في جولة إفريقية تركز على الحوار بين الأديان..

زيارة تاريخية للبابا إلى الجزائر

زيارة تاريخية للبابا إلى الجزائر
  • الزيارة تحمل شعار “السلام” وتخلو من أي “أجندة سياسية”

  • برنامج مكثف في الجزائر.. لقاءات رسمية وزيارات لمعالم دينية بارزة

  • محطة عنابة في الواجهة.. قداس بموقع هيبون وإحياء إرث القديس أوغستين

  • رسائل تتجاوز الحدود.. تعزيز الحوار والتعايش ضمن جولة إفريقية واسعة

يبدأ بابا الفاتيكان ليون الرابع عشر زيارة تاريخية إلى الجزائر، اليوم الاثنين، في أول زيارة لرأس الكنيسة الكاثوليكية للبلاد، حيث سيلتقي الرئيس عبد المجيد تبون ويزور المعالم الدينية الرئيسية، في إطار جولة إفريقية تمتد حتى الثالث والعشرين من الشهر الجاري وتشمل الكاميرون وأنغولا وغينيا الاستوائية.

يبدأ البابا ليون الرابع عشر يومه في الجزائر صباح الاثنين بلقاء رسمي مع الرئيس عبد المجيد تبون، في حدث يعكس التقارب المتزايد بين الجزائر والفاتيكان، خاصة بعد اللقاء الأول الذي جمع الرئيس تبون بالبابا خلال زيارته السابقة إلى روما.

وسيلقي البابا كلمة أمام كبار المسؤولين والسلك الدبلوماسي في الجزائر العاصمة، مما يعكس الأهمية الدبلوماسية للزيارة على المستوى الرسمي. وحسب ما أفادت به مصادر إخبارية، فإن البرنامج لن يتضمن فعاليات عامة في العاصمة، كما ستبقى سيارة البابا الشهيرة “بابا موبيل” في المطار. وبعد ظهر الاثنين، ينتقل البابا إلى زيارة الجامع الكبير بالجزائر العاصمة، أحد أكبر المساجد في العالم، في خطوة رمزية قوية تعكس رسالة الحوار بين الأديان. وستشمل الزيارة أيضا، لقاءات مع أبناء الكنيسة الكاثوليكية في الجزائر. وقال المتحدث باسم الفاتيكان، ماتيو بروني، إن هدف البابا من هذه الزيارة هو “مخاطبة العالم الإسلامي، ومواجهة التحدي المشترك المتمثل في التعايش”. وتعكس هذه الرسالة التركيز الواضح للبابا على قضايا الحوار والتعايش السلمي بين الأديان، وهي رسالة تحمل أهمية عالمية في سياق التوترات الدينية والسياسية الحالية. وأشار رئيس أساقفة الجزائر جون بول فيسكو إلى أن هذه الزيارة تندرج تحت شعار “السلام”، وتخلو من أي “أجندة سياسية”، وتجسد العلاقة المميزة التي تجمع البابا بالجزائر كأرض ميلاد القديس أوغستين. وأكد فيسكو، أن شعار الزيارة مستمد من أولى كلمات البابا عقب انتخابه: “السلام معكم”، وهي الكلمة التي سيحملها معه في هذه الجولة. وتأتي هذه الزيارة، في سياق تقارب متنام بين الجزائر والفاتيكان، حيث تعكس الاهتمام المتبادل بتعزيز الحوار والتفاهم بين المؤسستين الدينيتين. وأشار رئيس أساقفة الجزائر إلى أن “العالم بأسره سيتابع هذه الزيارة”، معتبرا أنها تحمل “رسالة قوية من أجل السلام والأخوة”.

 

زيارة تاريخية إلى عنابة وموقع هيبون الأثري

وتشكل محطة عنابة، المرحلة الأكثر رمزية في زيارة البابا ليون الرابع عشر، حيث ستقام يوم غد الثلاثاء، وتتركز على زيارة موقع هيبون الأثري ومدينة عنابة، مسقط رأس القديس أوغستين.

وتعكس هذه الزيارة، الارتباط الشخصي العميق للبابا بالقديس أوغستين، اللاهوتي المسيحي الذي ولد في طاغاست وأصبح أسقف هيبون، وظل إرثه الروحي حاضرا بقوة في حبرية البابا الحالية. ولم يسبق لأي بابا أن زار الجزائر من قبل، مما يجعل هذه الزيارة حدثا تاريخيا لا سابق له في العلاقات بين الكنيسة الكاثوليكية والدولة الجزائرية.

