أنوار من جامع الجزائر

في رمضان … أعظم ليلة – الجزء الثاني والأخير –

في رمضان … أعظم ليلة – الجزء الثاني والأخير –

إن هذا الشهر الكريم فرصة عظيمة لتلاوة القرآن وتدبره، قراءة وسماعا وفهما وعملا، فهو شهر القرآن والقيام، وهل زكاة النفس إلا بتلاوة كتاب ربنا وتدبره، وقد ثبت في صحيح البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة”.

إن شهر رمضان بنفحاته العطرة سبب عظيم من أسباب مغفرة الذنوب، فقد ثبت عند البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي عليه السلام: ” من صام رمضان، ومن قام رمضان، إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه”، وهو من أسباب تكفير السيئات، وهي مرتبة أرقى من سابقتها، فقال عليه السلام كما عند مسلم من حديث أبي هريرة: ” الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر”، وهو من أسباب العفو، الذي هو أعظم من المغفرة والتكفير، فقد علم النبي عليه السلام عائشة رضي الله عنها كما عند الترمذي أن تقول في ليلة القدر: “اللهم إنك عفو كريم تحب العفو، فاعف عني”.

إن أعظم ليلة زينت الوجود هي ليلة الشرف والشأن والقدر، أنزل الله فيها كتابه المبين على قلب المصطفى عليه الصلاة والسلام، فقال تعالى ” إنا أنزلناه في ليلة القدر، وما أدراك ما ليلة القدر، ليلة القدر خير من ألف شهر ” [القدر: 1-3]، وهي ليلة ضمَّنها الله العشر الأخير من رمضان، فاغتنموها وقوموها أحسن القيام، بأن تتحروها في أوتار عشر رمضان الأخير، فها هي نفحات الله تعالى قد غشيت قلوبكم، وها هي بركات الشهر الفضيل قد حلت بدياركم، وها هي ذا نسمات القرآن تطرب آذانكم، وتشرق أنوارها على أفئدتكم، وها هي ذا حلاوة القيام تزين مساجدكم وبيوتكم، وها هي ذا مظاهر الألفة والمحبة تجمع بين أرواحكم، وها هي رحمات الشهر تذهب شحناء نفوسكم، فاغتنموا فرصة رمضان ولا تضيعوها، وقد انتصف الشهر، مؤذنا بقرب رحيله إلى غير رجعة، فإن تكاسلتم في نصفه الأول، فلا تُغْبَنُوا في نصف الثاني، فإنه إن مر علينا هذا الشهر كما تمر علينا باقي الأشهر؛ فنحن قطعا من المغبونين المحرومين، وإن خرجنا من الشهر أحسن مما دخلنا فيه فنحن قطعا من عباد الله السعداء الفائزين، فتوبوا إلى الله جميعا أيها عبَادَ اللّهِ: إني دَاعٍ فَأَمِّنُوا اللَّهُمَّ لا تَدَعْ لنا في هذا المَقَامِ ذَنْبًا إلّا غَفَرْتَهُ، ولا هَمًّا إلّا فَرَجْتَهُ، ولا دَيْنًا إلّا قَضَيْتَهُ، ولا مَريضًا إلّا شَفَيْتَهُ، ولا عَدُوًّا إلّا خَذَلْتَهُ وقَصَمْتَهُ، اللَّهُمَّ انْصُرْ مَنْ نَصَرَ الدِّينَ، واخْذُلْ مَنْ خَذَلَ المسلمين. اللهم بلغنا ليلة القدر العظيمة، واكتب لنا فيها كل خير قدرته فيها. رَبَّنَا آتِنَا في الدُّنْيَا حَسَنَةً، وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً، وقِنَا عَذَابَ النَّارِ، وأَدخِلْنَا الجَنَّةَ مع الأَبرَارِ.

 

الجزء الثاني والاخير من خطبة الجمعة من جامع الجزائر