شهدت قاعة العروض بالمسرح الجهوي “صراط بومدين” بسعيدة، مساء الخميس، تقديم عرض المونودراما “بيك لاند”، للمسرح الجهوي سيدي بلعباس المستلهم من نصوص الكاتب صامويل بيكيت، أحد أبرز رواد مسرح العبث في القرن العشرين.
العرض من تصميم دين الهناني محمد جهيد، فكرة وتشخيص جوزي ياسين.
وتندرج مونودراما “بيك لاند” ضمن العروض التي تستثمر في طاقة الممثل الواحد على الركح، حيث يتحول الجسد إلى فضاء دلالي مفتوح، وتغدو الكلمة المختزلة والصمت والانتظار عناصر أساسية في بناء المعنى. وقد اشتغل العرض على أجواء عبثية تستحضر روح بيكيت، لا سيما في تفكيك الزمن، وتكثيف الإحساس بالوحدة، واستنطاق القلق الوجودي الذي يطبع الإنسان المعاصر.
لا يكتفي العمل باستلهام نصوص بيكيت، صاحب “في انتظار غودو” و”نهاية اللعبة”، بل يذهب إلى مساءلة الواقع الراهن، مجسداً العبث كخطاب كاشف لجوهر الهيمنة والإمبريالية المعاصرة، حيث يبدو الإنسان عالقاً في دائرة الانتظار، فاقداً لليقين، ومهدداً بفقدان المعنى. وهنا يتقاطع العرض مع فلسفة مسرح العبث الذي يقوم على هشاشة اللغة، وتفكك الحبكة التقليدية، وتعرية الفراغ الوجودي.
ينطلق العرض من نصوص كاتب أوروبي، فإنه يعيد تأويلها داخل سياق محلي، مانحاً الجسد واللغة والإشارات السينوغرافية حمولة ثقافية جديدة. وهنا تتجلى خصوصية التجربة، إذ يتحول النص العالمي إلى مادة حوار مع واقع اجتماعي وثقافي مغاير، بما يعكس قدرة المسرح على تجاوز الحدود الجغرافية وإعادة إنتاج المعنى.
كما شكل الأداء الفردي ركيزة أساسية، حيث تحكم الممثل في الإيقاع الدرامي، متنقلاً بين حالات نفسية متباينة، في تجسيد لمعاناة الإنسان المعاصر بين الرغبة في الفعل والعجز عن التغيير.
يؤكد هذا العمل مرة أخرى أن المسرح، في جوهره، فضاء للتفكير والمساءلة، وأن العودة إلى نصوص رواد مسرح العبث ليست استعادة شكلية، بل محاولة لإعادة طرح الأسئلة الكبرى حول الإنسان، السلطة، الهوية، والمعنى في عالم تتكاثر فيه الأزمات وتتشظى فيه القيم.








