أنوار من جامع الجزائر

فضل يوم عرفة – الجزء الثاني والأخير –

فضل يوم عرفة – الجزء الثاني والأخير –

أيها المسلمون، ومن أعظم أيام هذه العشر: يوم عرفة، ذلك اليوم العظيم الذي تتنزل فيه الرحمات، وتغفر فيه الذنوب، وتعتق فيه الرقاب من النار، وقد عظمه الله تعالى في كتابه، وأقسم به في قوله سبحانه: ﴿وشاهد ومشهود﴾ [البروج: 3]، وقد فسر كثير من أهل العلم «المشهود» بيوم عرفة؛ لما يشهده من تنزل الرحمات، وكثرة الخيرات، وتجلي معاني العبودية والافتقار إلى الله رب العالمين. يوم يدنو الله سبحانه فيه من عباده دنوًا يليق بجلاله وعظمته، ثم يباهي بهم الملائكة. فقد روى الإمام مسلم في صحيحه عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: «ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة» (رواه مسلم). وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «إن الله يباهي بأهل عرفات ملائكة السماء، فيقول: انظروا إلى عبادي هؤلاء، جاءوني شعثًا غبرًا» (رواه أحمد). وما أعظمها من منزلة أن يذكرك الله في الملإ الأعلى، وأن يباهي بك ملائكته المقربين. غير أن فضل عرفة أيها المؤمنون، ليس مقصورًا فقط على من وقف بعرفة، فإن من صدق شوقه إلى الحج، وتحرق قلبه إلى بيت الله الحرام، وامتلأت نفسه حبًا لتلك المشاعر المباركة، نال من الأجر والفضل بقدر صدقه ونيته. وقد جعل الله تعالى لعباده الذين لم يكتب لهم الحج أبوابًا عظيمة ينالون بها من نفحات هذا اليوم المبارك، ومن أعظم ذلك: صيام يوم عرفة، ذلك الصيام الذي قال فيه النبي ﷺ: «صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده» (رواه مسلم عن أبي قتادة رضي الله عنه).  أي ذنب هذا الذي يمحى؟! وأي فضل هذا الذي يمتد أثره إلى عامين كاملين؟! إنه فضل الكريم سبحانه، الذي يفتح لعباده أبواب المغفرة والرحمة بأعمال يسيرة وأجور عظيمة.  فمن عجز عن الوقوف بعرفة، فلا يعجز عن صيام يومها، وعن الإكثار فيه من الدعاء والذكر والاستغفار، فإن يوم عرفة يوم قرب وإجابة، ويوم عتق ورحمة، ويوم ترجى فيه المغفرة لعباد الله المؤمنين. عباد الله: إن يوم عرفة هبة ربانية، ومنحة إيمانية، وفرصة عظيمة للرجوع إلى الله والتوبة إليه. فطوبى لمن اغتنمه بصدق الإنابة وحسن التوبة، وفاز فيه بمغفرة الذنوب وعفو علام الغيوب، وطهر قلبه من دنس المعاصي والذنوب، واستقامت جوارحه على طاعة الله رب العالمين. اللهم اجعلنا فيه من المقبولين المرحومين، ولا تجعلنا من المحرومين المطرودين.

 

الجزء الثاني والأخير من خطبة الجمعة من جامع الجزائر