-
علاقتي بالجيل الجديد الممارس للفن الأندلسي علاقة ودية ومحترمة
-
لا أفكر في تدريس الموسيقى لاهتمامي بمجالات أخرى في هذا المجال
برزت الفنانة ديف فزيلات في الفن الأندلسي منذ أكثر من 40 سنة، حيث التحقت بمعهد الجزائر للموسيقى في عام 1972، أين درست على يد الشيخ عبد الغني بلقايد، كما تتلمذت على يد الشيخ عبد الرزاق فخارجي في عام 1982، ثم انضمت إلى جمعية الجزائر الموسيقية برئاسة سيدعلي بن مرابط، ومسيرتها الفنية حافلة بالإنجازات الفنية في الفن الأندلسي، لتنتقل مؤخرا إلى مجال الكتابة، حيث أنجزت كتابا بعنوان “الغناء النسوي لمدينة الجزائر العاصمة”.
وعنه وعن مسيرتها في مجال الفن وانخراطها في الجمعيات الموسيقية وأمور ذات صلة، تحدثت المبدعة فزيلات ديف لـ “الموعد اليومي” في هذا الحوار.
كلمينا عن أبرز محطاتك في مجال الفن؟

لما كنت طالبة في المعهد الموسيقي لمدينة الجزائر، كان المسار الأكاديمي مشابها للمسار في الكلية. بالنسبة لي، كان المسار في المعهد الموسيقي منتظما وطبيعيا، وكان الأسبوع يتقسم بين الكلية والمعهد ولكن الشرف الكبير هو أنني تتلمذت على أيدي شيوخ كبار مع الأستاذ عبد الغاني بلقايد في السنوات الأولى وبعدها مع الشيخ عبد الرزاق فخارجي في القسم العالي للمعهد.
شعرت بالفرق عندما انضممت إلى جمعية الجزائرية الموصلية المعروفة بأقدم جمعية موسيقية. كان رئيسها الراحل سيد علي بن مرابط، وكان القسم العالي الذي تم قبولي فيه تحت إشراف الراحل الشيخ أحمد سيري. جو التعلم مختلف في الجمعية وأكثر عائلي مما كان في المعهد الموسيقي، حيث كانت الأجواء مماثلة لتلك السائدة في المدرسة أو الثانوية، كان الوقت محكوماً بالامتحانات والمسابقات. نهاية العام في الجمعية أقل إجهاداً، وحتى الاختبارات لا تجرى في نفس الأجواء، لذا، نعم، كان انضمامي إلى الجمعية محطة مهمة في مسيرتي.
خطوة مهمة أخرى كانت عندما عرض عليّ السيد أحمد سري أداء مقطع غنائي منفرد، وكان اختياري لهذا الدور أمراً بالغ الأهمية، فهذا يعني أن صوتي يتمتع بإمكانات وأن عليّ الاهتمام به واستغلاله، الحياة في الجمعية متتابعة ببروفات منتظمة والمشاركة في المهرجانات والحفلات الموسيقية والجولات إلى جانب الحياة الجامعية والعائلية.
تعد المشاركة مع الجمعية الجزائرية الموصلية للذكرى المئوية لمسجد قرطبة في إسبانيا عام 1987 من أجمل اللحظات في مسيرتي الموسيقية.
كانت هناك زيارات إلى أماكن رمزية ذات طابع تاريخي، وأحتفظ بذكرى رائعة عندما كنا داخل المسجد وأطلق الشيخ سيد أحمد سري الأذان للصلاة.
لقد تركت مشاركتي الفردية في مهرجان الفنون للأشخاص ذوي الإعاقة في الولايات المتحدة الأمريكية في مركز كينيدي في واشنطن عام 1989 أثراً خاصاً في نفسي، حيث كان عليّ إعداد برنامج منفرد وتقديمه بمفردي على المسرح مصحوبة فقط بآلتي الموسيقية، العود. كانت تجربة جميلة جداً.
بعد بضع سنوات، رغبت في سرد قصة هذه الموسيقى وتاريخها وتاريخ الرجال والنساء الذين صنعوها وساهموا في استمرارها، وفهم شعرها ومؤلفيها بشكل أفضل. في الواقع، رغبت في إلقاء نظرة فاحصة على ما كنا نغنيه وما كان يحقق نجاحًا على المسرح. صديق متوفى رحمة الله عليه ساعدني وشجعني على الكتابة. كان اسمه أمزيان فرحاني، وكان رئيس تحرير ملحق الفنون والآداب الذي يصدر أسبوعياً في صحيفة “الوطن” اليومية. كنا نتحدث كثيراً عن الفن بشكل عام والموسيقى بشكل خاص، وكنت أروي له ما أعرفه وما أكتشفه في قراءاتي. أمزيان، قال لي ذات يوم: اكتبي. بدأت الكتابة ونشر لي في “الوطن” لأول مرة في 16 أكتوبر 2008، واستمرت المغامرة حتى عام 2015. أعتقد أن هذه التجربة مهمة جدا.
كنت ضمن طاقم مؤسسة “الشيخ عبد الكريم دالي”، ماذا تقولين عنها؟

