أكد العديد من المختصين في الاقتصاد، أن إنشاء سونلغاز الدولية، ليس مجرد توسع جغرافي لنشاط مؤسسة وطنية، بل يعكس تحولًا استراتيجيًا في تموقع الجزائر ضمن الاقتصاد العالمي، قائم على الانتقال من منطق تصدير الموارد إلى منطق تصدير القيمة، وهو ما ينسجم مع الطموح الوطني لبناء اقتصاد متنوع، وبالتالي فهي بمثابة ذراع الجزائر، الطاقوي نحو العالمية وترسيخ الدبلوماسية الاقتصادية، وبذلك تضع الجزائر في موقع الشريك الموثوق، والقوة الإقليمية الصاعدة في مجال الطاقة.
هواري تيغرسي.. إطلاق سونلغاز الدولية يعكس طموحًا للتموقع كلاعب إقليمي فاعل في سوق الطاقة

أكد المحلل الاقتصادي، هواري تيغرسي، الثلاثاء، أنه في عالمٍ لم تعد فيه الطاقة مجرد مورد اقتصادي، بل تحولت إلى أداة استراتيجية لإعادة تشكيل موازين القوى، تخطو الجزائر خطوة نوعية بإطلاق سونلغاز الدولية، كذراع خارجية تعكس طموحًا واضحًا للتموقع كلاعب إقليمي فاعل في سوق الطاقة، خاصة في القارة الإفريقية، التي تشهد تحولات عميقة في بنيتها الطاقوية والتنموية.
وأوضح المحلل الاقتصادي، في تصريح “للموعد اليومي”، أنه لطالما ارتبط اسم سونلغاز بتأمين الكهرباء والغاز للسوق الوطنية، غير أن التحولات الاقتصادية العالمية، وتزايد الطلب على الطاقة في إفريقيا، فرض على الجزائر إعادة صياغة دور مؤسساتها الاستراتيجية. وهنا يأتي إنشاء “سونلغاز الدولية” كترجمة عملية لهذا التحول، حيث لم يعد الهدف يقتصر على تلبية الطلب المحلي، بل تجاوزه نحو تصدير الخبرة والخدمات والتكنولوجيا، وهذه الخطوة تعكس وعيًا متقدمًا بضرورة تنويع مصادر الدخل خارج المحروقات التقليدية، عبر الاستثمار في الخدمات الطاقوية، الهندسة الكهربائية، وإنجاز مشاريع البنية التحتية في دول تحتاج بشدة إلى حلول طاقوية مستدامة، وهذا ما يعكس طموحًا واضحًا للتموقع كلاعب إقليمي فاعل في سوق الطاقة، خاصة في القارة الإفريقية، التي تشهد تحولات عميقة في بنيتها الطاقوية والتنموية. وأضاف المحلل الاقتصادي والأستاذ الجامعي، أن القارة الإفريقية تعد الامتداد الطبيعي لهذا التوجه، بالنظر إلى حجم التحديات التي تواجهها في مجال الكهرباء، حيث لا يزال ملايين الأفارقة يعانون من نقص حاد في الولوج إلى الطاقة، وهنا تبرز فرصة تاريخية للجزائر، عبر “سونلغاز الدولية”، لتقديم نموذج متكامل يجمع بين الكفاءة التقنية والتكلفة التنافسية، كما أن هذا التوسع لا يقتصر على البعد الاقتصادي، بل يحمل في طياته أبعادًا جيوسياسية، حيث يعزز حضور الجزائر في محيطها الإفريقي، ويدعم سياستها القائمة على التعاون جنوب-جنوب، بدلًا من التبعية للنماذج التقليدية، وأحد أهم التحولات التي تجسدها هذه المبادرة هو الانتقال من تصدير الموارد الخام إلى تصدير المعرفة والخبرة، فالجزائر التي راكمت تجربة معتبرة في إنتاج ونقل وتوزيع الكهرباء، باتت قادرة على تحويل هذه الخبرة إلى منتج قابل للتسويق دوليًا، فمن خلال “سونلغاز الدولية”، يمكن للجزائر أن تقدم خدمات متكاملة تشمل، إنجاز محطات إنتاج الكهرباء، تطوير شبكات النقل والتوزيع، تكوين الكفاءات المحلية في الدول الشريكة، مع مرافقة مشاريع الطاقات المتجددة، وهو ما يمنحها ميزة تنافسية مقارنة بعديد الفاعلين الدوليين. وأشار المتحدث، أنه لا يمكن فصل هذا المشروع عن التوجه العام للجزائر، نحو تعزيز دبلوماسيتها الاقتصادية. فالشركات الوطنية الكبرى لم تعد مجرد أدوات إنتاج، بل تحولت إلى أذرع استراتيجية تدعم الحضور السياسي والاقتصادي للدولة في الخارج. وفي هذا السياق، تمثل “سونلغاز الدولية” أداة فعالة لفتح الأسواق، وبناء شراكات طويلة الأمد، وتعزيز الثقة مع الدول الإفريقية، خاصة في ظل المشاريع الكبرى التي تربط الجزائر بعمقها الإفريقي، مثل الربط الكهربائي وخطوط النقل الطاقوي، ورغم الآفاق الواعدة، فإن نجاح هذه التجربة يبقى مرتبطًا بجملة من التحديات، من أبرزها القدرة على المنافسة في سوق دولي يشهد حضور شركات كبرى، ضرورة توفير تمويلات مرنة للمشاريع الخارجية، غير أن توفر الإرادة السياسية، والخبرة التقنية، والموقع الجغرافي الاستراتيجي، كلها عوامل ترجح كفة نجاح هذا المشروع.
