عباد الله: لقد حثَّتْ شريعة الله الغراءُ على العمل الصالح، وأمرت به أمرا مؤكدا، واعتبرته دعامة من دعائم المجتمع المسلم، وسببا من أسباب السعادة في الدارين، فقال تعالى: ” من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون” النحل: 97، والعمل الصالح في مفهوم الشرع الحنيف ليس مقتصرا على العبادة بمفهومها الضيق، من صلاة وحج وصيام وبرٍّ وذكر وقراءة قرآن، وهلمَّ جرا، بل يتعداه إلى كل قول أو فعل يبني ولا يهدم، ويجمع ولا يفرِّقُ، وينفع ولا يضرُّ، فيشمل العبادة المعروفة في باب الفقه الإسلامي، ويتعدَّاهَا إلى السَّعي الحلال على لقمة العيش، كامتهان حرفة أو صنعة، وصولا إلى كلِّ ما يرضي الله سبحانه وتعالى من حَسَنِ الأقوال والفعال، ومما يؤَكِّدُ أهمية التكسب الحلال في الشرائع السماوية، أنه كان ديدنَ جميع الأنبياء والمرسلين عليهم السلام، فاستوى فيه الناس جميعا من حيث الأمر به، فقد ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة ضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: ” يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا، إني بما تعملون عليم ” المؤمنون: 51. وقال ” يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم ” البقرة: 172، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر؛ يمدُّ يديه إلى السماء: يا رب يا رب؛ ومطعمه حرام؛ ومشربه حرام؛ وملبسه حرام؛ وغُذِي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك “. أيها المؤمنون الصادقون: إن شريعة الله القويمةَ، جعلت التَّكسُّبَ عمادا للحياة، فعظَّمَت من شأنه، وأعْلَتْ من قدره، فجاء الأمر به في محكم التبيان، فقال تعالى: “فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه” الملك: 15، والعمل وسيلة لإعمار الأرض بالخير، كما قال تعالى: “هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها” هود: 61، وهو سبيلٌ لحفظ الدين والمروءة من الابتذال، وإذا كان التكسُّبُ محمودا عقلا وحسًّا وشرعا، فإن البطالة والخمول والكسل سفهٌ وقلَّة حيلة؛ وازدراء للمروءة، وامتهان للكرامة الإنسانية، قيل لأحمد بن حنبل: ما تقول في رجل جلس في بيته أو مسجده، وقال: لا أعمل شيئا حتى يأتيني رزقي؟، فقال أحمد: هذا رجل جهِلَ العلم، أما سمع قول النبي عليه السلام: “إن الله جعل رزقي تحت ظلِّ رمحي- رواه البخاري تعليقا من حديث ابن عمر- وقوله عليه السلام حين ذكر الطير: “تغدو خماصا، وتروح بطانا” رواه الترمذي. والمستقرئ لأقوال السلف، يجدها متضافرة على ذمِّ الكسل والبطالة والخمول، فقد ثبت عن عمر بن الخطاب رضي الله أنه قال كما في كنز العمال: ” إني لأرى الرجل فيعجبني، فأقول: له حرفة؟ فإن قالوا: لا، سقط من عيني”، وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه كما عند الطبراني في الكبير: ” إني لأكره أن أرى الرجل فارغا، لا في عمل دنيا ولا آخرة”.
الجزء الأول من خطبة الجمعة من جامع الجزائر