-
غارا جبيلات.. من مشروع مؤجل إلى ركيزة سيادة اقتصادية فعلية
-
التكنولوجيا فوق الأرض.. الأقمار الصناعية في خدمة السيادة الوطنية
-
حَوْكمة البيانات.. من رقمنة الخدمات إلى امتلاك مفاتيح القرار السيادي
-
بين التشويه والتقزيم.. مسار سيادي يتقدم رغم حملات التضليل
تتقدّم الجزائر في المرحلة الراهنة بخطوات متزامنة نحو ترسيخ مفهوم السيادة بمختلف أبعاده، من استغلال الثروات الاستراتيجية، إلى التحكم في الفضاء والبيانات، وصولا إلى بناء منظومات وطنية مستقلة تدعم القرار العمومي. مسارٌ تتقاطع فيه المشاريع الكبرى مع التحولات الرقمية والتكنولوجية، ليعكس توجّها واضحا نحو تعزيز الاستقلالية الوطنية، في سياق إقليمي ودولي يتّسم بتحديات متزايدة وتنافس حاد على الموارد والمعطيات.
تتجسّد هذه المرحلة في جملة من الأحداث المتزامنة التي تحمل دلالات استراتيجية عميقة، كان أبرزها الإعلان الرسمي عن دخول المنظومة الوطنية لحوكمة البيانات حيّز الخدمة، تحت إشراف الوزير الأول، بما يعكس انتقال الدولة من منطق تسيير المعطيات إلى منطق السيادة عليها. فالتحكم في البيانات، تنظيمها، وحمايتها أضحى ركيزة أساسية في بناء القرار العمومي وضمان استقلاليته في عالم تحكمه المعلومة. ويأتي هذا التطور في وقت تعيش فيه الجزائر ديناميكية متسارعة في تجسيد مشاريعها الكبرى، على رأسها الشروع الفعلي في استغلال خط السكة الحديدية المنجمي الغربي الرابط بين بشار وتندوف وغارا جبيلات، بطول يقارب 950 كيلومترا. هذا المشروع، الذي طالما صُنّف ضمن الأحلام المؤجلة، دخل اليوم مرحلة الاستغلال الفعلي، حاملا معه أولى شحنات خام الحديد نحو الشمال، في خطوة تعكس استعادة الدولة لزمام المبادرة في إدارة مواردها الطبيعية الاستراتيجية. وفي السياق ذاته، تعزّز المسار السيادي للجزائر بدخول قمرين صناعيين جديدين، Alsat-3A وAlsat-3B، حيّز الخدمة، ضمن رؤية تهدف إلى التحكم الوطني في تكنولوجيات الفضاء وتطوير منظومة المعلومات الجيوفضائية. هذه الخطوة لا ترتبط فقط بالبعد العلمي والتقني، بل تندرج ضمن منطق أوسع يربط الأمن، التنمية، والتخطيط، بامتلاك أدوات الرصد والتحليل السيادي. وتتقاطع هذه التحولات مع خطاب رسمي يؤكد أن الجزائر باتت تتحرك وفق رؤية استباقية تراهن على بناء استقلالية فعلية في قطاعات حيوية، تمتد من المناجم والطاقة إلى الفضاء الرقمي. مسارٌ تتكامل فيه المشاريع المادية الكبرى مع البنى التحتية غير المرئية، ليضع البلاد أمام مرحلة جديدة عنوانها تثبيت السيادة كخيار استراتيجي لا رجعة فيه.
غارا جبيلات.. من حلم مؤجل إلى رافعة سيادية فعلية
يشكّل دخول خط السكة الحديدية المنجمي الغربي بشار–تندوف–غارا جبيلات حيّز الاستغلال نقطة تحوّل نوعية في مقاربة الدولة لملف الثروات المنجمية، بعد عقود ظل فيها المشروع يُستحضر كإمكان مؤجل أكثر منه خيارا عمليا. الإعلان الرسمي عن انطلاق نقل أولى شحنات خام الحديد نحو الشمال لا يرمز فقط إلى تدشين بنية تحتية كبرى، بل إلى انتقال فعلي من منطق التخطيط إلى منطق الإنجاز. هذا المشروع، الممتد على مسافة تناهز 950 كيلومترا، يعكس إرادة واضحة لربط مناطق الإنتاج بالفضاءات الصناعية والموانئ، بما يضمن استغلالا عقلانيا للثروة المنجمية ضمن رؤية وطنية متكاملة. فالسكة الحديدية تم إنجازها كجزء من منظومة لوجستية تهدف إلى تحرير القرار الاقتصادي من اختناقات الجغرافيا وبعد المسافات. وفي البعد السيادي، يتجاوز غارا جبيلات كونه منجما ضخما لخام الحديد، ليغدو رمزا لاستعادة التحكم في الموارد الاستراتيجية. فالاعتماد على القدرات الوطنية في الإنجاز والتشغيل، وتسخير الإمكانيات البشرية والمادية المحلية، يعكس توجّهًا نحو تقليص التبعية وتعزيز الثقة في الكفاءات الوطنية، ضمن مسار تحرر تدريجي من الاقتصاد الريعي. كما يندرج هذا الإنجاز، في سياق أوسع يرمي إلى تنويع القاعدة الإنتاجية للاقتصاد الوطني، وخلق ديناميكيات تنموية في مناطق طالما وُصفت بالهامشية. فربط الجنوب الغربي بالشمال عبر هذا المشروع لا يختزل في بعد اقتصادي فحسب، بل يحمل أبعادا اجتماعية واستراتيجية، تؤكد أن السيادة تُبنى أيضا عبر العدالة المجالية وربط الأطراف بقلب القرار الوطني.
