أنوار من جامع الجزائر

عبرة في وداع عام واستقبال آخر – الجزء الثاني والأخير –

عبرة في وداع عام واستقبال آخر – الجزء الثاني والأخير –

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: إِذَا كَانَتْ صَحِيفَةُ الْعَامِ الْمَاضِي قَدْ طُوِيَتْ بِمَا فِيهَا، فَإِنَّ اللَّهَ -بِكَرَمِهِ- قَدْ فَتَحَ لَكُمْ صَحِيفَةً بَيْضَاءَ جَدِيدَةً، فَأَحْسِنُوا الِاسْتِقْبَالَ -رَعَاكُمُ اللَّهُ- بِأَفْضَلِ مَا يُسْتَقْبَلُ بِهِ الْعَامُ.

يَا أَهْلَ الْجَزَائِرِ، يَا أَحْفَادَ الْمُجَاهِدِينَ: إِنَّ الْكَيِّسَ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْعَاجِزَ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ الْأَمَانِيَّ. إِنَّكُمْ فِي مُسْتَهَلِّ عَامٍ لَا تَدْرُونَ هَلْ تُكْمِلُونَهُ أَمْ تَكُونُونَ فِي ثَنَايَاهُ مِنَ الرَّاحِلِينَ؟ فَاعْقِدُوا الْعَزْمَ -الْآنَ وَأَنْتُمْ فِي بَيْتِ اللَّهِ- عَلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ:

– تَوْبَةٍ نَصُوحٍ تَجُبُّ مَا قَبْلَهَا: فالتَّخْلِيَةُ إِنَّمَا تَكُونُ قَبْلَ التَّحْلِيَةِ؛ طَهِّرُوا الْقُلُوبَ مِنَ الْأَضْغَانِ، وَالْأَلْسِنَةَ مِنَ الْغِيبَةِ وَالْبُهْتَانِ.

– رَدِّ الْمَظَالِمِ إِلَى أَهْلِهَا: فَلَا يَدْخُلَنَّ عَلَيْكُمْ عَامٌ جَدِيدٌ وَلِأَحَدٍ عِنْدَكُمْ مَظْلَمَةٌ فِي دَمٍ أَوْ مَالٍ أَوْ عِرْضٍ؛ فَإِنَّ حُقُوقَ الْعِبَادِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْمُشَاحَّةِ.

– عِمَارَةِ الْأَوْقَاتِ: فَالْعُمْرُ يَنْقُصُ، وَالذَّنْبُ يَزِيدُ، وَلَا بُدَّ مِنَ لِقَاءِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ.

لَقَدْ كَانَ السَّلَفُ يُعَزُّونَ أَنْفُسَهُمْ إِذَا مَضَى يَوْمٌ وَلَمْ يَزْدَادُوا فِيهِ عِلْمًا وَعَمَلًا، وَيَقُولُ قَائِلُهُمْ:

إِنَّا لَنَفْرَحُ بِالْأَيَّامِ نَقْطَعُهَا وَكُلُّ يَوْمٍ مَضَى يُدْنِي مِنَ الْمَوْتِ فَاعْمَلْ لِنَفْسِكَ قَبْلَ الْمَوْتِ مُجْتَهِدًا فَإِنَّمَا الرِّبْحُ وَالْخُسْرَانُ فِي الْوَقْتِ. عِبَادَ اللَّهِ: صِلُوا أَرْحَامَكُم، وَبَرُّوا آبَاءَكُم، وَارْحَمُوا ضُعَفَاءَكُم. كُونُوا يَدًا وَاحِدَةً، وَصَفًّا وَاحِدًا، كَالْبُنْيَانِ الْمَرْصُوصِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا. حَافِظُوا عَلَى أَمْنِ بَلَدِكُمْ وَاسْتِقْرَارِهِ، فَالْأَمْنُ نِعْمَةٌ لَا يَعْرِفُ قَدْرَهَا إِلَّا مَنْ فَقَدَهَا، وَاشْكُرُوا اللَّهَ يَزِدْكُمْ. هَذَا؛ وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى مَنْ أُمِرْتُمْ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ، قَالَ تَعَالَى: “إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا”. اللَّهُمَّ يَا مُحَوِّلَ الْحَوْلِ وَالْأَحْوَالِ، حَوِّلْ حَالَنَا إِلَى أَحْسَنِ حَالٍ. اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْتَوْدِعُكَ عَامًا مَضَى، فَاغْفِرْ لَنَا مَا كَانَ فِيهِ مِنْ زَلَلٍ أَوْ تَقْصِيرٍ، وَبَارِكْ لَنَا فِيمَا أَحْسَنَّا فِيهِ يَا كَرِيمُ. وَنَسْأَلُكَ اللَّهُمَّ خَيْرَ هَذَا الْعَامِ الْجَدِيدِ، وَخَيْرَ مَا فِيهِ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهِ وَشَرِّ مَا فِيهِ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ عَامَ نَصْرٍ وَعِزٍّ لِلْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ فَرِّجْ عَنْ إِخْوَانِنَا الْمُسْتَضْعَفِينَ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا، اللَّهُمَّ كُنْ لِإِخْوَانِنَا فِي فِلَسْطِينَ نَاصِرًا وَمُعِينَا، اشْدُدْ أَزْرَهُمْ، وَارْبِطْ عَلَى قُلُوبِهِمْ، وَتَقَبَّلْ شُهَدَاءَهُمْ، وَاشْفِ جَرْحَاهُمْ، وَعَلَيْكَ بِعَدُوِّكَ وَعَدُوِّهِمْ فَإِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَكَ. اللَّهُمَّ احْفَظِ الْجَزَائِرَ بَلَدَ الشُّهَدَاءِ، آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً سَخَاءً رَخَاءً، وَسَائِرَ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ مَنْ أَرَادَ بِبَلَدِنَا سُوءًا فَاشْغَلْهُ بِنَفْسِهِ، وَاجْعَلْ كَيْدَهُ فِي نَحْرِهِ. اللَّهُمَّ ارْحَمْ مَوْتَانَا، وَاشْفِ مَرْضَانَا، وَعَافِ مُبْتَلَانَا، وَاخْتِمْ بِالْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ أَعْمَالَنَا. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.

 

الجزء الثاني والأخير من خطبة الجمعة من جامع الجزائر