أنوار من جامع الجزائر

فضل أيام العشر الأوائل – الجزء الأول –

فضل أيام العشر الأوائل – الجزء الأول –

أيها المؤمنون، إن من رحمة الله عز وجل بعباده أن جعل لهم مواسم للخيرات، تتضاعف فيها الحسنات، وتتنزل فيها الرحمات، وتفتح فيها أبواب المغفرة والعتق من النيران، ومن أعظم هذه المواسم المباركة: أيام العشر الأوائل من ذي الحجة التي نعيش في رحابها ونقتبس من أنوارها. هذه الأيام التي أقسم الله بها في كتابه الكريم فقال: ﴿والفجر * وليال عشر﴾ [الفجر: 1-2]. وإذا أقسم الله بشيء دل ذلك على عظم شأنه وعلو منزلته.

وقال سبحانه: ﴿ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات﴾ [الحج: 28]. قال جمهور أهل العلم: هي عشر ذي الحجة. وفي فضلها يقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام». قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: «ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله، ثم لم يرجع من ذلك بشيء» (رواه البخاري عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما). أيها الأحبة الكرام، إن هذه الأيام العشر باب عظيم تستجلب به محبة الله سبحانه وتعالى، وتمحى به الذنوب، وتكفر به السيئات والخطايا. وما أعظمها من نعمة أن يمد الله في أعمارنا حتى نبلغ هذه الأيام المباركة مرة أخرى، فكثير ممن كانوا معنا في العام الماضي هم في جوار الله، فانقطعت أعمالهم، وغيبتهم عنا القبور، ونحن اليوم ما زلنا في زمن المهلة، وفي ميدان التوبة، وفي ساحة التسابق إلى الخيرات واغتنام الحسنات، فإدراك هذه الأيام نعمة عظيمة تستحق منا الحمد والشكر لله رب العالمين. عباد الله، تأملوا هذا التعبير النبوي العجيب: «ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله». لم يقل النبي ﷺ: أعظم أجرًا، ولا أكثر ثوابًا، ولا أرفع درجة، مع أن كل ذلك حاصل، ولكنه قال: «أحب إلى الله». وكلمة «أحب» أرقى وأعظم وأجمل من كل التعابير الأخرى؛ لأن القضية هنا ليست مجرد مضاعفة حسنات، بل القضية أنك تتقرب إلى الله بشيء يحبه الله. فإذا كان الله يحب الذكر أكثرنا من ذكره، وإذا كان يحب الصدقة تصدقنا، وإذا كان يحب التوبة تبنا إليه، وإذا كان يحب الدعاء رفعنا أكف الضراعة بين يديه؛ فإذا فعلنا ذلك نلنا محبة الله ورضوانه. وكيف لا يحبنا الله ونحن نتقرب إليه بما يحب ويرضى؟ ولذلك كانت خلاصة السير إلى الله: أن نلتمس محبته بفعل ما يحبه سبحانه. قال تعالى: ﴿إن الله يحب التوابين﴾ [البقرة: 222]، ﴿والله يحب المحسنين﴾ [آل عمران: 134]، ﴿إن الله يحب المتقين﴾ [التوبة: 4]. فليست القضية أن ندعي حب الله بألسنتنا، فإن كثيرًا من الناس يقولون: نحن نحب الله، ولكن الشأن الأعظم، والمقام الأكبر، والفوز الحقيقي: أن يحبك الله أنت. إذا أحبك الله شرح صدرك للطاعة، وفتح لك أبواب الخير، وبارك لك في عمرك، ووضع لك القبول في الأرض، ثم كانت لك النجاة يوم القيامة.

 

الجزء الأول من خطبة الجمعة من جامع الجزائر