الحمدُ للهِ حَمداً يوافي نِعَمَه ويُكافِئُ مَزيدَه، سُبْحَانَه لا نُحصي ثناءً عليه هو كما أثنى على نَفْسِه، وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ سَيِّدنَا محمداً عبدُه ورسولُه، المَبْعُوثُ رَحمةً للعالمين، صلواتُ اللهِ وسلامُه عليه وعلى آلِهِ وصحبهِ أجمعين. أما بعدُ؛ فيا معاشرَ الصائمين: إنَّ مِنْ حُسْنِ البِدايةِ في هذا الشَّهرِ المبارك، ومِنْ تَمَامِ الفلاحِ فِيهِ: فَهْمَ حقيقةِ الصيامِ وغايتِه. فَمَا فُرِضَ الصيامُ لِتَتَغَيَّرَ أوقاتُ الأكْل، بَلْ لِتَتَغَيَّرَ صِفَاتُ النَّفْس. وإنَّ مِمَّا يَنْدَى له الجبينُ، ويُصَادِمُ مَقَاصِدَ الدِّين؛ ما نَراهُ من تَنَافُسٍ مَحْمُومٍ في الاسْتِهْلاك، وإسْرَافٍ يَمْحَقُ البَرَكَةَ في الأرْزَاق. لقد جَعَلَ اللهُ الصيامَ مدرسةً لِكَسْرِ الشَّهْوة، فحوَّلَه بعضُنا -للأسف- إلى مَوسمٍ لِتُخْمَةِ الأبدانِ وضَياعِ الأَموال. إنَّنا نُشَاهِدُ ظَواهرَ التَّبذيرِ في المَآكلِ والمَشارِبِ تُجاوزُ الحدّ، حتى غَدَتْ مَوَائِدُنا مَيْدَاناً لِلتَّبَاهِي، ومَصِيرُ جُزْءٍ كبيرٍ منها -مَعَ حَسْرَتِنا-إلى النِّفايات!. اتَّقُوا اللهَ عبادَ اللهِ في نِعَمِهِ، واعلموا أنَّ اللهَ سَائلُكُمْ عَنْها؛ فَقَدْ قَالَ سُبْحَانَه: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾. وقَالَ تعالى: ﴿وكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾. كَيْفَ يَرْضَى صائمٌ أنْ يُبَذِّرَ طعاماً يَكفي لِإشباعِ عائلاتٍ محتاجةٍ فقيرةٍ، أو أنْ يُسْرِفَ في المَاءِ الذي هو عَصَبُ الحَياة، والنبيُّ ﷺ قد نَهَى عن الإسرافِ فيهِ ولو كانَ العبدُ على نَهْرٍ جَار؟. إنَّ تَرشيدَ الاسْتِهلاكِ ليسَ بُخلاً ولا تَقْتِيراً، بَلْ هو وَعْيٌ حضاريٌّ، وانضباطٌ شرعيّ، وتضامنٌ إنسانيٌّ مع إخوانِنا الذين لا يجدُونَ قُوتَ يومِهم. فاجعلوا “عَشْرَكم الأُولى” بدايةً لِتَغييرِ سُلوكِنا الاسْتِهْلاكيّ؛ قَلِّلُوا من الفُضُولِ في الطَّعام، لِيَصِحَّ منكم الصِّيام، وتَقْوَى مِنهُ الأجْسام، وتَنْهَضَ لِلقِيام. يا أمةَ الإسلام: رمضانُ زمنُ بناءٍ وليس شهرَ اشتهاء، مَوسمُ جُودٍ وَعَطاء لا مَوسمُ شِراءٍ وَاقْتِنَاء. فاجْعَلوا مِفتاحَ فلاحِكم في حُسْنِ البداية، وصِدْقِ التَّوجُّه، وقَصْدِ المَنْفَعَة. ثُمَّ صَلُّوا رَحِمَكُمُ ٱللَّهُ وَسَلِّمُوا عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ٱلَّذِي أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ بِٱلصَّلَاةِ وَٱلسَّلَامِ عَلَيْهِ، فَقَالَ: {إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّۖ يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًاۖ}. اللَّهمَّ باركْ لنا في رَمضان، وأعِنَّا فيهِ على الصيامِ والقيام، وتَقبَّلْ مِنا صَالِحَ الأعمال، اللَّهمَّ اجْعَلْنا مِمَّنْ حَسُنَتْ بِداياتُهُم، فَصَفَتْ نِهاياتُهُم، وفازوا بِجَنَّاتِك، اللَّهمَّ قَنِّعْنَا بِما رَزَقْتَنا، وباركْ لنا فيه، وقِنَا شَرَّ الإسرافِ والتبذير. اللَّهمَّ اجعلْ بلدَنا هذا الجزائر آمِناً مُطمئناً، وسَائِرَ بِلادِ المسلمين، اللَّهمَّ انصرْ إخوانَنا المُرابطين في بَيْتِ المقدس، واجبرْ كَسْرَهُم، وأطْعِمْ جَائِعَهُم، وكُنْ لَهُم عَوْناً ونَصِيراً، اللَّهمَّ ارحمْ مَوتانا، واشفِ مَرضانا، واخْتِمْ بالصالحاتِ أعمالَنا.
الجزء الثاني والأخير من خطبة الجمعة من جامع الجزائر







