حصيلة الجزائر في مجلس الأمن

صوتٌ يرتفع رغم منطق الفيتو.. مرافعات دبلوماسية تعيد فلسطين والقضية الصحراوية إلى صدارة النقاش الأممي

صوتٌ يرتفع رغم منطق الفيتو.. مرافعات دبلوماسية تعيد فلسطين والقضية الصحراوية إلى صدارة النقاش الأممي
  • من ليبيا إلى القرن الإفريقي.. دفاع ثابت عن وحدة الدول ومسارات الحل السياسي في المنطقة

 

  • السفير عمار بن جامع.. أداء دبلوماسي متزن داخل مجلس الأمن

تختتم الجزائر عهدتها غير الدائمة في مجلس الأمن خلال سنة 2025 بحصيلة دبلوماسية لافتة، عكست حضورا نشطا في ملفات دولية حساسة وتحوّلات إقليمية متسارعة، حيث انخرطت عبر بعثتها الدائمة في نيويورك في الدفاع عن القضايا العادلة وفي مقدمتها فلسطين، والتمسك بمبادئ تقرير المصير، ودعم الحلول السياسية للأزمة في ليبيا ومنطقة الساحل والقرن الإفريقي، إلى جانب تعزيز جهود مكافحة الإرهاب داخل أجهزة الأمم المتحدة. هذا الحراك الذي ارتبط مباشرة بثوابت السياسة الخارجية الجزائرية، منح للدبلوماسية الوطنية مساحة تأثير معتبرة في النقاشات الأممية، ورسَّخ صورتها كصوت مدافع عن الشعوب وحقوقها، مع السعي لترسيخ التعددية ورفض ازدواجية المعايير، في لحظة دولية تتسم باضطراب التوازنات وارتفاع منسوب الاستقطاب داخل مجلس الأمن.

انطلقت مسيرة الجزائر داخل مجلس الأمن بعد انتخابها من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة في جوان 2023، ضمن تصويت نال تأييدا واسعا مكّنها من شَغل مقعد غير دائم لمدة عامين. وجاء هذا الانتخاب تتويجا لمسار دبلوماسي اعتمد على رصيد تاريخي في الدعم المتواصل للقضايا العادلة، وقناعة راسخة بالدفاع عن مبادئ القانون الدولي، ما منح الجزائر ثقة أممية واسعة قبل مباشرة مهمتها رسميا داخل المجلس.

وبدأت العهدة رسميا في 1 جانفي 2024 وتستمر إلى غاية 31 ديسمبر 2025، وفق النظام الداخلي الذي يحدد مدة العضوية غير الدائمة بعامين كاملين، لتشكل هذه الفترة محطة مكثفة من النشاط والملفات الساخنة التي تداخلت فيها الأزمات الإقليمية والتحولات الدولية. ومع اقتراب موعد اختتام العهدة نهاية 2025، تبرز الحاجة إلى تقييم شامل لأثر الحضور الجزائري داخل المجلس وكيفية تحويل هذا الدور إلى مكاسب دبلوماسية وسياسية مستدامة في المستقبل.

 

فلسطين.. في صدارة الأولويات داخل مجلس الأمن

منذ الأسابيع الأولى للعهدة، وضعت الجزائر القضية الفلسطينية في مقدمة تحركاتها داخل مجلس الأمن، معتبرة أن الدفاع عن الشعب الفلسطيني التزاما مبدئيا وأخلاقيا يعكس هوية الدولة الجزائرية ومسارها التاريخي. وقد تبنّت الجزائر خطابا واضحا يربط بين حماية المدنيين واحترام القانون الدولي الإنساني، مع المطالبة بوقف إطلاق النار ورفع الحصار وإدخال المساعدات الإنسانية، في ظل أزمات متلاحقة شهدها قطاع غزة خلال السنة الجارية. وتجسّد هذا التوجه في سلسلة مبادرات دبلوماسية تقدمت بها الجزائر داخل المجلس، من بينها مشاريع قرارات متعلقة بوقف العدوان وحماية المدنيين وضمان وصول المساعدات، رغم مواجهتها المتكررة بالفيتو داخل قاعة التصويت. وعلى الرغم من العراقيل، حرص الوفد الجزائري على إبقاء الملف الفلسطيني في صدارة جدول الأعمال الأممي، بما في ذلك عقد جلسات طارئة ومتابعة مستمرة لتطورات الوضع الإنساني، وتقديم مرافعات سياسية وقانونية عكست إصرارا على فرض النقاش وعدم السماح بتغييب القضية. وفي سياق المرافعات الرسمية، قدّم السفير عمار بن جامع مداخلات اعتبرها متابعون من الأكثر حضورا وتأثيرا داخل مجلس الأمن سنة 2025، عبر خطاب مباشر طالب المجلس بتحمل مسؤولياته القانونية والأخلاقية. وتمحورت تلك المداخلات حول كشف ازدواجية المعايير التي تعيق اتخاذ القرارات العاجلة، مؤكدا أن الحياد الشكلي لا يبرر الصمت أمام تدهور الأوضاع الإنسانية. وأسهم هذا المسار في إعادة الاهتمام الدولي بالقضية، وفتح نقاشات جديدة حول مسؤولية المجلس وضرورة احترام مبادئ القانون الدولي في معالجة النزاعات.

