أنوار من جامع الجزائر

قبل أن تحاسبوا – الجزء الأول –

قبل أن تحاسبوا – الجزء الأول –

إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَا يُوقِظُ القُلُوبَ مِنْ سُبَاتِهَا، وَيَهُزُّ النُّفُوسَ مِنْ غَفْلَتِهَا، وَيُعِيدُ الإِنْسَانَ إِلَى جَادَّةِ الصَّوَابِ مُحَاسَبَةَ النَّفْسِ، تِلْكَ العِبَادَةُ الجَلِيلَةُ الَّتِي غَفَلَ عَنْهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَاشْتَغَلُوا بِمُحَاسَبَةِ الخَلْقِ، وَنَسُوا أَنْفُسَهُمْ، وَتَتَبَّعُوا عُيُوبَ النَّاسِ، وَغَفِلُوا عَنْ عُيُوبِهِمْ، وَنَسُوا أَنَّ اللَّهَ مُطَّلِعٌ عَلَى السَّرَائِرِ فَلَا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ، وَأَنَّ الحِسَابَ آتٍ لَا مَحَالَةَ. قَالَ جَلَّ وَعَلَا “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ” الحشر: 18، فَخَاطَبَ كُلَّ نَفْسٍ بِعَيْنِهَا، لِتَقِفَ مَعَ ذَاتِهَا وَقْفَةَ صِدْقٍ وَمُصَارَحَةٍ: مَاذَا قَدَّمَتْ؟ وَمَاذَا أَخَّرَتْ؟ وَمَاذَا أَضْمَرَتْ؟ انَّهَا وَقْفَةٌ لَا مَفَرَّ مِنْهَا؛ لِأَنَّ أَمَامَنَا يَوْمًا عَظِيمًا تُعْرَضُ فِيهِ الأَعْمَالُ، وَتُنْشَرُ الصُّحُفُ، وَتُنْصَبُ المَوَازِينُ، قَالَ تَعَالَى “وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا” الأنبياء: 47، وَيُقَالُ لِلْعَبْدِ حِينَئِذٍ “اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا” الإسراء: 14. وَاحْذَرْ ـ أَخِيَ الحَبِيبَ ـ أَنْ تُهْمِلَ مُحَاسَبَةَ نَفْسِكَ، فَتَأْتِيَ يَوْمَ القِيَامَةِ مُفْلِسًا وَأَنْتَ تَظُنُّ أَنَّكَ مِنَ الرَّابِحِينَ. احْذَرْ أَنْ تُضَيِّعَ حَسَنَاتِكَ لَا لِقِلَّةِ عَمَلٍ، وَلَكِنْ لِغِيَابِ المُرَاجَعَةِ، وَسُوءِ المُعَامَلَةِ، وَالتَّفْرِيطِ فِي حُقُوقِ العِبَادِ؛ فَإِنَّ مَنْ لَمْ يُحَاسِبْ نَفْسَهُ فِي الدُّنْيَا حُوسِبَ حِسَابًا عَسِيرًا فِي الآخِرَةِ. وَقَدْ بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ حَقِيقَةَ الإِفْلَاسِ الَّتِي يَغْفُلُ عَنْهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ” أَتَدْرُونَ مَنِ المُفْلِسُ؟ ” قَالُوا: المُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ. فَقَالَ: ” إِنَّ المُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ القِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ، أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ” رواه مسلم. فَيَا عَبْدَ اللَّهِ، إِذَا كَانَ اللَّهُ سَيَجْعَلُكَ حَسِيبًا عَلَى نَفْسِكَ يَوْمَ القِيَامَةِ، أَفَلَا تُحَاسِبُهَا اليَوْمَ قَبْلَ أَنْ تَقِفَ بَيْنَ يَدَيْهِ مَوْقِفَ الذُّلِّ وَالِانْكِسَارِ؟ يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: “الكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ، وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ المَوْتِ، وَالعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا، وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ الأَمَانِيَّ” رواه الترمذي. فَالكَيِّسُ لَيْسَ بِكَثْرَةِ المَالِ، وَلَا بِعُلُوِّ المَنْصِبِ، وَإِنَّمَا الكَيِّسُ مَنْ وَقَفَ مَعَ نَفْسِهِ وَقْفَةَ مُحَاسَبَةٍ وَمُرَاجَعَةٍ؛ يَنْظُرُ فِي صَلَاتِهِ: أَدَّاهَا كَمَا أَمَرَ اللَّهُ أَمْ ضَيَّعَهَا؟ وَيَنْظُرُ فِي لِسَانِهِ: هَلْ حَفِظَهُ مِنَ الكَذِبِ وَالغِيبَةِ وَقَوْلِ الزُّورِ وَغَيْرِهَا، أَمْ أَطْلَقَهُ فِيمَا يُسْخِطُ اللَّهَ؟ وَيَنْظُرُ فِي حُقُوقِ العِبَادِ: هَلْ ظَلَمَ أَحَدًا، أَوْ بَخَسَ حَقًّا، أَوْ تَسَاهَلَ فِي أَمَانَةٍ؟ وَيَنْظُرُ فِي مَالِهِ: مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ، وَفِيمَ أَنْفَقَهُ؟ وَيَنْظُرُ فِي قَلْبِهِ: هَلِ امْتَلَأَ إِخْلَاصًا لِلَّهِ، أَمْ تَلَوَّثَ بِالرِّيَاءِ وَحُبِّ الثَّنَاءِ؟ وَيَنْظُرُ فِي خَلَوَاتِهِ قَبْلَ جَلَوَاتِهِ: مَاذَا يَصْنَعُ إِذَا غَابَتْ أَعْيُنُ النَّاسِ؟ فَهَكَذَا تَكُونُ مُحَاسَبَةُ النَّفْسِ، وَهَكَذَا تَكُونُ الكَيَاسَةُ الحَقَّةُ، زَادًا لِلآخِرَةِ وَنَجَاةً يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: “لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَا أَبْلَاهُ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ مَاذَا عَمِلَ بِهِ” رواه الترمذي.

 

الجزء الأول من خطبة الجمعة من جامع الجزائر