-
الشرق الأوسط تحت تأثير ضربات متبادلة وتصعيد عسكري
-
سيناريوهات مفتوحة بعد المواجهة العسكرية واحتمالات التوسع الإقليمي
استيقظ العالم، صبيحة السبت، على وقع تطورات عسكرية غير مسبوقة أنهت عمليا مرحلة التصعيد المحسوب بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني، ودفعت المنطقة إلى مواجهة مباشرة تتجاوز منطق الضربات المحدودة.
ومع اتساع دائرة الاشتباك وارتفاع منسوب التوتر حول القواعد والمصالح الحيوية، بدا واضحا أن الشرق الأوسط دخل مرحلة جديدة مفتوحة على احتمالات متعددة، في لحظة تعيد طرح سؤال الحرب وحدودها ومستقبل التوازنات الإقليمية.
قصفت الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني في عمليات مزدوجة مواقع داخل الأراضي الإيرانية، في تحرك عسكري متزامن شكّل نقطة تحول واضحة في مسار التوتر القائم بين الطرفين. ووفق المعطيات الأولية المتداولة، استهدفت الضربات منشآت ومواقع وُصفت بأنها ذات طابع استراتيجي، ما رفع مستوى المواجهة من تبادل رسائل سياسية وعسكرية إلى اشتباك مباشر على الأرض، وأدخل المنطقة في مرحلة غير مسبوقة من التصعيد. وجاءت هذه الضربات في ظل تصاعد حاد في الخطاب السياسي والعسكري بين الجانبين خلال الأيام التي سبقتها، حيث تبادلت واشنطن وتل أبيب من جهة، وطهران من جهة أخرى، الاتهامات والتحذيرات. كما شهدت المنطقة تحركات عسكرية لافتة، شملت تعزيزات وانتشارا إضافيا في بعض القواعد والمواقع الحساسة، ما زاد منسوب الترقب إزاء احتمال اندلاع مواجهة أوسع. ومع اتساع نطاق الاستهدافات وتأكيد الأطراف المعنية دخولها مرحلة الرد، بدا واضحا أن المواجهة تجاوزت حدود الضغوط الدبلوماسية والعقوبات المتبادلة، لتتحول إلى صدام عسكري مباشر يحمل في طياته احتمالات متعددة. فالمشهد الذي تبلور خلال الساعات الأخيرة يعكس انتقالا من حالة توتر مزمن إلى واقع حرب مفتوحة، تتداخل فيها الحسابات الإقليمية مع رهانات القوى الدولية الكبرى.
فشل اللحظة الأخيرة.. هل أُغلقت أبواب التهدئة؟
وفي امتدادٍ للمشهد الذي تبلور مع انطلاق الضربات المتبادلة، برزت معطيات تشير إلى أن المواجهة لم تكن حتمية بالكامل، بل سبقتها محاولات مكثفة لاحتواء التوتر ومنع انزلاقه إلى حرب مفتوحة. فقد تحركت قنوات دبلوماسية متعددة، رسمية وغير معلنة، خلال الأيام الأخيرة في مسعى لخفض التصعيد، سواء عبر وساطات إقليمية أو عبر رسائل غير مباشرة بين الأطراف المعنية. غير أن هذه المساعي اصطدمت بتصاعد منسوب الشكوك المتبادلة واشتداد الخطاب المتشدد من الجانبين.
كما أفادت تقارير متقاطعة بأن اتصالات جرت في الساعات التي سبقت الضربات، بهدف تجميد أي خطوة عسكرية واسعة، غير أن التطورات الميدانية تسارعت بوتيرة تجاوزت الإطار السياسي. فكل طرف كان يضع شروطا وضمانات اعتبرها أساسية لأمنه القومي، ما جعل هامش المناورة ضيقا في لحظة حساسة تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع الضغوط الداخلية والخارجية.
وبانهيار آخر محاولات التهدئة، بدا أن قرار المواجهة اتخذ فعليا، وأن قنوات الاحتواء لم تعد قادرة على لجم التصعيد. وهكذا، انتقلت المنطقة من مرحلة الرهان على الوساطات إلى واقع المواجهة المباشرة، في مشهد يعكس فشل الدبلوماسية في احتواء أزمة بلغت مستوى من التعقيد يجعل العودة السريعة إلى طاولة التفاوض أكثر صعوبة.
القواعد الأمريكية في مرمى النار.. توسع المواجهة أم احتواؤها؟
ومع تعثر قنوات التهدئة التي سبقت اندلاع المواجهة، دخلت الحرب مرحلة أكثر حساسية بعد أن طالت الضربات الإيرانية مواقع وقواعد عسكرية أمريكية في عدد من دول الخليج، بينها البحرين والكويت والسعودية والإمارات وقطر. هذا التطور لم يعد يضع المواجهة في إطار ثنائي بين طهران وتل أبيب أو واشنطن، بل ينقلها إلى مستوى إقليمي مباشر، حيث تتقاطع المصالح العسكرية والسيادية لعدة دول في لحظة واحدة.