من الأرض إلى الفضاء.. السيادة تمتد إلى المدار
كما تعزّزت معالم السيادة الوطنية بإطلاق القمرين الصناعيين Alsat-3A وAlsat-3B، في خطوة تؤكد انتقال الجزائر من موقع المستخدم للتكنولوجيا الفضائية إلى فاعل يمتلك أدواتها ويطوّعها لخدمة أولوياته الاستراتيجية. فالحدث يُقرأ كحلقة ضمن مسار متكامل لبناء قرار سيادي مستقل في مجالات المعلومة والرصد والتخطيط. ويمثل القمران إضافة نوعية لمنظومة المعلومات الجيوفضائية، بما يتيح تحسين قدرات الدولة في مجالات متعددة، من مراقبة الموارد الطبيعية، إلى التخطيط العمراني، وإدارة المخاطر، ودعم السياسات العمومية ببيانات دقيقة وحديثة. هذا التحكم في المعلومة من مصدرها يعزّز قدرة القرار العمومي على الاستشراف، ويقلّص الاعتماد على معطيات خارجية قد تكون مشروطة أو غير متاحة في اللحظات الحساسة. كما يندرج هذا المكسب في إطار توطين المعرفة ونقل التكنولوجيا، عبر الاستثمار في الكفاءات الوطنية وتطوير منظومات البحث والتكوين المرتبطة بتقنيات الفضاء. فامتلاك الأقمار الصناعية لا يقتصر على إطلاقها، بل يمتد إلى تشغيلها، ومعالجة بياناتها، وبناء منظومات بشرية قادرة على تطويرها واستدامتها، بما يرسّخ مفهوم السيادة العلمية على المدى المتوسط والبعيد. وفي دلالته الرمزية، يبعث هذا الإنجاز برسالة واضحة مفادها أن السيادة لم تعد حكرًا على الحدود البرية والبحرية، بل تشمل الفضاء الرقمي والفضائي على حد سواء. فالدولة التي تتحكم في بياناتها من المدار، إنما تؤسس لمرحلة جديدة من الاستقلالية، حيث تصبح المعلومة ركيزة من ركائز الأمن والتنمية، لا مجرد أداة تقنية محايدة.
سيادة البيانات.. حين تتحول المعلومة إلى قرار سيادي
ويمثل الإعلان الرسمي عن دخول المنظومة الوطنية لحوكمة البيانات حيز الخدمة محطة مفصلية في مسار تكريس السيادة الرقمية للدولة، إذ بات التعامل مع البيانات يُنظر إليه كخيار استراتيجي يرتبط مباشرة بالأمن القومي وجودة القرار العمومي. وجاء إطلاق هذه المنظومة تحت شعار دال: «سيادة، تنظيم وشفافية»، بما يعكس الوعي المتقدم بأهمية المعلومة في إدارة الدولة الحديثة. وتقوم هذه المنظومة على مبدأ اعتبار البيانات أصولا استراتيجية، يجب التحكم في إنتاجها وتنظيمها وحمايتها وتوجيه استغلالها بما يخدم المصلحة الوطنية. فالدولة التي لا تملك سيادة على بياناتها، تظل رهينة مصادر خارجية في التخطيط والتقييم والاستشراف، وهو ما تسعى الجزائر إلى تجاوزه عبر بناء إطار وطني متكامل لحوكمة المعطيات العمومية. ويكتسي إدراج شبكة ربط سيادية مخصصة لهيئات ومؤسسات الدولة أهمية خاصة، باعتبارها تضمن تبادلا آمنا وفعّالا للمعلومات، وتحدّ من مخاطر الاختراق أو التسريب أو التلاعب بالمعطيات الحساسة. كما تسمح هذه الشبكة بتوحيد المرجعيات الرقمية، وتحسين التنسيق بين القطاعات، ورفع مستوى الانسجام في السياسات العمومية المبنية على البيانات. وفي بعده الأعمق، يعبّر هذا المشروع عن انتقال فعلي من منطق الرقمنة الشكلية إلى منطق السيادة الرقمية الواعية، حيث تصبح التكنولوجيا أداة لخدمة القرار الوطني لا قناة لاختراقه. فحوكمة البيانات، بهذا المعنى، تشكل العمود الفقري لدولة عصرية تمتلك زمام معلومتها، وتؤسس لإدارة أكثر شفافية ونجاعة، قادرة على مواكبة التحولات المتسارعة بثقة واستقلالية.
