عِبَادَ اللَّهِ: إِنَّمَا الأَعْمَارُ أَنْفَاسٌ تُعَدُّ، وَأَيَّامٌ تُطْوَى، تَمْضِي سَرِيعًا كَمَا يَمْضِي الظِّلُّ الزَّائِلُ، فَمَا هِيَ إِلَّا أَيَّامٌ قَلَائِلُ ثُمَّ تَنْقَضِي، وَلَيَالٍ مَعْدُودَاتٌ ثُمَّ تَنْصَرِمُ، وَإِنَّ فِي انْقِضَاءِ رَمَضَانَ لَعِبْرَةً لِلْمُعْتَبِرِينَ، إِذْ مَضَى كَأَنْ لَمْ يَكُنْ، وَانْصَرَفَ كَأَنْ لَمْ يَمُرَّ، وَكَذَلِكَ تَمْضِي الأَعْمَارُ، وَتَفْنَى اللَّيَالِي وَالأَيَّامُ، حَتَّى يَقِفَ العَبْدُ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ وَلَيْسَ مَعَهُ إِلَّا عَمَلُهُ، فَطُوبَى لِمَنْ أَحْسَنَ فَاسْتَبْشَرَ، وَوَيْلٌ لِمَنْ أَسَاءَ فَنَدِمَ وَتَحَسَّرَ، وَالفَائِزُ مَنْ سَمِعَ المَوْعِظَةَ فَاعْتَبَرَ، وَاسْتَجَابَ لِرَبِّهِ فَشَكَرَ، وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الطَّاعَةِ وَالإِحْسَانِ لَا مِنْ أَهْلِ الغَفْلَةِ وَالخُسْرَانِ. أَيُّهَا النَّاسُ: مَنْ نَظَرَ فِي سُرْعَةِ مُرُورِ الزَّمَانِ، وَتَقَلُّبِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَكَثْرَةِ الرَّاحِلِينَ إِلَى القُبُورِ، عَلِمَ أَنَّ الدُّنْيَا دَارُ فَنَاءٍ لَا دَارُ بَقَاءٍ، وَدَارُ عُبُورٍ لَا دَارُ سُرُورٍ، وَإِذَا كَانَ المُسْلِمُ قَدْ عَاشَ رَمَضَانَ فَعَمَّرَ نَهَارَهُ بِالصِّيَامِ، وَعَمَّرَ لَيْلَهُ بِالقِيَامِ، وَدَرَّبَ نَفْسَهُ عَلَى الطَّاعَةِ، وَعَوَّدَهَا عَلَى فِعْلِ الخَيْرِ وَتَرْكِ الشَّرِّ، فَإِنَّ الوَاجِبَ عَلَيْهِ بَعْدَ رَمَضَانَ أَنْ يُوَاصِلَ مَا تَعَوَّدَ عَلَيْهِ مِنَ الخَيْرِ، فَإِنَّ بَقَاءَ العَبْدِ عَلَى الطَّاعَةِ بَعْدَ رَمَضَانَ، وَاسْتِقَامَةَ أَقْوَالِهِ وَأَعْمَالِهِ، وَدَوَامَهُ عَلَى الصَّلَاةِ وَالذِّكْرِ وَسَائِرِ العِبَادَاتِ، لَأَكْبَرُ دَلِيلٍ عَلَى أَنَّهُ انْتَفَعَ بِرَمَضَانَ، وَلِذَلِكَ شَرَعَ لَنَا النَّبِيُّ ﷺ صِيَامَ سِتَّةِ أَيَّامٍ مِنْ شَوَّالٍ، فَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: “مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ كُلَّهُ” رواه مسلم، وَمَعْنَى الدَّهْرِ هُنَا السَّنَةُ، وَبَيَّنَ ذَلِكَ مَا وَرَدَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّ الحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، فَشَهْرُ رَمَضَانَ بِعَشَرَةِ أَشْهُرٍ، وَسِتَّةُ أَيَّامٍ بِشَهْرَيْنِ، فَتَكُونُ كَصِيَامِ سَنَةٍ كَامِلَةٍ. وَهٰذَا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ العَظِيمِ عَلَى عِبَادِهِ أَنْ يُعْطِيَهُمُ الأُجُورَ العَظِيمَةَ عَلَى الأَعْمَالِ القَلِيلَةِ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ وَلَا تَعَبٍ شَدِيدٍ، فَالحِكْمَةُ فِي كَوْنِهَا سِتَّةَ أَيَّامٍ أَنْ تَكْتَمِلَ بِهَا السَّنَةُ أَجْرًا وَثَوَابًا، وَلِذٰلِكَ يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَحْرِصَ عَلَى صِيَامِ هٰذِهِ الأَيَّامِ لِيَفُوزَ بِهٰذَا الفَضْلِ العَظِيمِ.
الجزء الأول من خطبة الجمعة من جامع الجزائر