وتشهد مدينة عنابة تحضيرات مكثفة تحسبا لوصول البابا، حيث باشرت مصالح القطاع الثقافي، بالتنسيق مع الجهات المعنية، عمليات نوعية لتهيئة الفضاءات والمعالم الدينية والأثرية. وتشمل هذه التحضيرات وضع لوحات تعريفية تتضمن معطيات ثرية بمختلف أجزاء موقع هيبون، بما يسمح للزوار بالتعرف على القيمة التاريخية والأثرية لهذا الموقع العريق. وأوضحت مديرة الثقافة والفنون لولاية عنابة صليحة برقوق أن التحضيرات تشمل ترتيبات للترحيب بالوفود والزوار المنتظر قدومهم من مختلف البلدان، لا سيما من أوروبا. وعلى مستوى كنيسة القديس أوغستين، تم تكليف متخصصة في صيانة وترميم التحف الفنية بأشغال تنظيف وصيانة المقتنيات، إلى جانب تدخل فرق الصيانة المكلفة بتهيئة المكان. وشملت التحضيرات أيضا، أعمال فنية متنوعة خاصة بالكتابات واللوحات التعريفية المتعلقة بالقديس أوغستين وإرثه الروحي. وتم طرح مشروع لإنشاء مركز خاص بالدراسات الأوغستينية، تم عرضه على وزيرة الثقافة والفنون خلال زيارتها الأخيرة إلى الولاية، مما يعكس الاهتمام الحكومي بتعزيز الدراسات والبحوث حول هذا الشخصية التاريخية الهامة. ومن المنتظر إدراج هذه المعالم ضمن المسار الثقافي المرتقب تصنيفه من طرف منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) ضمن القائمة التمهيدية للتراث العالمي، في إطار مسار هيبون الأثري. وتهدف هذه الخطوة إلى تعزيز السياحة الثقافية واستقطاب الزوار والباحثين والمهتمين بفكر وتاريخ القديس أوغستين ومكانته في التراث المسيحي العالمي. وسيقيم البابا قداساً في هذا الموقع الأثري الهام، مما يعكس الأهمية الروحية والتاريخية للمحطة.

 

الأبعاد الرمزية والدبلوماسية للزيارة التاريخية

وتحمل زيارة البابا ليون الرابع عشر إلى الجزائر أبعادا رمزية وتاريخية تتجاوز بكثير نطاق أبناء الكنيسة الكاثوليكية في الجزائر، حيث أشادت الصحافة المحلية بما تحمله من دلالات عميقة. وقالت صحيفة “المجاهد” إن الزيارة رمز “للقوة الناعمة الجزائرية” التي تعكس استقرار البلاد ودورها بوصفها وسيطا إقليميا وقدرتها على الحوار مع الفاعلين العالميين. وتعكس هذه الرؤية الحكومية الاهتمام بإظهار الجزائر كدولة مستقرة وحاضنة للتسامح والحوار بين الثقافات والأديان. وأشادت رئيسة جمعية فرنسا-الجزائر سيغولان روايال بالزيارة، معتبرة إياها “رسالة عالمية” لصالح الحوار بين الأديان والمصالحة بين الشعوب. وأبرزت روايال، البعد الرمزي الكبير لهذه الزيارة البابوية، “التي تأتي غداة الاحتفال بعيد الفصح، أقدس الأعياد لدى المسيحيين”، حيث كتبت أن “رمزية الحوار بين الأديان، القائم على الاحترام والأخوة، لافتة، إذ يتوجه قداسة البابا عقب احتفاله بعيد الفصح إلى الجزائر، البلد ذي الأغلبية المسلمة”. وتعكس هذه الملاحظة الفهم العميق للرسالة الروحية والسياسية للزيارة. وشددت روايال على البعد العالمي للبرنامج البابوي، من خلال زيارته لمواقع رمزية متعددة، على غرار مقام الشهيد وجامع الجزائر وكاتدرائية السيدة الإفريقية ومن ثم إلى مدينة عنابة. وأضافت روايال أن الزيارة تحمل “رسالة عالمية مفادها أن الحوار والإصغاء والمصالحة تظل دوما ممكنة في سبيل رفاهية الشعوب، حتى عندما تكون الجراح التاريخية عميقة”. وتعكس هذه الرسالة الفهم العميق لأهمية الحوار والتسامح في بناء مستقبل أفضل للشعوب. وتجسد الزيارة أيضا العلاقة المميزة التي تجمع البابا بالجزائر، حيث أكد رئيس أساقفة الجزائر أن هذا “كان حلما، فمنذ وقت طويل ونحن نأمل زيارة البابا إلى الجزائر”، مضيفاً أن البابا “منذ انتخابه عبر عن رغبته في زيارة الجزائر”. وتعكس هذه الرغبة الشخصية للبابا الاهتمام العميق بالجزائر وبتراث القديس أوغستين. وأشار فيسكو إلى أن منطقة البحر الأبيض المتوسط لها أهمية خاصة بالنسبة للبابا ليون الرابع عشر، باعتبارها مهد لحضارات عريقة وملتقى حضارات متعددة.