القواعد الأمريكية في هذه الدول، تمثل جزءا من البنية الاستراتيجية للانتشار العسكري الأمريكي في المنطقة، سواء عبر الأسطول الخامس في البحرين، أو القواعد الجوية في قطر والكويت، أو منشآت الدعم والتمركز في السعودية والإمارات. استهداف هذه المواقع – مهما كان حجمه أو نطاقه – يحمل دلالة واضحة: أن ساحة الاشتباك لم تعد محصورة في جغرافيا واحدة، وأن معادلة الردع دخلت مرحلة جديدة عنوانها “الرد عبر شبكة الانتشار”. غير أن السؤال الأكثر حساسية الآن هو: هل ستتعامل واشنطن مع هذه الضربات باعتبارها تصعيدا يستوجب ردا واسعا، أم أنها ستسعى إلى احتواء المواجهة ومنع تحولها إلى حرب إقليمية شاملة؟ فهذه اللحظة تحديدا قد تكون الفاصل بين مواجهة محسوبة تُدار ضمن خطوط حمراء، وبين انفلات أوسع يعيد رسم خريطة الأمن في الخليج والشرق الأوسط بأكمله.
سيناريوهات التصعيد المفتوحة..
ومع انتقال المواجهة إلى استهداف قواعد ومصالح استراتيجية، لم يعد السؤال المطروح ما إذا كانت الحرب قد بدأت، بل إلى أي اتجاه ستتطور. السيناريو الأول يتمثل في حرب محدودة بضربات متبادلة، حيث يسعى كل طرف إلى تثبيت معادلة ردع جديدة دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة. في هذا الإطار، قد تستمر الضربات الدقيقة والمركزة، مع رسائل محسوبة، بهدف فرض شروط تفاوضية مستقبلية أو إعادة رسم خطوط الاشتباك دون كسرها بالكامل. غير أن الاحتمال الثاني يبقى أكثر خطورة، ويتمثل في تحول المواجهة إلى حرب إقليمية واسعة، خاصة إذا توسعت دائرة الأهداف لتشمل بنى تحتية استراتيجية أو انخرطت أطراف إضافية بشكل مباشر. أي خطأ في الحسابات أو رد غير محسوب قد يدفع المنطقة إلى انفجار أوسع، تتداخل فيه الجبهات البرية والبحرية والجوية، ويصبح الخليج وشرق المتوسط ساحتي اشتباك مفتوحين، مع ما يحمله ذلك من تداعيات على أسواق الطاقة وحركة الملاحة الدولية.
أما السيناريو الثالث والرابع، فيكمنان في احتمال دخول المنطقة مرحلة “مواجهة طويلة منخفضة الحدة”، تُدار عبر استنزاف متبادل وضغوط اقتصادية وأمنية متقطعة، أو في انخراط أطراف جديدة إقليمية ودولية وفق حساباتها الخاصة. في هذه الحالة، قد تتحول الحرب من صدمة عسكرية سريعة إلى مسار طويل يعيد تشكيل التحالفات ويختبر صلابة التوازنات القائمة، ليبقى الشرق الأوسط أمام مفترق طرق تاريخي لا تُحسم مآلاته إلا بميزان القوة والصبر الاستراتيجي.
اختبار الصمود: من يملك النفس الأطول؟
وفي ضوء السيناريوهات المفتوحة التي تلوح في الأفق، تتحول المعركة تدريجيا من مجرد تبادل ضربات إلى اختبار إرادات طويل النفس. فالحروب الحديثة لا تُحسم فقط بقوة النيران، بل بقدرة الأطراف على تحمّل الكلفة السياسية والاقتصادية والعسكرية لفترة ممتدة. وهنا يبرز السؤال المركزي: هل تراهن طهران على حرب استنزاف تدريجية تعيد تثبيت موقعها الإقليمي، أم أن واشنطن وتل أبيب تسعيان إلى فرض إيقاع سريع يُنهك الخصم قبل أن تتراكم عليه نقاط القوة؟
إيران، بحكم خبرتها في إدارة صراعات غير تقليدية وعبر مسارح متعددة، قد تراهن على عامل الوقت، وعلى توسيع هامش الضغط دون الانزلاق إلى مواجهة تقليدية شاملة. فشبكة تحالفاتها الإقليمية، وقدرتها على توزيع ساحات الاشتباك، تمنحها أوراقا في معادلة الاستنزاف. في المقابل، تواجه واشنطن وتل أبيب تحديات تتعلق بالرأي العام الداخلي، وكلفة الانخراط العسكري المباشر، إضافة إلى حسابات الأسواق العالمية وأمن الطاقة، ما يجعل قرار الاستمرار في التصعيد مكلفاً سياسياً واقتصادياً. غير أن ميزان الصمود لا يُقاس فقط بالقدرات العسكرية، بل أيضا بمرونة الجبهة الداخلية لكل طرف. فاستقرار الداخل، وقدرته على امتصاص الضغوط، وإدارة الخطاب السياسي والإعلامي، كلها عناصر ستحدد من يستطيع الاستمرار لفترة أطول دون اهتزاز. ومع دخول المواجهة مرحلة اختبار الأعصاب، يبدو أن الحرب لم تعد مجرد صدام عسكري، بل معركة صبر استراتيجي قد تعيد تعريف موازين القوة في المنطقة بأسرها.
