أجواء دينية محفوفة بعناصر من الهوية التراثية للمنطقة

غرداية.. أصالة منطقة وخصوصية مجتمع

غرداية.. أصالة منطقة وخصوصية مجتمع
  • مشاهد سلبت قلوب المسلمين عبر العالم

ضجّت مواقع التواصل الاجتماعي بصور ومقاطع فيديو، وثقت واحدة من أروع ما شاهده المسلمون عبر بقاع العالم من مظاهر وأجواء إحياء عيد الفطر المبارك بولاية غرداية، التي شهدت ما يشبه طوفان أبيض شكّله جموع المصلين في مشهد مهيب سلب قلوب المسلمين وأبهرهم.

يتمسك سكان غرداية بعادات مجتمعية تطبع عيد الفطر المبارك وتجعل كل مسلم شاهد صلاة العيد بولاية غرداية يرغب في أن يعيش تفاصيل هذا اليوم المبارك في هذه المنطقة التي يتساوى فيها الجميع في مشهد مهيب لا تفرق فيه بين الغني والفقير ولا الكبير والصغير، فالجميع هناك يرتدون اللباس الأبيض الموحد مرددين تكبيرات العيد.

 

تفاصيل فريدة مليئة بمعاني التسامح

مع الساعات الأولى لصباح يوم عيد الفطر المبارك، يتقدم “العزابة” جموع المصلين في طريقهم من المسجد الكبير إلى مصلى العيد، بلباس أبيض موحد يؤكد المساواة بين الجميع ويعكس خصوصية المنطقة وتاريخها العريق، كما يؤكد تماسك المجتمع هناك والتزام أفراده بما دأب عليه أسلافهم، فتجد في هذه المسيرة البيضاء كل الفئات العمرية، فلا يتخلف أحد عنها، كما أبهر اصطفاف المصلين أثناء تأدية صلاة العيد العالم، فرغم الجموع الغفيرة إلا أن النظام كان سيد الموقف، دون الحاجة لمن يُنظم صفوفهم، فهم يعرفون نظامهم بأنفسهم، كما أنهم معتادون عليه لسنوات طويلة قبل ظهور الأنترنت، إلا أن ما أخرج الصور للعالم هو انتشار مواقع التواصل الاجتماعي.

 

تاريخ المنطقة وسحر المكان

تتكون مدينة غرداية من مجموعة قصور، وهي أحياء تاريخية صغيرة، ويمثل كل قصر وحدة اجتماعية مستقلة، وينعكس هذا التنظيم في الحياة اليومية، حيث لكل قصر سكانه الذين يعرفون بعضهم بعضا، وهذا النمط من التنظيم منح المدينة خصوصية اجتماعية قوية وأوجد روحا جماعية متماسكة بين أهلها.

 

غرداية.. الجوهر الذي لا يزول

وتعد مدينة غرداية السياحية من أحسن النماذج التي تترجم جمال بلد الجزائر وبالتحديد صحرائها، ففيها يجد السائح ما يجعله ينبهر بجمالها لما يميزها من ثروات تقليدية وتراث جميل يستحق التأمل، وتقع ولاية غرداية شمال صحراء الجزائر، ويبعد مقر الولاية أي مدينة غرداية بـ 600 كلم عن العاصمة الجزائر.

تحد ولاية غرداية كل من: ولاية الجلفة وولاية الأغواط شمالا، ولاية البيض وولاية أدرار غربا، وولاية ورقلة شرقا، وولاية تمنراست جنوبا.

ويعبرها الطريق الوطني رقم 1 الرابط العاصمة الجزائرية بالجنوب الكبير الساحر.

 

تماسك وترابط

يتميز المجتمع في ولاية غرداية بالتماسك والترابط الأسري، حيث تلعب الأسرة الموسعة دورا كبيرا في حياة الفرد، وكل حدث أو مناسبة يتم الاحتفال بها مع الأقارب والجيران.

كما يتميز المجتمع في غرداية بوجود نظام “العزابة” وهي مجموعة من الأعيان والعلماء المحليين يتم اختيارهم للإشراف على شؤون المجتمع وحل الخلافات، وضمان المحافظة على القيم الدينية والمجتمعية، والذي أنشأ هذه الحلقة هو أبو عبد الله محمد أبو بكر الفرسطائي، وتتكون من 12 إلى 24 عضواً، منهم الإمام، والشيخ، والمؤذن، ومراقب الأوقاف، والغسالين ويجري تعيين الأعضاء واختيارهم حسب شروط محددة، إذ تتم متابعة الشخص لمدة سنة كاملة لرؤية إن كان أهلاً للانضمام إلى حلقة العزابة أم لا، وسميت العزابة “لعزوب هؤلاء الأشخاص عن ملذات الدنيا”. ويُعرف عن المجتمع الغرداوي محافظته على تعاليم الدين الإسلامي، واهتمامه بالعبادات والتعليم الديني والمراسم المجتمعية.

 

شكل مختلف لطابع عمراني متطابق

تُعرف منطقة غرداية بنسيجها العمراني وقصورها المتعددة منها قصر غرداية، بنورة، بني يزقن، القرارة، بريان وتاجنينت (العطف حاليا)، ومليكة، وصنفت منظمة اليونيسكو قصور سهل وادي ميزاب الخمسة فقط ضمن التراث العالمي، وهي غرداية وبنورة والعطف ومليكة وبني يزقن، والتي تعود إلى القرن الحادي عشر، نظرا لمحافظتها على طابعها العمراني طيلة هذه القرون وعلى نظامها الاجتماعي المتماسك.

ورغم اختلاف هذه القصور في شكلها الهندسي، فإنها تتشابه في طابعها العمراني، حيث يكون المسجد في مدخل المدينة وبعدها تأتي المنازل، أما سوق كل قصر فيقع خارج المدينة بهدف عدم السماح للأجانب بدخول المدينة.

وتتميز بيوت غرداية بكونها بُنيت في قصور غرداية بما يسمح للشمس بالدخول إليها، فهي مغلقة نحو الخارج ومفتوحة نحو الداخل والسماء من أجل الضوء والتهوية وفيها بضعة فضاءات، منها الفضاء المخصص للنساء وهو ما يسمى بـ “التيزفري”، وهو ضروري لكل بيوت بني مزاب.

 

الحياة اليومية.. بين الصحراء والمدينة

تمتزج الحياة في غرداية بين البيئة الصحراوية والنشاط المدني، فتجد الأسواق المحلية هناك تعكس روح التبادل التجاري والاجتماعي أيضا، حيث يتبادل الناس السلع، الأخبار والأحاديث اليومية، كما تتميز المنطقة بالنشاط الفلاحي أيضا، حيث توجد الزراعة وتربية الإبل التي تعد جزءا لا يتجزأ من الحياة هناك، إذ يربط المجتمع بالتراث الصحراوي ويعزز استقلاله الغذائي.

أما في المناسبات الدينية مثل رمضان وعيد الفطر فتظهر قوة التلاحم الاجتماعي، حيث يُشارك الجميع في الاحتفالات والزيارات المتبادلة.

 

الجانب الروحي.. ميزة المنطقة

يُعد الجانب الروحي من أبرز مظاهر خصوصية المجتمع الغرداوي، وهو ما يبرز أثناء المناسبة الدينية كصلاة التراويح وعلى وجه التحديد صلاة العيد، وهو ما أكدته الصور والفيديوهات التي انتشرت مؤخرا.

لمياء. ب