• تكامل مؤسساتي حازم يحمي نزاهة التشريعيات وصوت الناخب
تتسارع الخطى المؤسساتية في الجزائر لتأطير المعالم الكبرى للاستحقاق التشريعي المقرّر في الثاني من جويلية المقبل، وسط حركية تنظيمية دؤوبة تتقاسم أدوارها الهيئات الوطنية المستقلة لضمان سلامة المسار الديمقراطي.
وتتجلى ملامح هذا التنسيق الحازم في الانتقال من مرحلة الغربلة القانونية لملفات الترشح، التي تولتها سلطة الانتخابات بكثير من الصرامة الرقمية والإجرائية، إلى مرحلة تحصين الفضاء الإعلامي التي تقودها سلطة ضبط السمعي البصري لفرض الحياد والموضوعية.
ويعكس هذا الزخم التنظيمي إرادة سياسية ومؤسساتية واضحة لإنتاج تجربة تشريعية نوعية تعيد بناء الثقة بين المواطن وصندوق الاقتراع، بعيداً عن المال الفاسد والتضليل الإعلامي.
مقصلة المادة 202: صرامة الغربلة الاستباقية لملفات الترشح في الداخل والخارج
دخلت التحضيرات الجارية لمواكبة الانتخابات التشريعية لسنة 2026 منعرجاً حاسماً عقب إعلان السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات عن الحصيلة الأولية لنتائج دراسة ملفات التصريح الجماعي بالترشح، مظهرة صرامة غير مسبوقة في تطبيق المقتضيات القانونية.
ولم تكن هذه الحصيلة، مجرد أرقام جافة أفرج عنها بيان السلطة، بل جسدت فلتراً قانونياً حقيقياً أسقط العديد من الطموحات السياسية التي لم تستوفِ الشروط الإجرائية الصارمة المقررة في المنظومة الانتخابية الجديدة. ولقد بدا واضحاً أن عهد التسامح مع الهفوات الإدارية أو التلاعب بالبيانات قد ولى، لتأخذ مكانة المقاربة القانونية التي تعلي من شأن النص التشريعي فوق أي اعتبار سياسي أو حزبي. ولقد أظهرت عملية تشريح الملفات المودعة داخل التراب الوطني حجم التدقيق الذي باشرته اللجان المختصة، حيث بلغ إجمالي الملفات المعالجة 788 ملفاً جماعياً، ضمت في طياتها كتلة بشرية قوامها 10,168 مترشحاً كانوا يطمحون لدخول معترك المنافسة التشريعية. ولم تمر هذه القوائم مرور الكرام على مكاتب المراجعة، إذ أسفرت عملية الغربلة عن قبول 77 قائمة فقط استوفت المعايير، بينما اصطدمت 31 قائمة أخرى بمقصلة الرفض الإداري والقانوني. وقد شكلت المادة 202 من القانون العضوي المتعلق بنظام الانتخابات حجر الزاوية في هذا الإقصاء، إثر عجز 16 قائمة كاملة عن جمع الاستمارات الفردية للتوقيع بالشكل والعدد القانونيين المطلوبين. ولم تنحصر هذه الصرامة الرقابية داخل الحدود الوطنية فحسب، بل امتدت ذراعها التدقيقية لتشمل الجالية الجزائرية المقيمة بالمهجر، مما يعكس وحدة المعايير القانونية المطبقة على كافة قاصدي قبة البرلمان القادم. فمن أصل 66 ملفاً جماعياً جرت معالجتها وتدقيقها لفائدة مغتربينا في الخارج، والذين بلغ تعدادهم 528 مترشحاً، لم تنجح سوى 10 قوائم فقط في العبور نحو المربع المقبول، بينما تقاسمت قوائم أخرى مصير الرفض بذات النسبة. هذا التناظر الرقمي بين الداخل والخارج يعكس التزام الدولة بفرض الانضباط الإداري، معتبرة أن عدم القدرة على استيفاء شروط النصاب القانوني للاستمارات هو مؤشر أولي على ضعف الامتداد الشعبي للقائمة المرفوضة. وفي انتظار صياغة الخارطة النهائية للمترشحين، بقيت 680 قائمة في الداخل و46 قائمة في الخارج معلقة في برزخ الانتظار والترقب، ريثما تفصل الجهات القضائية المختصة في الطعون المودعة لديها بناء على القوانين المعمول بها. ويتطلع المئات من المستخلفين، البالغ تعدادهم 2,878 في الداخل و84 في الخارج، لأخذ مواقعهم القانونية لتعويض الأسماء المسقطة قبل حلول الموعد النهائي المحدد بيوم السبت 6 جوان 2026 عند منتصف الليل. وتمنح هذه المهلة الضيقة فرصة أخيرة للأحزاب والقوائم الحرة لترتيب صفوفها وتصحيح اختلالاتها الإدارية، في سباق محموم مع الزمن لتثبيت التواجد في معترك اقتراع الثاني من جويلية المقبل.