 

الصحراء الغربية.. ترسيخ حق تقرير المصير داخل قاعة المجلس

وبالانتقال إلى ملف الصحراء الغربية، حافظت الجزائر على مقاربة ثابتة تنطلق من مبدأ تقرير المصير بوصفه حجر الأساس في معالجة النزاع، معتبرة أن أي حلول بديلة لا تتوافق مع هذا المبدأ تمثل خروجا عن روح القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. وضمن هذا الإطار، شدد الوفد الجزائري على أن النزاع لا يمكن فصله عن طبيعته الأصلية كقضية تصفية استعمار تخضع لمسار أممي واضح، يستند إلى قرارات الجمعية العامة ومحكمة العدل الدولية، بما يضمن للشعب الصحراوي ممارسة حقه في اختيار مستقبله السياسي دون ضغوط أو حلول أحادية. كما حرصت الجزائر، عبر مواقفها داخل المجلس، على إعادة تثبيت الخلفية القانونية للنزاع في مواجهة الأطروحات التي تحاول تقليص الإطار الأممي أو دفع الملف نحو مسارات جانبية. وقد تزامن ذلك مع تأكيد دعمها للحوار السياسي تحت رعاية الأمم المتحدة، بما يضمن بيئة تفاوضية شفافة ومسارا متوازنا يراعي تطلعات السكان ويعيد الثقة في آليات الشرعية الدولية. وبهذه الروح، واصلت الجزائر الدفاع عن مقاربة تفضّل الحلول السياسية المتوافق عليها، مع الإبقاء على المرجعية الأممية باعتبارها الضامن الوحيد لتسوية عادلة ودائمة.

 

ليبيا.. دعم المسار السياسي واستعادة مؤسسات الدولة

وفي سياق متصل بالبيئة الإقليمية القريبة من الجزائر، أولت البعثة الجزائرية داخل مجلس الأمن اهتماما مستمرا بالملف الليبي، نظرا لكونه من أكثر القضايا تأثيرا على الأمن الوطني المغاربي والساحل الإفريقي. وقد حرص السفير عمار بن جامع خلال جلسات المجلس على التأكيد بأن استقرار ليبيا يمثل شرطا لازما لإعادة التوازن في المنطقة، داعيا إلى ضرورة إنهاء المرحلة الانتقالية عبر حلول سياسية توافقية تُعيد مؤسسات الدولة إلى عملها الطبيعي. وتجسدت المقاربة الجزائرية في التأكيد على أن الحوار الليبي ـ الليبي هو السبيل الأنجع لإنهاء الانقسام، مع ضرورة تهيئة الظروف المناسبة لإجراء انتخابات شرعية تضع البلاد على مسار مؤسساتي مستدام. وفي مرافعاته باسم مجموعة A3+، شدد ممثل الجزائر على أهمية تفكيك المجموعات المسلحة الخارجة عن سلطة الدولة، بما يسهم في إعادة بناء الأجهزة الأمنية وتوحيدها، ويخلق مناخا يسمح بإطلاق عملية سياسية شاملة لا تُقصي أحدا. كما حملت التصريحات الجزائرية رسائل واضحة حول رفض التدخلات الأجنبية التي تعمّق الصراع وتؤخر التسوية السياسية، معتبرة أن ليبيا تحتاج إلى دعم دولي مسؤول يهدف إلى استعادة السيادة لا تكريس الانقسام. وجاءت دعوات الجزائر متناغمة مع تجربتها الخاصة في المصالحة الوطنية، ومع دورها التاريخي في دعم الحلول السلمية داخل القارة الإفريقية، لتؤكد مرة أخرى أن استقرار ليبيا جزء لا يتجزأ من مقاربة الجزائر في تعزيز الأمن الإقليمي.

