكتفاء بالتبادل التجاري. وتؤكد المؤشرات التجارية هذا التوجه، حيث سجلت الصادرات الإسبانية نحو الجزائر نموا لافتا، إذ تضاعفت ثلاث مرات خلال السنة الماضية، في دلالة واضحة على تسارع وتيرة الحضور الاقتصادي الإسباني. ويعكس هذا الارتفاع محاولة مدريد تعزيز موقعها داخل السوق الجزائرية واستعادة زخمها الاقتصادي. وبذلك، لا يقتصر الحضور الإسباني على المبادلات التجارية، بل يمتد إلى استثمارات مباشرة ومشاريع ميدانية تعزز من عمق العلاقة الاقتصادية بين البلدين. ومع هذا التوسع، تسعى إسبانيا إلى تثبيت موقعها كشريك اقتصادي نشط، في وقت تبرز فيه الجزائر كوجهة استثمارية جاذبة ضمن سياق اقتصادي إقليمي متغير.

 

معادلة جديدة في العلاقات.. الجزائر في موقع الشريك الحاسم

وفي ضوء هذا الحضور الاقتصادي المتنامي وتوسع مجالات التعاون، تتبلور ملامح معادلة جديدة في العلاقات الجزائرية–الإسبانية، تقوم على توازن مختلف تميل فيه الكفة لصالح الجزائر، خاصة في مجال الطاقة.

فمع تغطية الجزائر لأكثر من ثلث احتياجات إسبانيا من الغاز، ورفع الإمدادات اليومية إلى نحو 32 مليون متر مكعب خلال مطلع 2026، أصبحت مدريد تعتمد بشكل متزايد على هذا المورد لضمان استقرار سوقها. ويعكس هذا التحول تغيرا في طبيعة العلاقة، حيث لم تعد الجزائر مجرد شريك ضمن قائمة الموردين، بل أصبحت عنصرا حاسما في تأمين الطاقة الإسبانية، في ظل اضطرابات السوق العالمية وتراجع مصادر أخرى. هذا الوضع يمنح الجزائر موقعا تفاوضيا أقوى، خاصة في ظل الطلب المتزايد على إمدادات مستقرة وقريبة جغرافيا. كما أن هذا التوازن الجديد يتعزز بالأرقام الاقتصادية، حيث بلغ حجم المبادلات نحو 8.5 مليارات يورو خلال 2025، مع هيمنة واضحة لصادرات الطاقة الجزائرية التي تمثل نحو 83 بالمائة من إجمالي الواردات الإسبانية. هذا التركيب يعكس اعتمادًا هيكليا لإسبانيا على الموارد الجزائرية، ويؤكد مركزية الجزائر في هذه العلاقة. وبذلك، تتجه العلاقات بين البلدين نحو صيغة أكثر وضوحا في توزيع الأدوار، حيث تبرز الجزائر كشريك حاسم في مجالات استراتيجية، في مقابل سعي إسبانيا لتعزيز حضورها الاقتصادي. ومع استمرار هذه المعطيات، تترسخ معادلة جديدة قوامها الاعتماد المتزايد على الجزائر، في سياق إقليمي ودولي يعيد تشكيل أولويات الطاقة والتعاون الاقتصادي.

مصطفى. ع