ميزان القبول والرفض: دلالات الغربلة الرقمية وفرص إعادة التوازن عبر نافذة الطعون
ورسمت الأرقام الرسمية الصادرة عن سلطة الانتخابات مشهداً تنافسياً حاداً بعد أن استقرت نسبة المترشحين المقبولين عند حدود 70% من إجمالي المسجلين، سواء تعلق الأمر بالقوائم الداخلية أو تلك الممثلة للجالية بالخارج.
وتعني هذه النسبة عملياً أن 6,994 مترشحاً في الداخل و364 في الخارج قد نالوا الضوء الأخضر المبدئي لخوض غمار الحملة الانتخابية، متجاوزين العقبات القانونية الأولى التي وضعتها لجان المراجعة الإدارية. وتحمل هذه النسبة المرتفعة دلالة قوية على نضج الوعي القانوني لدى النسبة الأكبر من الفاعلين السياسيين الذين استوعبوا آليات النظام الانتخابي الجديد وشروطه التقنية المعقدة. وعلى الضفة المقابلة، فتحت نسبة الرفض التي بلغت 30% الباب واسعاً أمام قراءات سياسية وقانونية متعددة، بعد إقصاء 3,174 مترشحاً وطنياً و164 مترشحاً من مغتربينا، ممن لم يسعفهم التدقيق في العبور. ولم يكن هذا الرفض الضخم ليمر دون إحداث هزة في الأوساط الحزبية التي رأت في الإقصاء تقليصاً لفرصها في الهيمنة على المقاعد التشريعية للمجلس الشعبي الوطني القادم. غير أن القراءة الموضوعية تؤكد أن هذه النسبة تعكس جدية الهيئات الرقابية في تنقية العمل السياسي من الشوائب الإدارية، والتأكد من أن كل مترشح يحمل خلفية قانونية وسجلاً مستوفياً للشروط التشريعية دون محاباة أو تمييز. وأمام هذا الواقع القانوني الجديد، تحولت المحكمة الإدارية بالجزائر العاصمة إلى ساحة صراع قانوني بديل، حيث استقبلت أروقتها ما لا يقل عن 100 طعن قضائي سجلته القوائم والأفراد المرفوضون في محاولة لقلب قرارات السلطة. وتمثل هذه المحطة القضائية صمام أمان حقيقي للمسار الانتخابي، حيث يُتاح للمقصيين تقديم دفوعاتهم وحججهم أمام قضاء مستقل يملك الكلمة الفصل في إعادة إدراج القوائم أو تثبيت إقصائها. ويساهم هذا الحراك القضائي في تعزيز مصداقية العملية الانتخابية عبر التأكيد على أن سلطة الإدارة الانتخابية ليست مطلقة، بل تقع تحت طائلة الرقابة القضائية اللصيقة التي تحمي الحقوق الدستورية للجميع. ومع اقتراب ساعة الحسم الإداري بانتهاء مهلة تقديم الترشيحات الجديدة والمستخلفين، تعيش الهيئات التحريرية للأحزاب السياسية والقوائم الحرة حالة من الاستنفار القصوى لتعويض النقص الحاصل في قوائمها واللحاق بقطار التشريعيات قبل إغلاق المنافذ. إن التدقيق الحالي والمتابعة القضائية اللصيقة يشكلان الضمانة الأساسية لنزاهة البرلمان القادم، بحيث يضمن الناخب الجزائري أن الأسماء التي ستعرض عليه في الصناديق قد مرت عبر مصفاة قانونية بالغة الدقة. هذا التأسيس القانوني الرصين يمهد الطريق لولادة مجالس منتخبة تتمتع بالشرعية الدستورية والقبول الشعبي اللازمين لمواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية المقبلة على البلاد.
