أنوار من جامع الجزائر

قرب رمضان.. بشرى تحي القلوب – الجزء الأول –

قرب رمضان.. بشرى تحي القلوب – الجزء الأول –

أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْمُؤْمِنُونَ: نَحْنُ الْيَوْمَ نَنْظُرُ هِلَالاً لَيْسَ كَكُلِّ الْأَهِلَّةِ، وَنَنْتَظِرُ ضَيْفاً لَيْسَ كَسَائِرِ الضُّيُوفِ. إِنَّهُ شَهْرُ الصِّيَامِ وَالْقِيَامِ وَالْقُرْآنِ، وَأَنْعِمْ بِهَذَا الشَّهْرِ مِنْ شَهْرٍ، وَبِهَذَا الْمَوْسِمِ مِنْ زَمَانٍ فَاضِلٍ مُبَارَكٍ كَرِيمٍ. فَكَيْفَ يَنْبَغِي أَنْ نَسْتَقْبِلَهُ وَنَسْتَعِدَّ لَهُ بِمَا يَلِيقُ بِهَيْبَتِهِ وَبَرَكَاتِهِ؟ إِنَّ الِاسْتِعْدَادَ لِرَمَضَانَ لَهُوَ رِحْلَةُ تَغْيِيرٍ تَبْدَأُ مِنَ الْآنِ، وَإِنَّ أَكْبَرَ حِجَابٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الِانْتِفَاعِ بِأَنْوَارِهِ وَنَفَحَاتِهِ، هُوَ تَحْويلُ رَمَضَانَ مِنْ مِحْرَابٍ لِلْعِبَادَاتِ، إِلَى مَهْرَجَانٍ لِلْعَادَاتِ، وَمِنْ مِضْمَارٍ لِلْمُسَارَعَةِ إِلَى الْخَيْرَاتِ، وَاغْتِنَامِ الْأَوْقَاتِ فِي الطَّاعَاتِ، إِلَى مَوْسِمٍ لِلتَّرْفِيهِ، وَاللَّغْوِ، وَالسَّهَرَاتِ. إِنَّ الِاسْتِعْدَادَ الْحَقِيقِيَّ لَهُوَ الَّذِي يُحْيِي حِكَمَهُ وَمَقَاصِدَهُ وَيُشِيعُ فِي الْحَيَاةِ أَنْوَارَهُ وَبَرَكَاتِهِ، بَيْنَ نُورِ الْعِلْمِ، وَصَفَاءِ التَّزْكِيَةِ، وَقُوَّةِ الْعَمَلِ. إِخْوَةَ الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ: إِنَّ أَوَّلَ خُطْوَةٍ فِي أَيِّ عِبَادَةٍ هِي أَنْ نَعْبُدَ اللَّهَ عَلَى بَصِيرَةٍ. فَلَا تَصِحُّ الْعِبَادَةُ بِغَيْرِ عِلْمٍ بِأَحْكَامِهَا. وَأَوْلُ مَا يَجِبُ تَعَلُّمُهُ لِشَهْرِ رَمَضَانَ هُوَ أَحْكَامُ الصِّيَامِ، أَوْ مُذَاكَرَتُهَا لِمَنْ تَعَلَّمَهَا تَعْظِيماً لِشَعَائِرِ الدِّينِ؛ إِذْ لَا يَلِيقُ بِمُسْلِمٍ أَنْ يَدْخُلَ الشَّهْرَ وَهُوَ يَجْهَلُ مُفْسِدَاتِ صَوْمِهِ، أَوْ يَضْطَرِبُ فِي الْأَحْكَامِ الْمُعَاصِرَةِ كَاسْتِخْدَامِ الْقَطَرَاتِ وَالْمَنَاظِيرِ وَالْمُغَذِّيَاتِ. فَإِنَّ تَعَلُّمَ الْفِقْهِ يَطْرُدُ الْوَسْوَاسَ وَيُورِثُ الطَّمْأنينَةَ. كَمَا أَنَّ فَهْمَ الرُّخَصِ الشَّرْعِيَّةِ لِلْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ هُوَ جُزْءٌ مِنْ عِبَادَةِ اللَّهِ بِبُسْرِ الشَّرِيعَةِ وَلَيْسَ بِتَحْمِيلِ النَّفْسِ الْمَشَقَّةَ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَا تَعَبَّدَنَا بِالْمَشَقَّةِ وَالْحَرَجِ قَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: “وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ” وَاللَّهُ تَعَالَى يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ كَمَا يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى عَزَائِمُهُ. وَمِمَّا يَجِبُ تَعَلُّمُهُ بَعْدَ ذَلِكَ مَعْرِفَةُ مَرَاتِبِ الصِّيَامِ، إِذْ لَيْسَ عَلَى دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ، وَقَدْ فَصَّلَ حُجَّةُ الْإِسْلَامِ الْإِمَامُ الْغَزَالِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- فِي “الْإِحْيَاءِ” مَرَاتِبَ الصِّيَامِ لِتَكُونَ نِبْرَاساً لِلصَّائِمِينَ: قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: “اعْلَمْ أَنَّ الصَّوْمَ ثَلَاثُ مَرَاتِبَ: صَوْمُ الْعُمُومِ، وَصَوْمُ الْخُصُوصِ، وَصَوْمُ خُصُوصِ الْخُصُوصِ. أَمَّا صَوْمُ الْعُمُومِ: فَهُوَ كَفُّ الْبَطْنِ وَالْفَرْجِ عَنْ قَضَاءِ الشَّهْوَةِ. وَأَمَّا صَوْمُ الْخُصُوصِ: فَهُوَ كَفُّ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَاللِّسَانِ وَالْيَدِ وَالرِّجْلِ وَسَائِرِ الْجَوَارِحِ عَنِ الْآثَامِ. وَأَمَّا صَوْمُ خُصُوصِ الْخُصُوصِ: فَصَوْمُ الْقَلْبِ عَنِ الْهِمَمِ الدَّنِيَّةِ وَالْأَفْكَارِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وَكَفُّهُ عَمَّا سِوَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِالْكُلِّيَّةِ.” وَقَصْدُهُ بِصَوْمِ الْعُمُومِ: هُوَ كَفُّ الْبَطْنِ وَالْفَرْجِ، وَهُوَ الْحَدُّ الْأَدْنَى الَّذِي تَبْرَأُ بِهِ الذِّمَّةُ، وَلَكِنْ قَدْ يَكُونُ صَاحِبُهُ مِمَّنْ قَالَ فِيهِمُ النَّبِيُّ ﷺ: “رُبَّ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلَّا الْجُوعُ وَالْعَطَشُ”. لِأَنَّهُ أَمْسَكَ عَنِ الْحَلَالِ وَأَفْطَرَ عَلَى الْحَرَامِ مِنْ غِيبَةٍ، أَوْ لَغْوٍ، أَوْ مَالٍ مَشْبُوهٍ. وَمَقْصُودُهُ مِنْ صَوْمِ الْخُصُوصِ: وَهُوَ صَوْمُ الصَّالِحِينَ؛ حَيْثُ تَصُومُ الْجَوَارِحُ كُلُّهَا. فَالْعَيْنُ تَصُومُ عَنِ النَّظَرِ الْمُحَرَّمِ، وَالْأُذُنُ عَنِ اللَّغْوِ، وَاللِّسَانُ عَنِ الْمِرَاءِ وَالْجِدَالِ. وَذَلِكَ صَوْمُ الْجَوَارِحِ؛ فَتَكُونُ فِي مِحْرَابِ الطَّاعَةِ طُولَ النَّهَارِ. وَأَمَّا صَوْمُ خُصُوصِ الْخُصُوصِ: فَهُوَ ذِرْوَةُ السَّنَامِ؛ وَهُوَ صَوْمُ الْقَلْبِ. بِأَنْ يَصُومَ الْقَلْبُ عَنِ الْهِمَمِ الدَّنِيَّةِ، وَعَنِ الِانْشِغَالِ بِغَيْرِ اللَّهِ. وَهُنَا يَكُونُ الْفِطْرُ لِأَصْحَابِ هَذَا الْمَقَامِ بِالْغَفْلَةِ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وَتِلْكَ هِي مَرْتَبَةُ الْإِحْسَانِ: “أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ”.

 

الجزء الأول من خطبة الجمعة من جامع الجزائر