 

القرن الإفريقي والبحر الأحمر.. رفض مشاريع التقسيم وتعزيز وحدة الدول

وانطلاقا من امتداد الاهتمام الجزائري إلى الدوائر الجيوسياسية الأوسع، برز ملف القرن الإفريقي والبحر الأحمر داخل مداخلات الجزائر في مجلس الأمن كأحد أبرز ميادين التحرك خلال 2025، خاصة مع تزايد التوترات في السودان واليمن والصومال ومحاولات خلق بؤر صراع جديدة. واعتبرت الجزائر أن ما يجري في هذه المنطقة لا يمكن قراءته بمعزل عن مساعي التأثير على التوازنات الإقليمية ومسارات الملاحة والتجارة الدولية، الأمر الذي يستدعي تحركا أمميا يحافظ على وحدة الدول ويمنع أي محاولات لفرض الأمر الواقع بالقوة. وفي هذا السياق، جاءت مداخلات السفير عمار بن جامع رافضة بشكل واضح أي مشاريع للتقسيم أو إعادة رسم الخرائط السياسية بعيدا عن الأطر القانونية، مع التأكيد على أن أمن البحر الأحمر مرتبط بالاستقرار في الدول المطلة عليه، وأن أي تدخلات غير مسؤولة تزيد من هشاشة المنطقة. وركّزت الجزائر في هذا الإطار على خطورة التحركات التي تستهدف السودان والصومال واليمن، معتبرة أن فتح بؤر توتر جديدة يخدم مصالح طرف ثالث على حساب الأمن الإقليمي والإفريقي، ويدفع المنطقة نحو مزيد من التعقيد بدل احتواء الأزمات القائمة. كما دعت الجزائر إلى اعتماد مقاربة تقوم على الحلول السياسية بدل التصعيد، وإشراك الدول المتضررة في أي مسار أممي يخص مستقبل المنطقة، مع التحذير من الاستثمار في الانقسامات الداخلية أو استخدام النزاعات كأدوات ضغط. وبهذا الخطاب، سعت الجزائر إلى تثبيت مبدأ احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، وربط الأمن الإقليمي بالأمن الدولي، في لحظة تتزايد فيها المخاطر المرتبطة بالممرات البحرية والتوازنات الاستراتيجية في البحر الأحمر والقرن الإفريقي.

 

إفريقيا والمقعد الدائم.. رفع صوت القارة داخل مجلس الأمن

ومع التدرج نحو الملفات ذات البعد القاري، برز حضور الجزائر كصوت مدافع عن إفريقيا داخل مجلس الأمن، مستندة إلى تاريخ سياسي قائم على مناهضة الاستعمار ودعم حركات التحرر. وقد شدد الوفد الجزائري في أكثر من جلسة على أن القارة ما زالت تعاني من تهميش تمثيلها داخل أجهزة الأمم المتحدة، رغم أنها الأكثر تضررا من النزاعات والانقلابات الممتدة منذ خمسينيات القرن الماضي. وانطلاقا من هذه القناعة، نشطت الجزائر في مسار الدعوة إلى إصلاح آليات عمل المجلس ومنح إفريقيا مقعدا دائما يعبّر عن وزنها السياسي والديموغرافي والجغرافي. وتقاطعت هذه المرافعات مع تحذيرات جزائرية من استمرار التدخلات الخارجية التي تُغذي الانقلابات وتُضعف الاستقرار، حيث أكدت مداخلات رسمية أن أكثر من مئتي انقلاب شهدتها القارة خلال العقود الماضية يعكس اختلالا في إدارة النظام الدولي للملفات الإفريقية، سواء من خلال تجاهل الأسباب الجذرية للأزمات أو عبر تغذية الصراعات لتحقيق مكاسب استراتيجية. ومن هذا المنظور، دعت الجزائر إلى وضع آليات ملزمة تحاصر مسببات الانقلابات، وتمنح الاتحاد الإفريقي دورا أكبر داخل منظومة صناعة القرار الأممي. كما ارتبط التحرك الجزائري بملف المساءلة التاريخية، إذ دعت الجزائر إلى تجريم الاستعمار قانونيا ودبلوماسيا كجزء من مسار تصحيح العلاقة بين إفريقيا والنظام الدولي، معتبرة أن الوعي الشعبي الإفريقي المتنامي يفتح الطريق لإعادة صياغة الشراكات الخارجية على أسس جديدة. وسعت الجزائر من خلال هذا التوجه إلى تأكيد أن مستقبل القارة لا يمكن أن يُدار خارج إرادة شعوبها، وأن منح إفريقيا مقعدا دائما ليس امتيازا سياسيا، بل ضرورة أخلاقية لضمان تمثيل عادل ومتوازن داخل مجلس الأمن.

