الجزائر- أكد الأستاذ عربي بومدين أستاذ العلوم السياسية بجامعة حسيبة بن بوعلي بالشلف بأن موجة الاعتداءات ضد الأئمة في الجزائر التي حدثت مؤخرا تدخل ضمن ظواهر كثيرا ما حذر منها المختصون تتعلق
أساسا بمظاهر التدين الجديد على غرار الأحمدية، هذه الأخيرة التي باتت تتعارض عقائديا وفقهيا مع ما هو سائد في الجزائر من الإسلام المعتدل.
قال الأستاذ عربي بومدين في تصريح لـ “الموعد اليومي” بأن العنف ضد الأئمة ليس بالظاهرة الجديدة فلا تكاد تخلو المساجد عندنا من مسألة الخلافات حول قضايا تافهة تتعلق أساسا بكيفية الصلاة أو توقيتها أو خلافات شخصية تنعكس على فعل العبادة في حد ذاته، فضلا على قضايا كثيرة تتعلق بخلافات تقع بين الأئمة ولجان المساجد.
وأوضح المتحدث بأن موجة الاعتداءات الاخيرة تعود لضعف تكوين الأئمة وفي بعض الأحيان قد يحمل هذا الإمام فكرا وعقيدة تتعارض والمصلين، الأمر الذي قد يفسر من طرف المصلين على أنه خروج عن المألوف.
ويرى المتحدث بأن الاعتداءات التي ولدت تطرفا متناميا نتيجة سلوكيات معينة تصل حتى السب والشتم والخصام ويصبح موضوع الخلاف مائدة دسمة لحديث العامة، غير أن الجديد في الظاهرة – يشير محدثنا- هو بعدها العقائدي والفكري الديني في شكل تضارب المرجعيات والمشارب، الأمر الذي يعطي التطرف شكله العنيف ويؤسس لمنطق الفوضى الذي يهدد الأمن الاجتماعي والثقافي في الجزائر.
ويعتقد المتحدث ذاته بأن ظاهرة التطرف هي ظاهرة اجتماعية لصيقة بالمجتمعات البشرية وهي ظاهرة تتحرك من دوافع نفسية وفكرية والجزائر إحدى الدول التي تعرضت للتطرف العنيف، وبالتالي فإن فعل التطرف يدخل ضمن الذاكرة الجماعية للجزائريين، حيث شهدت الجزائر حوادث كثيرة تدل على صور التطرف الديني خاصة.
وعليه أبدى محدثنا رفضه للطرح القائل بأن الجزائر في منأى عن التطرف والتطرف العنيف لعديد الأسباب، أولا أن الخبرة التاريخية وبقاء جذور التطرف حيث عالجت مختلف القوانين والتشريعات الجوانب الشكلية التنظيمية للتطرف ولم تعالج أصل الأزمة في سياقها الاجتماعي، وبالتالي بقيت المقاربة القانونية عاجزة عن تقديم الحل وثانيا أن تأثر الجزائر بمظاهر العولمة وموجات التطرف الديني والسياسي في العالم وبالتالي التطرف العنيف في الجزائر يدخل ضمن هذا السياق، وثالثا تصاعد العنف الرمزي في الجزائر الأمر الذي ينعكس مجتمعيا ويتجلى في مظاهر التطرف بحيث يعد ذلك عاملا من عوامل إثبات الذات والانتقام من المجتمع.
وعن سؤال حول مستوى أداء مختلف الفاعلين في معالجة الظاهرة، فأكد محدثنا بأن الأداء يبقى ضعيفا نتيجة الحركية المتسارعة لمثل هذه الظواهر التي هي سمة عصر العولمة. فبالنسبة لأداء السياسة الحكومية في هذا المجال محددة في وزارة الشؤون الدينية والأوقاف وعلى الرغم من الجهود المبذولة تبقى ثغرات تتعلق في مجملها بضعف تثبيت المرجعية الدينية وفق الخصوصية الجزائرية وأمور أخرى تتعلق بجوانب تنظيم وتسيير المساجد التي بقيت تقليدية في أغلبها.
وبالنسبة لأداء المجتمع المدني فيمكن وصفه بالضعيف والهامشي، ذلك أن هذه الجمعيات الثقافية أو الدينية تخلت عن وظيفتها المجتمعية وانصرفت لحسابات سياسوية أو مصلحية بالدرجة الأولى.
وفي هذا السياق بالذات أكد أنه كان الأجدر أن يكون المجتمع المدني صمام الأمان في وجه أي اختراق يهدد الأمن الفكري في الجزائر ويضرب عقيدة الجزائريين القائمة على الوسطية والاعتدال، أما بالنسبة للإعلام فيرى أنه ساهم في إعطاء الموضوع بعده الشعبوي، وبدل أن يكون جزءا من الحل بدا وكأنه يزيد الموضوع تعقيدا من خلال معالجة المسألة ضمن خانة “البروباغندا”، والأصح أن تعالج المسألة في بعدها التربوي والتوعوي بخطورة هذه الظواهر على التماسك والاستقرار المجتمعي والأمن القومي الجزائري على الرغم من جهود بعض الإعلام الهادئ والمتزن، لكن يبقى ضعيفا مقارنة بحجم تطور التطرف العنيف ومنحنياته ومساراته في مختلف دول العالم ومن بينها الجزائر.
وبين هذا وذاك أكد المتحدث بأن الحلول في معالجة جذور التطرف والتطرف العنيف، تكمن في تطهير الخطاب الدّيني (المسجدي) من الغلو وعقلنته بما يتماشى والحفاظ على خصوصية وتماسك المجتمع وإحياء الذاكرة الجامعية والتأسيس لخطاب مسجدي يتوافق والفرد الجزائري والابتعاد عن تسييس الظاهرة والتعامل معها بعقلانية لدى صانع القرار والتأسيس لمرجعية دينية موحدة في الجزائر وقطع الطريق أمام الوافد العقائدي الذي لا يتماشى وخصوصية المجتمع الجزائري وإنشاء هيئة إفتاء وطنية معتمدة، وكذا الاهتمام بالتربية على المواطنة من خلال تفعيل دور المؤسسات التربوية والجامعة في أن تلعب دورها التوعوي والتربوي وإعادة بعث دور منظمات المجتمع المدني في أن تلعب الدور المنوط بها بخاصة في مجالات التوعية والتحسيس بخطورة الظاهرة ونشر قيم التسامح والحوار ونبذ التطرف بالإضافة الى تفعيل الإعلام الديني والحرص على الالتزام في معالجة الظاهرة إعلاميا، وتجنب الدخول في متاهات السبق الإعلامي نظرا لحساسية الموضوع على الصعيد الاجتماعي وبعث مشاريع قوانين تتماشى وهذه الظواهر الجديدة للحسم، فيما بعد في مسألة التكييف القانوني والإحالة على القضاء وتفعيل الأطر والمعالجة الأمنية، لأن الظواهر هاته تحتاج إلى المرافقة الأمنية من خلال إجراءات استعلاماتية أو من خلال الإعلام الأمني بإشراك المواطن في العملية الأمنية.