 

السياق الإفريقي والاستراتيجية البابوية الأوسع

وتندرج زيارة البابا ليون الرابع عشر إلى الجزائر ضمن جولة إفريقية أوسع تمتد من الثالث عشر إلى الثالث والعشرين من أبريل الجاري، وتشمل بالإضافة إلى الجزائر كلاً من الكاميرون وأنغولا وغينيا الاستوائية.

وتعكس هذه الجولة اهتماما استراتيجيا واضحا من الفاتيكان بالقارة الإفريقية، حيث يعيش فيها أكثر من خُمس المسيحيين الكاثوليك بالعالم. وقال الكاردينال مايكل تشيرني، أحد كبار مسؤولي الفاتيكان والمستشار المقرب من البابا، لرويترز إن الزيارة تهدف إلى “توجيه انتباه العالم نحو إفريقيا”. وأضاف تشيرني، أن “البابا يظهر -بالتوجه إلى أفريقيا في هذه المرحلة المبكرة من بابويته- أن أفريقيا مهمة… ويريد ليون التأكد من أن أفريقيا لا تنساها الدول والشعوب المنشغلة بشؤونها الخاصة”. وتعكس هذه الرسالة إدراكا واضحا من الفاتيكان بأهمية القارة الإفريقية في المستقبل، وضرورة توجيه الاهتمام العالمي نحو احتياجات وتحديات الشعوب الإفريقية. وتأتي هذه الجولة الإفريقية بوصفها أول جولة خارجية كبرى يقوم بها البابا ليون الرابع عشر منذ انتخابه في مايو من العام الماضي. وتعكس أولوية إفريقيا في جدول أعمال البابا الحالي، تحولا استراتيجيا في سياسة الفاتيكان، حيث يركز على القارات والمناطق التي تشهد نموا ديموغرافيا وروحيا كبيرا. وقد برز البابا ليون الرابع عشر خلال الأسابيع القليلة الماضية بوصفه منتقدا صريحا للحرب على إيران، مما يعكس التزاما واضحا بقضايا السلام والعدالة على المستوى العالمي. وقبل هذه الجولة الإفريقية، قام البابا بزيارة خارجية كبرى شملت تركيا ولبنان في نوفمبر وديسمبر من العام الماضي، كما زار موناكو في مارس من هذا العام.

وتعكس هذه الجولات المتتالية رغبة واضحة من البابا الحالي في بناء حضور عالمي قوي والتفاعل المباشر مع الشعوب والقيادات في مختلف أنحاء العالم. وتشير البيانات الصادرة عن الفاتيكان إلى أن هدف البابا من هذه الجولات هو “حث قادة العالم على تلبية احتياجات القارة الإفريقية”، مما يعكس رسالة عالمية واضحة حول أهمية التضامن والعدالة بين الشعوب. وتعكس زيارة الجزائر كنقطة انطلاق لهذه الجولة الإفريقية الاهتمام الخاص بالعلاقات بين الفاتيكان والعالم الإسلامي. وكان رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، قد ترأس، قبل أيام من الزيارة، اجتماع عمل خُصّص للوقوف على آخر اللمسات تحسبا لزيارة البابا ليون الرابع عشر، مما يعكس الاهتمام الحكومي الكبير بنجاح هذا الحدث التاريخي. وتشمل التحضيرات الحكومية جوانب متعددة تتراوح بين الترتيبات الأمنية والإدارية والثقافية والدبلوماسية. وأفاد بيان الرئاسة الجزائرية بأن الاجتماع “خُصّص للوقوف على آخر اللمسات تحسباً لزيارة قداسة البابا ليون الرابع عشر إلى الجزائر”، مما يعكس الطابع المنظم والدقيق للتحضيرات. وفي ختام هذه الزيارة، تتجه الأنظار إلى ما يمكن أن تتركه من أثر يتجاوز بعدها البروتوكولي، سواء على مستوى تعزيز الحوار بين الأديان أو ترسيخ مكانة الجزائر كفضاء للتلاقي والانفتاح. كما تشكل هذه المحطة، بداية لمسار أوسع من التفاعل بين الفاتيكان والقارة الإفريقية، في ظل اهتمام متزايد بقضايا التعايش والسلام. وبين البرنامج الرسمي والرمزية التاريخية، تبرز الزيارة كحدث مفصلي يحمل إشارات قوية نحو مرحلة جديدة من التواصل الديني والدبلوماسي على المستويين الإقليمي والدولي.

مصطفى. ع