رغم حملات التشويه.. السيادة خيار ثابت
وفي خضم هذا المسار المتدرّج لتكريس السيادة الوطنية بمختلف أبعادها، تبرز محاولات متكررة للتشويش والتقزيم، تستهدف التقليل من حجم التحولات الجارية أو التشكيك في جدواها. غير أن تزامن مشاريع استراتيجية كبرى، من استغلال غار جبيلات، إلى التحكم في تكنولوجيات الفضاء، وصولا إلى حوكمة البيانات، يكشف أن ما يجري هو مسار دولة اختارت أن تبني استقلالها على أسس مادية وعلمية ومؤسساتية متينة. وتُظهر التجربة الجزائرية في السنوات الأخيرة أن السيادة باتت تُترجم عبر قرارات عملية ومكلفة، تتطلب صبرا واستثمارا طويل النفس. فالمشاريع الكبرى التي أُطلقت، رغم ما رافقها من تشكيك أو محاولات إحباط، أثبتت أن الرهان على القدرات الذاتية لم يكن مغامرة، بل خيارا محسوبا استند إلى قراءة دقيقة للتحولات الدولية وتراجع منطق الاعتماد المطلق على الخارج. وفي مقابل حملات التشويه التي تراهن على الإثارة والتهويل، يبرز واقع مغاير تصنعه الأرقام والوقائع الميدانية، حيث تتقدّم الجزائر بهدوء في مسار إعادة بناء أدواتها السيادية. فامتلاك البنية التحتية للنقل المنجمي، والتحكم في المعلومة الجيوفضائية، وتأمين البيانات العمومية، كلها عناصر تعكس دولة تعيد ترتيب أولوياتها بعيدا عن منطق التبعية، مهما اشتد الضجيج المحيط. ويؤكد هذا المسار أن معركة السيادة لا تُدار في الفضاء الإعلامي فقط، بل تُحسم أساسا في الميدان، عبر الإنجاز والاستمرارية. فبينما تراهن بعض الأطراف على استنزاف المعنويات أو زرع الشك، تواصل الجزائر تثبيت خياراتها الاستراتيجية بثبات، مدركة أن بناء السيادة مشروع تراكمي، لا تقطعه الحملات الظرفية ولا تعيقه محاولات التقليل، ما دام يستند إلى إرادة سياسية، وكفاءات وطنية، ورؤية واضحة لمكانة البلاد في عالم متغير. وتكشف هذه الديناميكية المتزامنة بين مشاريع البنية التحتية الكبرى، والتحكم في التكنولوجيا المتقدمة، وبناء منظومات رقمية سيادية، أن الجزائر لا تتحرك بمنطق ردّ الفعل، بل وفق تصور متكامل لإعادة تشكيل علاقتها بالموارد والقرار والمعرفة. فالسيادة، كما تتجلى اليوم، هي ممارسة عملية تُقاس بقدرة الدولة على التحكم في أدواتها الاستراتيجية، وضمان استمرارية خياراتها خارج منطق الارتهان والضغوط الظرفية. ويُبرز هذا المسار أن التحولات العميقة لا تُقاس بزخم الخطاب ولا بسرعة النتائج، بل بقدرتها على الصمود أمام محاولات التشويش والتقليل. فكل مشروع يُنجز، وكل منظومة تُطلق، يضيف لبنة جديدة في بناء استقلال متعدد الأبعاد، تتقاطع فيه الجغرافيا بالاقتصاد، والتكنولوجيا بالحوكمة، والذاكرة الوطنية برهانات المستقبل. وفي هذا السياق، تصبح الحملات السطحية جزءا من المشهد، لا عاملا محددا لمساره. وعليه، تبدو الجزائر، وهي تمضي في هذا الخيار، واعية بأن طريق السيادة ليس معزولا عن التحديات، لكنه أيضا ليس قابلا للتراجع. فالثبات على هذا النهج يعكس قناعة بأن امتلاك القرار الوطني يمر عبر التحكم في الموارد والمعطيات والفضاءات الحيوية، وبأن الاستثمار في القدرات الذاتية هو الضامن الحقيقي لمواجهة عالم متقلب، تُعاد فيه صياغة موازين القوة على أسس جديدة، لا مكان فيها لمن لا يملك أدواته.
مصطفى .ع