تحصين الفضاء السمعي البصري: معايير صارمة لفرض الحياد والموضوعية في مواكبة الاستحقاق
وبالتوازي مع التدقيق القانوني في ملفات الترشح، تحركت سلطة ضبط السمعي البصري لبناء سياج أخلاقي وقانوني يحمي الفضاء الإعلامي من الانزلاقات الدعائية والتوظيف غير المشروع للمنابر العمومية والخاصة.
وجاء النداء العاجل الذي وجهته السلطة لكافة المؤسسات الإعلامية السمعية البصرية ليرسم حدوداً فاصلة ومقيدة لطريقة التعاطي مع مجريات العملية الانتخابية بمختلف مراحلها المعقدة. ولم يعد النشاط الإعلامي في هذه الفترة الحساسة مجرد مساحة مفتوحة للارتجال، بل بات محكوماً بالتزامات صارمة تفرض التوازن والمسؤولية الوطنية والمهنية في معالجة البرامج الإخبارية والسياسية ذات الصلة. ولقد شددت سلطة الضبط في بيانها التوجيهي، على المحورية المطلقة لاحترام مبادئ الحياد والموضوعية والاستقلالية، معتبرة أن هذه الثلاثية هي الضامن الأساسي لحق المواطن الدستوري في الحصول على إعلام نزيه ومتوازن وذي مصداقية. ويعني هذا التوجيه، حظر أي ميل أو تعاطف إعلامي مسبق من قبل القنوات لخدمة تيار سياسي معاصر على حساب آخر، مما يضمن بقاء المنابر التلفزيونية والإذاعية مساحات للنقاش الوطني الهادف لا منصات لتصفية الحسابات. إن فرض الحياد في هذه المرحلة يهدف بالدرجة الأولى إلى حماية عقل الناخب من التوجيه القسري، وتمكينه من بناء قناعاته السياسية بناء على البرامج والمقترحات الواقعية للمترشحين. وفي سياق متصل، فرضت الضوابط الجديدة مبدأ النفاذ العادل والمنصف لكافة القوائم المترشحة، سواء كانت منضوية تحت لواء أحزاب سياسية عريقة أو ممثلة لكتل القوائم الحرة التي تخوض السباق لأول مرة. ويتطلب هذا الالتزام من مدراء القنوات توزيعاً زمنياً دقيقاً ومحسوباً بالدقيقة للتغطية الإعلامية والتعبير السياسي، بما يلغي مظاهر الهيمنة المالية أو النفوذ الحزبي التي كانت تشوه التنافسية الديمقراطية في التجارب السابقة. هذا التوزيع العادل لفرص الظهور الإعلامي يمنح الكفاءات الشابة والمترشحين الأحرار فرصة متساوية لعرض أفكارهم على الجمهور العريض، مما يثري الحوار العام ويفتح آفاقاً جديدة للتعددية السياسية. ولم تغفل سلطة ضبط السمعي البصري الأبعاد الإنسانية والاجتماعية للمجتمع الجزائري، حيث ألزمت القنوات بضرورة توفير الترجمة بلغة الإشارة أو الكتابة السفلية لتمكين فئة ذوي الاحتياجات الخاصة من الصم وضعاف السمع من مواكبة الحراك التشريعي. ويعكس هذا الإجراء وعياً مؤسساتياً متقدماً بضرورة دمج كافة شرائح المجتمع في الحياة السياسية، وتحويل الانتخابات إلى عرس وطني جامع لا يُقصى منه أحد لأسباب صحية أو جسدية. إن تضافر هذه المعايير المهنية والإنسانية يرفع من التقييم العام للمنظومة الإعلامية الجزائرية، ويضعها أمام مسؤولية تاريخية للمساهمة الفعالة في إنجاح الموعد التشريعي الهام المقرّر يوم 2 جويلية.
