رغم الخطابات الرسمية المتكررة حول حماية الطفولة وتعزيز الحقوق الاجتماعية، تكشف الأرقام الصادرة عن الهيئات المدنية بالمغرب عن واقع مقلق يضع علامات استفهام كبيرة حول فعالية السياسات العمومية الموجهة للأطفال.
تكشف المعطيات التي قدمتها حركة الطفولة الشعبية، إنه لا يزال نحو 101 ألف طفل مغربي منخرطين في سوق العمل، بينما يشتغل أكثر من 62 بالمائة منهم في ظروف خطيرة تهدد صحتهم وسلامتهم الجسدية والنفسية، وهي أرقام تعكس استمرار ظاهرة يفترض أن تكون في تراجع مستمر داخل دولة تتحدث عن التنمية البشرية والإدماج الاجتماعي. إن استمرار تشغيل الأطفال بهذا الحجم لا يمكن اعتباره مجرد نتيجة للفقر أو الأوضاع الاقتصادية الصعبة فقط، بل يكشف كذلك عن محدودية آليات المراقبة وضعف السياسات الوقائية وبرامج الدعم الاجتماعي الموجهة للأسر الهشةـ فحين يجد عشرات الآلاف من الأطفال أنفسهم في ورشات العمل والحقول والأسواق بدل مقاعد الدراسة، يصبح الحديث عن حماية الطفولة مجرد شعارات تصطدم بواقع مختلف. ولا تقف المؤشرات المقلقة عند عمالة الأطفال فقط، بل تمتد إلى تراجع تمدرس الأطفال في وضعية إعاقة، واستمرار ظواهر تزويج القاصرات والعنف ضد الطفلات، إضافة إلى تسجيل حالات تحرش داخل المؤسسات التعليمية، و هذه المعطيات ترسم صورة مركبة لأزمة تتجاوز الجانب الاقتصادي لتشمل أبعادًا تشريعية وتربوية واجتماعية. كما أن ضعف البنيات الترفيهية والتربوية المخصصة للأطفال يساهم بدوره في تعميق الفجوة الاجتماعية، حيث لا تزال العديد من المناطق تفتقر إلى فضاءات آمنة للتكوين والترفيه والتنمية الشخصية، الأمر الذي ينعكس سلبًا على مسار الطفولة ويزيد من مخاطر الانقطاع عن الدراسة والانحراف والاستغلال. وفي الوقت الذي تستعد فيه البلاد لاستحقاقات تشريعية جديدة، تبدو الحاجة ملحة لوضع قضايا الطفولة في صلب النقاش السياسي، ليس فقط من خلال الوعود الانتخابية، وإنما عبر سياسات عملية قابلة للقياس والمحاسبة، فالأطفال لا يشاركون في التصويت، لكنهم الفئة الأكثر تأثرًا بنتائج السياسات العمومية والقرارات الحكومية. يؤكد التقرير بأن مكافحة عمالة الأطفال وحماية حقوقهم الأساسية لا تتطلب فقط سن قوانين جديدة، بل تستوجب إرادة سياسية حقيقية، وتعزيز الرقابة الميدانية، وتوسيع برامج الدعم الاجتماعي، وضمان تعليم شامل وجيد لجميع الأطفال دون استثناء، فمستقبل أي مجتمع يقاس بقدرته على حماية أطفاله، لا بعدد الشعارات التي يرفعها حول حقوقهم.
خديجة. ب