- 950كيلومترا من السكة.. رهان لوجستي يعيد رسم خريطة الجنوب
- من غارا جبيلات إلى بشار: خط حديدي لخدمة المنجم والاقتصاد
- قطارات المعادن والمسافرين تنطلق.. مرحلة جديدة للتنمية الميدانية
يمثّل خط السكة الحديدية المنجمي الغربي الرابط بين بشار وبني عباس وتندوف وغارا جبيلات، على مسافة 950 كيلومترا، أحد أضخم المشاريع القاعدية التي أنجزتها الجزائر خلال السنوات الأخيرة، بعد استكمال أشغاله كليا ودخوله مرحلة الاستغلال الفعلي. ويأتي هذا الإنجاز الاستراتيجي، الذي تم تجسيده في ظرف قياسي لم يتجاوز 24 شهرا، ليجسّد تحولا نوعيا في ربط الجنوب الغربي بالشبكة الوطنية للسكك الحديدية، ودعما مباشرا لاستغلال منجم غارا جبيلات وتعزيز ديناميكية النقل والتنمية الاقتصادية عبر ولايات المنطقة.
يمتد خط السكة الحديدية المنجمي الغربي على مسافة إجمالية تبلغ 950 كيلومترا، رابطا بين ولايات بشار وبني عباس وتندوف ومنطقة غارا جبيلات، في مسار يُعد من بين الأطول والأكثر تعقيدا على المستوى الوطني. وقد صُمّم هذا الخط ليكون ركيزة أساسية في نقل خام الحديد من منجم غارا جبيلات نحو مناطق التحويل والموانئ، إلى جانب دوره في نقل المسافرين والبضائع عبر الجنوب الغربي للبلاد.
وجرى إنجاز هذا المشروع الضخم في ظرف قياسي لم يتجاوز 24 شهرا، وفق ما أكدته الوكالة الوطنية للدراسات ومتابعة إنجاز الاستثمارات في السكك الحديدية، وهو أجل اعتُبر استثنائيا بالنظر إلى طبيعة المناطق التي يعبرها الخط، وما تفرضه من تحديات جغرافية ومناخية قاسية، خاصة في البيئات الصحراوية ذات الكثبان الرملية ودرجات الحرارة المرتفعة. وقد تطلب تجسيد الخط تعبئة إمكانيات تقنية وبشرية كبيرة، حيث شملت الأشغال تهيئة المنصة الأرضية لمسار السكة عبر عمليات ردم وحفر وتسوية فاقت 75 مليون متر مكعب، وهي عمليات وُصفت بالحاسمة لضمان الاستقرار الجيو-تقني للمسار وقدرته على تحمل الأحمال الثقيلة للقطارات المخصصة لنقل المعادن. ويُرتقب أن يشكّل هذا الخط مرجعا وطنيا في إنجاز السكك الحديدية الثقيلة، بالنظر إلى معاييره التقنية العالية وطابعه المنجمي، كما يُنتظر أن يسهم بشكل مباشر في تعزيز فعالية الشبكة الوطنية للنقل، وربط الجنوب الغربي بمراكز الإنتاج والتحويل، ضمن رؤية تهدف إلى تثمين الموارد الطبيعية ودعم التنمية الاقتصادية المتوازنة.
منشآت فنية ضخمة لمواجهة التحديات الطبيعية والمناخية
وتميّز خط السكة الحديدية المنجمي الغربي بإنجاز عدد معتبر من المنشآت الفنية التي صُمّمت خصيصا للتكيّف مع الخصوصيات الطبيعية للجنوب الغربي، حيث شملت الأشغال إنجاز 45 جسرا خاصا بالسكة الحديدية بطول إجمالي يناهز 20 كيلومترا، ما يعكس حجم التعقيد الهندسي الذي رافق المشروع منذ مراحله الأولى. ويبرز ضمن هذه المنشآت الجسر العابر لوادي الدورة، الذي يمتد على طول 4.11 كيلومترات، ويُصنّف كأحد أكبر وأطول الجسور الحديدية في الجزائر وإفريقيا. وقد أُنجز هذا الجسر وفق معايير تقنية عالية، تضمن استمرارية حركة القطارات وسلامتها، حتى في فترات التقلبات المناخية وارتفاع منسوب السيول. وبالإضافة إلى الجسور، تم إنجاز 50 ممرا خاصا و1.439 منشأة مخصصة لتصريف مياه الأمطار وحماية المسار من أخطار الانجراف، وهي منشآت تُعد ضرورية في بيئة صحراوية تتسم بندرة الأمطار من جهة، وبحدّة الفيضانات المفاجئة من جهة أخرى. وقد صُمّمت هذه الهياكل لتضمن ديمومة الخط واستقراره على المدى الطويل. وتتميز مختلف هذه المنشآت بمتانة عالية وقدرة كبيرة على مقاومة الظروف المناخية القاسية، ما يجعلها مؤهلة لمرافقة الاستغلال المكثف للخط، سواء في مجال نقل خام الحديد أو حركة القطارات التجارية وقطارات المسافرين، ضمن تصور يأخذ بعين الاعتبار الاستدامة والسلامة التشغيلية في آن واحد.
