أنوار من جامع الجزائر

فلسطين في قلب الأمة – الجزء الأول –

فلسطين في قلب الأمة – الجزء الأول –

أَمَّا بَعْدُ: فَيَا أُمَّةَ الْإِسْلَامِ: نَقِفُ الْيَوْمَ فِي “جَامِعِ الْجَزَائِرِ”، وَقُلُوبُنَا تَخْفِقُ قَبْلَ الْحَنَاجِرِ، وَأَرْوَاحُنَا تُسَافِرُ مِنْ هَذِهِ الْمَنَائِرِ، لِتُعَانِقَ تُرَابَ الْقُدْسِ الطَّاهِرِ. هَذَا الْمِنْبَرُ الْجَزَائِرِيُّ يَقِفُ مُؤَاخِياً لِمِنْبَرِ صَلَاحِ الدِّينِ، نُعْلِنُ مِنْهُ لِلْعَالَمِينَ، أَنَّ قَضِيَّةَ فِلَسطين، حَيَّةٌ فِي القَلْبِ والشَّرَايِينِ. فِي مِثْلِ هَذَا الْيَوْمِ، الْخَامِسِ عَشَرَ مِنْ مَاي، تَهُبُّ عَلَيْنَا ذِكْرَى الْوَجَعِ والجُرحِ الْغَائِر، ذِكْرَى مَا سُمِّيَ بِـ “النَّكْبَةِ”. 78 عَاماً مَضَتْ. تَبَدَّلَتْ فِيهَا مَعَالِمُ، وَتَغَيَّرَتْ عَوَالِمُ. هُدِّمَتْ فِيهَا دِيَارٌ، وَاقْتُلِعَتْ أَشْجَارٌ. هَجَّرُوا الْأَجْسَادَ، وَشَتَّتُوا الْأَوْلَادَ. ظَنَّ الْغَاصِبُونَ أَنَّ تَقَادُمَ الزَّمَانِ سَيَمْحُو ذَاكِرَةَ الْمَكَانِ. رَاهَنُوا عَلَى الزَّمَنِ، وَقَالُوا بِلِسَانِ الْغُرُورِ وَالْوَهْمِ: “الْكِبَارُ يَمُوتُونَ، وَالصِّغَارُ يَنْسَوْنَ”. فَإِذَا بِالرِّهَانِ يَتَحَطَّمُ عَلَى صَخْرَةِ الْيَقِينِ. مَاتَ الْكِبَارُ نَعَمْ، لَكِنَّهُمْ أَوْرَثُوا مَفَاتِيحَ الدُّورِ، وَحُبَّ الْأَقْصَى الْمَحْفُورِ فِي الصُّدُورِ، لِأَجْيَالٍ هِيَ أَشَدُّ بَاساً، وَأَقْوَى مِرَاساً. أَجْيَالٌ رَضَعَتِ الْكَرَامَةَ مَعَ اللِّبَانِ، وَكَبُرَتْ عَلَى حُبِّ التَّضْحِيَةِ فِي مَيْدَانِ الْعِزَّةِ وَالْإِيمَانِ. لَقَدْ أَسْمَوْهَا نَكْبَةً، وَنَحْنُ نَرَاهَا شَارَةَ وُقُوفٍ، وَبِدَايَةَ اصْطِفَافِ الصُّفُوفِ. صَادَرُوا التُّرَابَ، لَكِنَّهُمْ عَجَزُوا أَنْ يَسْلِبُوا مِنْ قُلُوبِنَا قَدَاسَةَ الْمِحْرَابِ. لَمْ يَنْتَزِعُوا آيَةَ الْإِسْرَاءِ مِنْ مَصَاحِفِنَا، وَلَمْ يَمْحُوا سُورَةَ الْأَنْفَالِ مِنْ صُدُورِنَا، فَالْمُحْتَلُّ يَمْلِكُ الْآلَةَ وَالْحَدِيدَ، وَنَحْنُ نَمْلِكُ الْعَقِيدَةَ وَالْوَعْدَ الرَّبَّانِيَّ الْمَجِيدَ. هَذِهِ فِلَسْطِينُ؛ لَيْسَتْ طِينًا يُبَاعُ وَيُشْتَرَى، وَلَيْسَتْ حُدُوداً تُرْسَمُ عَلَى ثَرَى. إِنَّهَا قِطْعَةٌ مِنَ السَّمَاءِ نَزَلَتْ إِلَى الْأَرْضِ، مَنْ فَرَّطَ فِيهَا فَقَدْ نَقَضَ الْعَهْدَ وَضَيَّعَ الْفَرْضَ. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾. يَا أُمَّةَ الْأَقْصَى: هُنَا، فِي الْجَزَائِرِ، نَفْهَمُ مَعْنَى الصُّمُودِ حِينَ يَطُولُ. فَقَدْ مَكَثَ الِاحْتِلَالُ فِي بِلَادِنَا 132 عَاماً. سَعَى لِطَمْسِ اللُّغَةِ وَالدِّينِ، حَتَّى ظَنَّ البَعْضُ أَنَّ الْجَزَائِرَ انْتَهَتْ؛ وَطُوِيَ كِتابهُا. فَانْفَجَرَتْ الثَوْرَةُ العُظْمَى، التِي صَنَعَتْ مَجْداً، وَأَعَادَتْ حَقّاً مَسْلُوبًا، بِدِمَاءِ مِلْيُونٍ وَنِصْفِ الْمِلْيُونِ شَهِيدٍ، مِنْ هَذِهِ الْأَرْضِ الطَّاهِرَةِ، أَرْضِ الشّهداء، ارْتَفَعَ صَوْتُ الْأُخُوَّةِ ذَاتَ يَوْمٍ؛ لِيُعْلِنَ لِلْعَالَمِ أَجْمَعَ قِيَامَ دَوْلَةِ فِلَسْطِينَ، احْتِضَاناً لِقَضِيَّةٍ تَعِيشُ فِي حَنَايَانَا، وَتَأْكِيداً لِمُعْتَقَدٍ إِسْلَامِيٍّ لَا يَتَزَعْزَعُ مَهْمَا تَعَاقَبَتِ السِّنُونَ. إِنَّ فِلَسْطِينَ فِي وُجْدَانِنَا قَضِيَّةُ عَدْلٍ نَتَوَارَثُ مَحَبَّتَهَا في قلوبنا. وَمِنْ حَنَاجِرِ أَحْرَارِنَا صَدَحَتِ الْمَقُولَةُ الَّتِي لَا تَتَبَدَّلُ وَلَا تَتَغَيَّرُ: “نَحْنُ مَعَ فِلَسْطِينَ ظَالِمَةً أَوْ مَظْلُومَةً”. عَقِيدَةٌ لَا تَقْبَلُ الْمُسَاوَمَةَ، وَمَبْدَأٌ لَا يَعْرِفُ الْمُدَاهَنَةَ.

 

الجزء الأول من خطبة الجمعة من جامع الجزائر