فعلا كنت عضواً في مؤسسة الشيخ عبد الكريم دالي، ومع ذلك، ما زلت أحتفظ بذكريات جميلة عنها. شغلت عدة مناصب في المكتب التنفيذي وشاركت في إنشاء وإصدار المجلة الفنية والثقافية للمؤسسة. أطلقنا عليها اسم “مقامات الأندلس”، وكان نجيب كاتب مديراً فنياً لها (نجيب هو رئيس جمعية قرطبة الجزائر ورئيس أوركسترا الموسيقى الأندلسية في أوبرا الجزائر). كنت رئيسة تحرير المجلة. عندما كنا أعضاء في المؤسسة، تعاونت أنا ونجيب لفترة طويلة وشاركنا في إقامة عروض جميلة تكريماً للشيوخ والشيخات القدامى في الفن الأندلسي، كما أنشأنا وأطلقنا مسابقة الشيخ عبد الكريم دالي لأجمل صوت في الغناء الأندلسي.
أنجزت مؤخرا كتابا بعنوان “الغناء النسوي لمدينة الجزائر العاصمة” بإخراج فني عصري تراثي للذاكرة وبلمسة عصرية تكنولوجية، كلمينا عنه؟

نحن اثنان في إعداد هذا الكتاب عن الغناء النسائي في الجزائر العاصمة، السيد فيصل قلفاط وأنا. أردنا إعداد كتاب تكريماً للموسيقيات والمغنيات اللواتي يغنين أغاني الجزائر الحضرية، لهذا السبب اخترنا أن نجعل ثلاث فنانات يغنين أغاني النوبة الكلاسيكية التي يمكن للقارئ الاستماع إليها بعد مسح الرمز الموجود على الصفحة الأولى.
لقد جعلنا منه “كتابًا غنائيًا” – علاوة على ذلك، فهو يضم جميع القصائد الغنائية في المرجع الأندلسي لمدرسة الجزائر، أود أن أضيف أن الفنانات في هذا العمل ترافقهن فرقة موسيقية “رضوان”. وقد اخترنا تخصيص فصول عن الرجال العظماء الذين ساهموا في استعادة وحفظ وعرض بعض المقطوعات الموسيقية غير المنشورة. هناك منطق وراء ذكر محمد بن شاهد ومحمد لكحل وحميد كاتب وسيد أحمد سيري، فقد ساهموا جميعًا في إحياء أغانٍ كنا نعتقد أنها ضاعت، ولذلك نحن مدينون لهم بالكثير.
كيف جاءتك فكرة هذا الكتاب وتخصيصه للغناء النسوي في الجزائر العاصمة؟