سيف القانون في وجه التضليل: خطوط حمراء تحاصر خطابات الكراهية وتحمي وعي الناخبين
ولم يقتصر بيان سلطة ضبط السمعي البصري على تقديم التوجيهات المهنية العامة، بل تضمن تحذيرات بالغة اللهجة رسمت خطوطاً حمراء عريضة لا يمكن التسامح مع اختراقها من قبل أي مؤسسة إعلامية عمومية أو خاصة.
وجاء التشديد على حظر بث أو نشر أي مضامين من شأنها التأثير غير المشروع على إرادة الناخبين أو تشويه صورة المترشحين كخطوة استباقية لمنع الحملات السوداء التي تعتمد على الإشاعة واغتيال الشخصية. ويسعى هذا الحظر الحازم إلى إبقاء التنافس التشريعي في دائرة صراع الأفكار والبرامج التنموية، بعيداً عن أساليب الإثارة الرخيصة والمساس بالحياة الخاصة للأفراد. وفي ذات السياق الرقابي الصارم، أعلنت السلطة الحرب على خطابات الكراهية والتمييز والتحريض على العنف أو الجهوية، معتبرة إياها جرائم تمس بالوحدة الوطنية والأمن القومي للبلاد في ظرف إقليمي ودولي بالغ التعقيد. وتدرك الهيئات التنظيمية، أن المنابر الإعلامية غير المنضبطة قد تتحول في أوقات الاستحقاقات السياسية الكبرى إلى معاول لهدم التماسك الاجتماعي وإثارة النعرات الضيقة لخدمة مصالح سياسوية ضيقة. لذلك، فإن الوقوف بحزم ضد هذه الممارسات يمثل حماية لحرمة الوطن وصيانة للسلم الأهلي، وهو ما يتطلب من الهيئات التحريرية إعمال أقصى درجات اليقظة والتحري الدقيق قبل بث أي محتوى. وتأكيداً على الشفافية المالية والإعلامية، ألزمت الضوابط الجديدة وسائل الإعلام بالفصل الواضح والكامل بين المادة الإعلامية الإخبارية والمضامين الإشهارية، مانعة بث أي رسائل دعائية انتخابية مدفوعة الأجر خارج الأطر القانونية الصارمة المعمول بها. ويهدف هذا الإجراء إلى تجفيف منابع تأثير المال السياسي على التغطيات الصحفية، ومنع القنوات من تحويل برامجها إلى مساحات إعلانية مستترة لمن يدفع أكثر، مما يحمي مهنية الصحفيين ويصون كرامة المهنة. كما شددت السلطة على الاحترام الصارم لقواعد الصمت الانتخابي والامتناع المطلق عن نشر استطلاعات الرأي أو مؤشرات النتائج الجزئية قبل الإغلاق النهائي لآخر مكتب اقتراع على المستوى الوطني. وفي نهاية بيانها الحازم، ذكّرت سلطة ضبط السمعي البصري بكامل صلاحياتها القانونية والتنظيمية الردعية، مؤكدة أنها لن تتوانى في اتخاذ الإجراءات العقابية اللازمة في حال تسجيل أي تجاوزات تمس بنزاهة التغطية الإعلامية للاستحقاق التشريعي. إن هذا التلويح بسيف القانون لا يهدف إلى التضييق على الحريات الإعلامية، بل يسعى إلى حمايتها وتوجيهها نحو الممارسة المسؤولة التي تخدم المصلحة العليا للوطن. وتتحول المنظومة الإعلامية بموجب هذا الانضباط، إلى شريك أساسي في ترسيخ الممارسة الديمقراطية وبناء صرح الثقة بين مؤسسات الدولة والمواطن، ممهدة الأجواء لانتخابات حرة ونزيهة تعكس الإرادة الحقيقية للشعب الجزائري.
مصطفى. ع