عبادَ الله.. إنَّ الفرحةَ التي تغمرُ أرواحَكم اليومَ، ليست فرحةً بانقضاءِ التكليف، بل هي حلاوةُ التوفيق. لقد ذُقتم في ليالي رمضانَ لذَّةَ الانكسارِ بين يديِ الجبار، وعرَفْتُم كيفَ تتساقطُ أثقالُ الذنوبِ مع كلِّ سجدةٍ ودمعة. فمن ذاقَ حلاوةَ الوصل، كيفَ يرتضي بعدَ ذلك مرارةَ الهجْر؟. إنَّ حقيقةَ الشكرِ في هذا العيد، لا تقفُ عندَ التكبيرِ باللسانِ فحسب، بل هي اعترافُ القلبِ بأنَّ المُنعِمَ هو الله، وأنَّ التوفيقَ للصيامِ والقيامِ هو محضُ فضلٍ منه سبحانه. اقرؤوا إن شئتم قولَهُ تعالى في خواتيمِ آياتِ الصيام: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. ألا وإنَّ للصائمِ فرحتينِ كما أخبرنا الصادقُ المصدوق ﷺ: “فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ”. فيا لها من بُشرى! يومَ تقفون غداً بين يديِ الله، وتجدونَ ظمأَ الهواجرِ قد تحوَّلَ إلى أنهارٍ من الرِّيّ، وأنَّ تعبَ القيامِ قد تحوَّلَ إلى أرائكَ منَ النّور. أيها الأحبة… من صامَ عن شهواتِهِ في رمضان، فليَصُمْ عن غفلتِهِ طوالَ العام، فإنَّ العيدَ ليس لِمن لَبِسَ الجَديد، بل لِمن خافَ يومَ الوعيد، ورجا رحمةَ ربِّه المجيد. يا مَن صَفَتْ أرواحُكم في ليالي القيام، لا تُطفِئوا قناديلَ القلوبِ بوَهْجِ الغفلات، فإنَّ من علامةِ قَبولِ الحسنةِ الحسنةَ بعدَها، ومن علامةِ ردِّها العودةَ إلى مستنقعاتِ الذنوبِ فورَ انقضاءِ الشهر. إياكم ونقضَ الغزلِ بعدَ إحكامِه! إياكم وتهديمَ ما بنيتُم من صروحِ الإيمان! “وَلَا تَكُونُواْ كَالتِے نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنۢ بَعْدِ قُوَّةٍ اَنكَٰثاٗ تَتَّخِذُونَ أَيْمَٰنَكُمْ دَخَلاَۢ بَيْنَكُمُۥٓ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْب۪يٰ مِنُ ا۟مَّةٍۖ اِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اُ۬للَّهُ بِهِۦوَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ اَ۬لْقِيَٰمَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَۖ “. إنَّ ربَّ رمضانَ هو ربُّ شوّال، وهو ربُّ العامِ كُلِّه. والقوافلُ التي سارتْ إلى اللهِ في رمضان، ما زالتْ تُواصلُ المسير. فبئسَ القومُ لا يعرفونَ اللهَ إلا في رمضان! إنَّ الوصل الذي بيننا وبينَ اللهِ ممتدٌّ لا يقطعُهُ إلا هادمُ اللذات، ومُفرِّقُ الجماعات. يقولُ ربُّنا جلَّ جلالُه: “وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّيٰ يَاتِيَكَ اَ۬لْيَقِينُۖ “، فالزموا غَرْزَ الاستقامة، وداوموا على الطاعةِ ولو قَلَّت، ففي الحديثِ الصحيح: “أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ”. لا تقطعوا صلتَكم بالقرآن، ولا تحرموا أنفسَكم من ركعاتٍ في جُنحِ الظّلَام، لتبقى قلوبُكم حيَّةً موصولةً بالملِكِ العَلّام. أقولُ قولي هذا، وأستغفرُ اللهَ العظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المسلمينَ من كلِّ ذنب، فاستغفروه إنَّه هو الغفورُ الرحيم.
الجزء الأول من خطبة الجمعة من جامع الجزائر