الغناء النسوي لمدينة الجزائر عمل كنت أريد القيام به منذ زمن، لأنني تساءلت لما كنت في جوق الجزائرية الموصلية ونحن في حفلات في داخل الوطن أو خارجه: كيف تمكنت المرأة الجزائرية من تعلم الفن الموسيقي والعزف على عدد من الآلات وتكوين أجواق؟، من أين أتى هذا؟ صحيح أنه في المناسبات العائلية توجد دائما واحدة تغني، ولكن الفن النسوي نفسه كان موجودا في المدن الكبيرة كعمل رسمي تعيش منه فنانات وحكايتهم هي التي كانت تهمني. فلقد كان الأستاذ الشيخ أحمد سيري يذكر في بعض الأحيان المعلمة يامنة بنت الحاج المهدي في تجربتها الغنائية، يحكي كيف كانت تنطق في هذا الطرف الغنائي أو ذاك ولكن ما كان يحكي عن حياتها أو كيف نشأت وأصبحت معلمة يامنة.
قبل المعلمة يامنة، كانت هناك فرق نسوية تحتفل بالمناسبات العائلية بشكل أساسي، تعلمنا من قصة يامنة أنها غيرت الأمور تمامًا. ما أردت معرفته هو من أين أتت هذه الفرق النسوية، شرعت في البحث عن معلومات وقراءة مقالات وكتب تتناول الموسيقى الحضرية في الجزائر العاصمة، وبالطبع بحثت عما يتعلق بالنساء – هناك أيضًا شهادات يمكن العثور عليها أحيانًا، لكنها لا تعود إلى ما أردت، على سبيل المثال، مقابلات محيي الدين باشطارزي مثيرة للاهتمام، لكنها لا تعود إلى ما قبل القرن التاسع عشر. أدت محادثاتي مع باحثين آخرين إلى اكتشاف كتابات تشير إلى وجود مغنيات موسيقيات بالفعل خلال الوجود العثماني في الجزائر حوالي عام 1760. من المحتمل أن هؤلاء النساء كن موجودات قبل وصول العثمانيين، لكن الوثائق نادرة. هناك أيضًا كتابات لزوار الجزائر. ترابطت الأمور تدريجيًا، لكننا نفتقر إلى الكثير من المعلومات عن الفترات الأقدم، وربما أجد المزيد لاحقًا،
الأمر المؤكد هو أن المسمعيات كانت موجودة بالفعل في القرن الثامن عشر وكانت جزءًا من البروتوكول الرسمي لاستقبال الضيوف البارزين في قصر داي الجزائر.
كانت تسمى بالفعل المسمعيات، وبالتالي كانت لها نشاط اقتصادي وفني وعام معترف به. هذه الحقائق رواها محمد شريف زهار ونشرها توفيق المدني.
هذا الكتاب يساهم في الأمن الثقافي للتراث الفني الجزائري ويحميه ويمنع من سرقته من الغير، هل توافقين هذا الرأي؟
أتمنى أن يساهم هذا العمل في التعريف بالغناء النسائي بشكل أفضل، أما بالنسبة للأمن الثقافي للتراث، فأعترف أن الأمر يبدو لي معقدًا للغاية في عصر التكنولوجيات الجديدة التي تسمح بنسخ كل شيء تقريبًا وانتحاله بشكل زائف.
هل تفكرين في تسجيل نوبات جديدة بصوتك في المستقبل القريب؟
نعم، أنا أعمل حالياً على نوبة أخرى في طبع مختلف عن طبع النوبة السابقة التي قمت بأدائها. نوبة ستتألف من مقطوعات موجودة في المرجع ولكنها لم تُغنَّ من قبل تقريباً، ومقطوعات أخرى منها واحدة على وجه الخصوص عثرنا عليها بأعجوبة وأتمنى أن أتمكن من تقديمها.
كيف هي علاقتك بالجيل الجديد الممارس للفن الأندلسي؟

أنا أعرف الموسيقيين الشباب في جمعية قرطبة في الجزائر التي يرأسها صديقي نجيب كاتب. إنهم موسيقيون شباب على مستوى ممتاز، ينتبهون جيدًا في الدروس ويطرحون الكثير من الأسئلة. إنهم من جيل يستخدم التكنولوجيات الحديثة بكثرة، ويتساءلون عن كيفية التدريس في زمن لم يكن فيه الأنترنت بعد.
بشكل عام، العلاقات ودية ومحترمة للغاية. ولكن إذا كان سؤالك يهدف إلى معرفة ما إذا كنت أكرس نفسي لتدريس الموسيقى، فإن الإجابة هي لا، أنا لا أفعل ذلك، بل أكرس نفسي لجوانب أخرى من مجال الموسيقى.
حاورتها: حورية. ق