 

مكافحة الإرهاب.. حضور جزائري في قلب إصلاح المنظومة الأممية

وبالانتقال إلى ملف مكافحة الإرهاب، برز الدور الجزائري بشكل أكثر وضوحا خلال رئاسة لجنة مكافحة الإرهاب التابعة لمجلس الأمن، حيث حرصت البعثة الجزائرية على تقديم مقاربة ترتكز على تحديث الأدوات الأممية بدل الاكتفاء بالإجراءات التقليدية. وفي هذا الإطار، قاد السفير عمار بن جامع تحركات هدفت إلى تعزيز الفعالية العملياتية للمنظومة الأممية، من خلال الدفع نحو وضع قواعد جديدة لمواكبة التهديدات العابرة للحدود، خصوصا المرتبطة باستخدام التقنيات الحديثة في تمويل التنظيمات المتطرفة. وجاء أبرز تجسيد عملي لهذا التوجه في اعتماد “المبادئ التوجيهية للجزائر” الخاصة بمكافحة تمويل الإرهاب عبر التكنولوجيات الحديثة، وهي وثيقة تم تبنيها بالإجماع داخل المجلس بعد مشاورات موسعة، ما اعتُبر مكسبا ملموسا يضاف إلى رصيد الدبلوماسية الجزائرية. وقد ركزت هذه المبادئ على ضرورة ضبط مسارات التحويلات المالية الرقمية، ومنع استغلال منصات التكنولوجيا لأغراض مشبوهة، مع إشراك الدول الأكثر تضررا من الظاهرة في صياغة الحلول بدل الاكتفاء بالرؤى النظرية للدول الكبرى. كما شددت الجزائر على البعد الإقليمي للملف، مؤكدة أن مكافحة الإرهاب في الساحل الإفريقي لا يمكن أن تقوم على المقاربة الأمنية وحدها، بل تحتاج إلى معالجة الأسباب الجذرية المرتبطة بالتنمية والعدالة الاجتماعية. ومن هذا المنطلق، دعت الجزائر إلى تنسيق أكبر بين دول المنطقة والشركاء الدوليين، وتبادل الخبرات في مجال الوقاية والتحقيق والتتبع المالي، بما يحول دون تحول الساحل إلى ساحة مفتوحة للصراعات بالوكالة أو بيئة حاضنة للتهديدات المتنامية. وهكذا، شكّل الحضور الجزائري داخل هذا المسار مساهمة عملية في إعادة رسم أولويات النقاش الأممي حول مكافحة الإرهاب.

 

أداء السفير عمار بن جامع.. بين قوة الموقف وواقعية التأثير

ومع التقدم في مسار العهدة داخل مجلس الأمن، برز اسم السفير عمار بن جامع كواجهة مباشرة للدبلوماسية الجزائرية في المحافل الأممية، حيث اتسم حضوره بخطاب متوازن يجمع بين الصراحة السياسية والمرجعية القانونية. وقد تحولت مداخلاته إلى مساحة لإبراز الموقف الجزائري القائم على الندية ورفض الإملاءات، مع المحافظة على الأسلوب الدبلوماسي الذي يستند إلى نصوص القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. هذا الحضور جعل منه أحد أبرز الأصوات العربية والإفريقية داخل المجلس خلال سنة 2025، خاصة مع تصاعد القضايا المرتبطة بفلسطين والشرق الأوسط.

