لقد انطوى بساطُ شهر رجب الأصم، وها نحن نستظل بظلال شهرٍ كريم، وموسمٍ عظيم، إنه شهر شعبان.. هذا الشهر الذي يقفُ كالبرزخِ بين هيبتين: هيبةِ الأشهر الحرم التي مضت، وهيبةِ شهر القرآن الذي سيأتي. وفي هذا الموقع المتوسط، تكمنُ فتنة “الغفلة” التي أشار إليها سيدُ الخلق وحبيب الحق ﷺ. ففي الحديث الصحيح الذي رواه النسائي عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: قلت: يا رسول الله، لم أرك تصوم شهراً من الشهور ما تصوم من شعبان؟ قال ﷺ: “ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ، وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ”. تأملوا -رحمكم الله- هذا التعبير النبوي البليغ: “يغفل الناس عنه”. إن الناس جُبلوا على الاهتمام بالبدايات والنهايات، فيهتمون برجب لأنه حرام، ويستعدون لرمضان لأنه صيام، وتفترُ هممهم فيما بينهما. وهنا يظهرُ “الاصطفاء”، ويتميزُ الصادقون. إنَّ العبادةَ في وقت الغفلة، وحين انشغال الناس بالدنيا، لها مزيةٌ خاصة عند الله، فهي تدلُّ على خلوص السريرة، وعدم التأثر بضجيج الغافلين. إنها كالمصباح يضيء في الظلمة، وكالذكر يصدحُ في الصمت. أعمالُ عامٍ كامل، صلاتكم، صدقاتكم، خطواتكم إلى هذا الجامع وغيره من المساجد، برُّكم بوالديكم، صِدقكم في بيعكم وشرائكم.. وقبل ذلك: خفايا صدوركم، كلها ستُعرض في هذا الشهر على الملك الديان، وهو أعلم بها. فبأي حالٍ تحبون أن يُختم عامكم؟ وبأي وجهٍ تحبون أن تُعرض صحائفكم؟ إن التاجر الحاذق إذا اقترب موعدُ الجرد السنوي، سارع إلى تسوية حساباته، وتصحيحِ أخطائه، فكيف بمن يتاجر مع الله؟! إن شهر شعبان هو الختامُ لأعمال العام، وحُسنُ الختام… يمحو ما قبله من الآثام، ويجبُّ ما كان من النقصان، فاستدركوا ما فات، ورمموا ما تصدع من بناء إيمانكم، قبل أن يُغلق السجل ويُرفع إلى الله جلا جلاله. إن شعبان هو القنطرةُ التي نعبر عليها إلى رمضان. ومن لم يزرع في شعبان، كيف يحصد في رمضان؟ يقول قال أبو بكر الورَّاق البلخي رحمه الله: “رجب شهر البذر، وشعبان شهر السقيا، ورمضان شهر الحصاد”. فكيف لمن ترك أرض قلبه قاحلةً في شعبان، لم يُروها بدمع الأسحار، ولم يحرثها بتلاوة القرآن، أن يطمع في حلاوة الثمر في رمضان؟ إن النفس -معاشر المؤمنين- تحتاج إلى ترويض، ومن لم يألف الصيام والقيام في هذا الشهر، ثَقُل عليه ذلك في أول رمضان، وربما انقضت أيام الرحمة وهو لا يزال يصارعُ كسلَ نفسه. فاجعلوا من هذا الشهر دورةً تدريبية، ومحطةً إعدادية. صوموا ما تيسر، واقرؤوا ما تيسر، فقد كان من سبقكم من الصالحين إذا دخل شعبان انكبوا على المصاحف وقالوا: “هذا شهرُ القراء”، ليلينَ اللسانُ بذكر الله، ويخشعَ القلبُ لكلام الله.
الجزء الأول من خطبة الجمعة من جامع الجزائر