عبد الرحمن هادف.. إنشاء شركة “سونلغاز الدولية” خطوة استراتيجية ذات أبعاد اقتصادية وجيوسياسية عميقة

وبدوره أوضح عبد الرحمن هادف، المستشار الدولي في التنمية الاقتصادية، “للموعد اليومي”, أن إنشاء شركة سونلغاز-الدولية، يعد خطوة استراتيجية ذات أبعاد اقتصادية وجيوسياسية عميقة، تعكس تحوّلًا نوعيًا في مقاربة سونلغاز لدورها، من فاعل وطني في إنتاج ونقل وتوزيع الكهرباء والغاز، إلى فاعل إقليمي ودولي في صناعة الطاقة والخدمات المرتبطة بها.
وفي سياق التحولات العالمية التي يشهدها قطاع الطاقة، خاصة مع تسارع الانتقال الطاقوي وتزايد الطلب على البنى التحتية الكهربائية في إفريقيا ومنطقة المتوسط، يأتي هذا القرار انسجامًا مع رؤية عبد المجيد تبون، الرامية إلى تنويع الاقتصاد الوطني وتعزيز الصادرات خارج قطاع المحروقات. وذكر المستشار الدولي في التنمية الاقتصادية، أنه لم تعد القيمة الاقتصادية للطاقة، تقتصر على تصدير الموارد الطبيعية، بل أصبحت تمتد إلى تصدير المعرفة والخدمات الهندسية والتكنولوجية، ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة إنشاء “سونلغاز-الدولية”، كأداة لتثمين الرأسمال غير المادي، الذي راكمته سونلغاز على مدى عقود، خاصة في مجالات الهندسة الكهربائية، تسيير الشبكات، وإنجاز المشاريع الكبرى، وهذه الخبرة، التي تم تطويرها في سياق وطني معقد، تمثل اليوم ميزة تنافسية، يمكن توظيفها في أسواق ناشئة، لاسيما في إفريقيا التي تعرف عجزًا كبيرًا في البنية التحتية الطاقوية، حيث لا يزال ملايين السكان يفتقرون إلى الكهرباء. وأضاف عبد الرحمن هادف، بأن التوجه نحو الأسواق الإفريقية والمتوسطية لا يعكس فقط بعدًا اقتصاديًا، بل يحمل أيضًا بعدًا جيوسياسيًا واضحًا، فمن خلال تصدير خدماتها، يمكن للجزائر تعزيز نفوذها الإقليمي وترسيخ مكانتها كشريك موثوق في مجال الطاقة، خاصة في ظل المنافسة المتزايدة بين القوى الدولية على القارة الإفريقية، وهنا، تصبح “سونلغاز-الدولية” أداة دبلوماسية اقتصادية تكمّل الدور التقليدي للدولة، عبر بناء شراكات طويلة الأمد، قائمة على نقل المعرفة والتكوين، كما أن هذا التوجه يتماشى مع الديناميكيات الجديدة لسوق الطاقة العالمي، حيث تتزايد أهمية مشاريع الطاقات المتجددة، الربط الكهربائي الإقليمي، والهيدروجين الأخضر، وفي هذا الإطار، يمكن لـ“سونلغاز-الدولية” أن تلعب دورًا محوريًا في مرافقة الدول الشريكة، في تطوير مشاريع الطاقة النظيفة، مستفيدة من التجارب الجزائرية في هذا المجال، ومن موقعها الجغرافي الاستراتيجي كبوابة بين إفريقيا وأوروبا، ومن الناحية الاقتصادية، يفتح إنشاء هذه الشركة آفاقًا جدة لتنويع مصادر دخل مجمع سونلغاز، من خلال تطوير أنشطة ذات قيمة مضافة عالية خارج السوق المحلية، بما يساهم في تقليل الضغط على المالية العمومية، وخلق تدفقات مالية بالعملة الصعبة، ويعزز هذا التوجه من تنافسية المؤسسة، ويدفعها إلى تبني معايير دولية في الحوكمة والأداء. موضحا في ذات السياق، بأن نجاح هذا المشروع، يظل مرهونًا بعدة شروط، أبرزها القدرة على بناء نموذج أعمال مرن ومنافس، وتطوير شراكات فعالة مع فاعلين دوليين، إضافة إلى توفير آليات تمويل مناسبة لمرافقة التوسع الخارجي، كما يتطلب الأمر تعزيز الكفاءات البشرية، وتكييفها مع متطلبات العمل في بيئات دولية مختلفة.
نادية حدار