وقد أثارت مرافعاته المتكررة حول الوضع الإنساني في غزة اهتماما واسعا داخل الرأي العام، بعدما ركز على مسؤولية المجلس في حماية المدنيين والتحرك لوقف الانتهاكات، إلى جانب التحذير من ازدواجية المعايير التي تعطل فعالية المنظومة الأممية. وأظهر بن جامع قدرة على الجمع بين الحزم في الخطاب والاتزان في الطرح، ما أكسبه تفاعلا بارزا على مستوى المتابعين والمؤسسات الإعلامية والحقوقية التي نقلت أجزاء من مداخلاته. كما شكّل انتقاده الصريح للصمت الدولي أمام الأزمات الإنسانية رسالة تؤكد أن الصوت الجزائري لم يكن تجميليا، بل محاولة فعلية لدفع النقاش نحو إجراءات ملموسة. ولم يمر هذا الحضور دون ردود فعل معاكسة، إذ تعرض السفير لحملات تشويه وانتقادات عبر وسائل إعلام وجهات مرتبطة بمواقف معارضة للدور الجزائري، في محاولة للتقليل من تأثيره الرمزي داخل المجلس. لكن تلك الحملات لم تمنع استمرار الوفد الجزائري في نهجه، بل منحت لتحركاته بعدا إضافيا بوصفها جزءا من معركة الدفاع عن المواقف لا عن الخطابات فقط. ومع اقتراب نهاية السنة الدبلوماسية، برز بن جامع كواجهة رمزية تعكس نهج الجزائر في ربط المبدأ بالفعل، والسعي لتسجيل حضور لا ينشغل بنتائج آنية فقط، بل ببناء أثر سياسي وأخلاقي طويل المدى داخل العمل الأممي.

 

الحصيلة والآفاق.. ما الذي يبقى من حضور الجزائر داخل مجلس الأمن؟

ومع الاقتراب من نهاية العهدة غير الدائمة للجزائر داخل مجلس الأمن، تتجه الأنظار إلى تقييم ما تحقق خلال سنتي 2024 و2025، بين الملفات التي شهدت نتائج ملموسة وتلك التي بقي أثرها في مستوى المواقف والمرافعات. فمن جهة، أسهمت الجزائر في إعادة وضع القضية الفلسطينية في صدارة النقاش الأممي، والدفاع عن حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير، وتعزيز حضور إفريقيا داخل هياكل الأمم المتحدة، وهي مكاسب عززت صورة الجزائر كدولة مبدئية وفاعلة في الدفاع عن القضايا العادلة. ومن جهة أخرى، واجه الوفد الجزائري عراقيل مرتبطة بطبيعة المجلس نفسه وبالفيتو الذي حدّ من تحول بعض المواقف إلى قرارات نافذة. ورغم هذه القيود البنيوية، استطاعت الجزائر ترك بصمة عملية عبر ملفات محددة، أبرزها تبني “المبادئ التوجيهية للجزائر” في مكافحة تمويل الإرهاب بالتكنولوجيات الحديثة، ومرافعاتها المتواصلة حول ليبيا والقرن الإفريقي والبحر الأحمر، إلى جانب التحركات التي كشفت اختلالات المقاربة الدولية في إدارة النزاعات. هذا المسار لم يكن معزولا عن رؤية أوسع تهدف إلى تثبيت الحضور الجزائري كفاعل دبلوماسي قادر على بناء مواقف واضحة، حتى عندما لا تتحقق النتائج الكاملة على مستوى القرارات النهائية. وبين ما تحقق وما لم يتحقق، تبقى العهدة الجزائرية في مجلس الأمن تجربة تراكم رصيدا سياسيا يمكن البناء عليه في المستقبل، سواء عبر تعزيز الدبلوماسية الثنائية، أو دعم حضور الجزائر داخل الاتحاد الإفريقي والجامعة العربية، أو الاستثمار في الخبرة التي اكتسبتها الكفاءات الشابة داخل البعثة الأممية. وبهذا المعنى، تبدو الحصيلة أقرب إلى بداية مرحلة جديدة أكثر منها نهاية عهدة زمنية، مرحلة تختبر قدرة الجزائر على تحويل الحضور الدولي إلى تأثير مستدام، قائم على التوازن بين الموقف المبدئي والواقعية السياسية داخل منظومة دولية شديدة التعقيد.