هل أُسيء تقدير كلفة المواجهة؟
ومع تحوّل الصراع إلى اختبار صمود مفتوح، يطرح سؤال جوهري نفسه بقوة: هل كانت حسابات اللحظة الأولى دقيقة بما يكفي، أم أن بعض الأطراف قلّلت من حجم الرد المحتمل وتداعياته؟ فالتاريخ الحديث للمنطقة مليء بأمثلة صراعات بدأت بضربات محدودة وانتهت بمواجهات أوسع مما كان مخططا لها. وفي هذا السياق، تبدو فرضية “سوء التقدير الاستراتيجي” أحد أخطر العوامل التي قد تدفع بالتصعيد إلى مستويات غير متوقعة. الرهان على رد فعل محسوب أو محدود قد يكون انطلق من افتراض أن الخصم سيفضّل الاحتواء بدل المواجهة المباشرة. غير أن الردود المتبادلة أظهرت أن كل طرف يسعى إلى تثبيت معادلة ردع جديدة دون الظهور بمظهر المتراجع. هذا التداخل بين الاعتبارات العسكرية والرمزية يجعل هامش الخطأ ضيقا للغاية، حيث يمكن لأي تصعيد إضافي أن يُفسّر باعتباره ضرورة لاستعادة الهيبة أو تثبيت المصداقية، لا مجرد رد تكتيكي. وفي المقابل، فإن كلفة الحرب لا تُقاس فقط بالخسائر العسكرية، بل بارتداداتها الاقتصادية والسياسية والدبلوماسية. اضطراب أسواق الطاقة، اهتزاز حركة الملاحة، وضغط الرأي العام الداخلي، كلها عناصر قد تعيد تقييم الحسابات لدى الأطراف المنخرطة في المواجهة. وهنا يكمن التحدي الحقيقي: هل يدرك صانعو القرار أن استمرار التصعيد قد يخرج عن السيطرة، أم أن منطق فرض الوقائع بالقوة سيظل هو المحرك الأساسي لمسار الأحداث في المرحلة المقبلة؟
المستقبل: هل يتشكل نظام إقليمي جديد؟
وبعد كل ما سبق من تصعيد واختبارات صمود واحتمالات سوء تقدير، يبرز السؤال الأوسع: هل نحن أمام حرب عابرة ستُطوى بتفاهمات مؤقتة، أم أن المنطقة تدخل فعليا مرحلة إعادة تشكيل شاملة لتوازناتها؟
إذا استمرت المواجهة وتوسعت، فقد نشهد تحولات عميقة في طبيعة الاصطفافات الإقليمية، سواء عبر تعزيز محاور قائمة أو بروز ترتيبات أمنية جديدة في الخليج وشرق المتوسط. كما أن دور القوى الكبرى لن يبقى محايدا، إذ ستتداخل حسابات روسيا والصين وأوروبا في لحظة إعادة توزيع النفوذ، خاصة في ظل حساسية المنطقة بالنسبة لأسواق الطاقة وخطوط الملاحة الدولية. وهنا يصبح الشرق الأوسط ساحة لإعادة صياغة ميزان القوى، لا مجرد مسرح مواجهة عسكرية.
غير أن تشكل نظام إقليمي جديد لا يعني بالضرورة الاستقرار السريع، بل قد يمر بمرحلة طويلة من إعادة التموضع والتفاوض غير المباشر. فكل حرب تحمل في طياتها بذور نظامها اللاحق، سواء عبر تثبيت معادلات ردع جديدة أو إعادة تعريف حدود النفوذ والسيادة. وفي هذا السياق، قد تكون المواجهة الحالية لحظة مفصلية تعيد طرح سؤال جوهري: هل يتجه الشرق الأوسط نحو توازن ردعي أكثر وضوحا، أم نحو مرحلة اضطراب ممتد تعيد صياغة قواعد اللعبة بالكامل؟
مصطفى. ع