أما بعد، أيها الإخوة المؤمنون: إذا كان شهر شعبان هو شهر رفع الأعمال بالجوارح، فإنه أيضاً شهرُ تصفيةِ القلوب من الغل والضغائن. لقد ورد في الأثر عن ليلة النصف من شعبان أن الله يطلعُ فيها إلى خلقه، “فَيَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ إِلَّا لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ” ونودّ لو أننا نقف قليلا عند قوله: “أو مشاحن”. الشحناءُ -عباد الله- تلك النار التي تأكلُ الحسنات كما تأكل النارُ الحطب. الشحناء.. التي تقطعُ أواصرَ القرابة، وتفسدُ ذات البين، وتحيلُ المجتمعات إلى شتات. كيف يُرفع عملك إلى السماء، وقلبك مليءٌ بالغل على أخيك؟ كيف تطمعُ في عفو الله، وأنت لا تعفو عن عباد الله؟ إن هذا الصرح المبارك “جامع الجزائر” الذي يجمعنا اليوم تحت سقف واحد، بهندسته التي تزاوج بين الأصالة والمعاصرة، وبروحانيته التي تسري في نفوس كل من يزوره، يبعث لنا جميعا رسالةَ “الوحدة” و”الاجتماع”. فلا تخرجوا من أبوابه إلا وقد نفضتم عن قلوبكم غبارَ الكراهية. هذا الجامع الأعظم لم يُبنَ ليكون حجارةً صماء، بل ليجمعَ الكلمة، ويوحدَ الصف، ويؤلفَ بين القلوب. فليكن حالنا فيه كبنيانه؛ مرصوصاً، متماسكاً، عزيزاً. صالحوا من خاصمتم، وصِلوا من قاطعتم، واعفوا عمن ظلمكم. طهروا قلوبكم في شعبان، لتدخلوا على رمضان بقلوبٍ سليمة، ونفوسٍ مطمئنة، فالله طيبٌ لا يقبل إلا طيباً، ولا يسكنُ نورُ القرآن إلا في قلبٍ طاهرٍ نقي. اللهم إنا نسألك في هذه الساعة المباركة، وفي هذا المكان الطاهر، أن تطهر قلوبنا من النفاق، وأعمالنا من الرياء، وألسنتنا من الكذب، وأعيننا من الخيانة. ثُمَّ صَلُّوا رَحِمَكُمُ ٱللَّهُ وَسَلِّمُوا عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ٱلَّذِي أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ بِٱلصَّلَاةِ وَٱلسَّلَامِ عَلَيْهِ، فَقَالَ: “إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّۖ يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًاۖ”. ٱللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، فِي ٱلْعَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ. اللَّهُمَّ احْفَظْ بَلَدَنَا الْجَزَائِرَ مِنْ كُلِّ سُوءٍ، وَسَائِرَ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ انْصُرْ عِبَادَكَ المُستضعفين فِي فَلَسْطِينَ عَلَى أَعْدَائِهِمْ يَا رَبَّ العَالَمِينَ، اللَّهُمَ كُنْ لَهُمْ عَوْناً وَنَصِيراً يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، اللهُمَّ أَطْعِمْ جَائِعَهُمْ، وَاكْسُ عَارِيَهُمْ، وَاشْفِ مَرِيضَهُمْ، وَأَمِّنْ خَائِفَهُمْ، وَارْحَمْ مَيِّتَهُم، وَتَقَبَّلْ فِي أَعْلَى الدَّرَجَاتِ شَهِيدَهُم، اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى المُحْتَلِّينَ الغَاصِبِينَ القَتَلَةِ المُجْرِمِينَ، اللَّهُمَّ لا تُحَقِّقْ لَهُمْ غايَةً، وَلا تَرْفَعْ لَهُمْ رايَةً، وَاجْعَلْهُمْ لِمَنْ خَلْفَهُمْ آيَةً، يا رب العالمين.
الجزء الثاني والأخير من خطبة الجمعة من جامع الجزائر