محطات جديدة وبنية لوجستية لدعم النقل المنجمي والمسافرين
وعرف خط السكة الحديدية المنجمي الغربي إنجاز شبكة متكاملة من المحطات والمنشآت المرافقة، حيث تم تشييد سبع محطات جديدة موزعة على ولايات الجنوب الغربي، بكل من العبادلة، حماقير، حاسي خبي، تبلبالة، أم العسل، تندوف وغارا جبيلات، في إطار تصور يهدف إلى ضمان استغلال فعّال ومتوازن للخط. وجاء تصميم هذه المحطات وفق معايير معمارية حديثة تراعي الخصوصيات الجغرافية والمناخية للمنطقة، إلى جانب متطلبات الاستغلال التقني واللوجستي، بما يسمح باستقبال قطارات المسافرين والبضائع في ظروف ملائمة، وتوفير فضاءات خدماتية تستجيب لحاجيات المستخدمين. وبالتوازي مع ذلك، تم إنجاز 28 وحدة تقاطع لأغراض لوجستية خاصة، صُمّمت لتحسين حركة القطارات وتنظيم عمليات العبور والتخزين والمناولة. وتُعد هذه الوحدات عنصرًا محوريا في دعم نقل خام الحديد من منجم غارا جبيلات، إلى جانب تسهيل نقل البضائع والمواد المختلفة عبر هذا المحور الاستراتيجي. وتسهم هذه البنية التحتية المرافقة في رفع فعالية الخط على المستويين التشغيلي والخدماتي، كما تعزز قدرته على استيعاب تدفقات منتظمة وكبيرة من القطارات، سواء تلك المخصصة للنشاط المنجمي أو لنقل المسافرين، ضمن شبكة نقل حديثة تدعم التنمية الاقتصادية بالجنوب الغربي للبلاد.
تعبئة وطنية واسعة وكفاءات جزّأت التحدي إلى إنجاز
كما تميّز تجسيد خط السكة الحديدية المنجمي الغربي بتعبئة غير مسبوقة للقدرات الوطنية، حيث شاركت في إنجازه أزيد من 20 مؤسسة وشركة ومكتب دراسات وطني متخصص، ما سمح بتوزيع الأشغال على نطاق واسع وضمان التحكم في مختلف مراحل المشروع، من الدراسات الأولية إلى التنفيذ الميداني. وقد أسهم هذا الانخراط الواسع في ترسيخ مقاربة تعتمد على الكفاءات الجزائرية، سواء في الأشغال القاعدية أو في إنجاز المنشآت الفنية وتنظيم الورشات، بما مكّن من احترام الآجال المحددة ومعايير الجودة المعتمدة في مشاريع السكك الحديدية الثقيلة. وفي هذا الإطار، قُسّم المشروع إلى ثلاثة مقاطع رئيسية لتسهيل الإنجاز والمتابعة. فقد أُنجز المقطع الأول الرابط بين بشار وحماقير مرورا بالعبادلة على مسافة 200 كلم من طرف مؤسسات عمومية وطنية، من بينها مجمع كوسيدار، شركات الأشغال العمومية، ومؤسسات متخصصة في المنشآت الفنية والبنى التحتية للسكك الحديدية. أما المقطع الثاني الرابط بين تندوف وأم العسل على مسافة 175 كلم، فتولت إنجازه مؤسسات وطنية أخرى، في حين أُسند المقطع الثالث، الممتد على 575 كلم بين حماقير وأم العسل وتندوف وغارا جبيلات، إلى شراكة تجمع بين المجمع الصيني لإنجاز السكك الحديدية وكوسيدار، في إطار تعاون تقني مكّن من إنجاز الأشغال في الآجال وبالمواصفات المطلوبة.
تدشين محطة تندوف وانطلاق أول رحلة للمسافرين
هذا، وشهدت ولاية تندوف، مساء السبت، تدشين محطة السكة الحديدية الجديدة وإعطاء إشارة انطلاق أول رحلة لقطار نقل المسافرين باتجاه ولاية بشار، عبر الخط المنجمي الغربي بشار–بني عباس–تندوف–غارا جبيلات الممتد على مسافة 950 كلم، وذلك بإشراف وفد وزاري رفيع المستوى وبحضور السلطات المحلية. وتلقى الوفد الوزاري بالمناسبة شروحات تقنية حول الخصائص الوظيفية لمحطة القطار بتندوف، ودورها المحوري في تنظيم حركة نقل البضائع والمسافرين، لاسيما ما يتعلق بنقل خام الحديد من منجم غارا جبيلات نحو بشار ثم إلى وجهات التحويل والتصدير، بما يعزز التكامل بين النقل المنجمي والنقل العمومي. وفي ما يخص نقل المسافرين، برمجت رحلة يومية واحدة في الاتجاهين بين تندوف وبشار، مرورا بمحطات أم العسل، حاسي خبي، غارا جبيلات، تبلبالة والعبادلة، ما يوفّر خدمة نقل منتظمة تسهم في تحسين الربط بين ولايات الجنوب الغربي وتسهيل تنقل المواطنين. ويأتي تشغيل هذا الخط في إطار البرنامج الوطني لتطوير وتحديث شبكة السكك الحديدية، الهادف إلى توسيع خطوط النقل وربط المناطق الداخلية والجنوبية ببقية ولايات الوطن، بما يدعم الحركية الاقتصادية المحلية ويحسّن جودة خدمات النقل العمومي عبر ولايات الجنوب الغربي.
مشروع وطني متكامل برؤية رئاسية وتنفيذ وطني
وأكد وزير الداخلية والجماعات المحلية والنقل، سعيد سعيود، في تصريح لوسائل الإعلام على هامش التدشين، أن إعطاء إشارة انطلاق القطار الرابط بين تندوف وبشار يندرج ضمن مشروع وطني متكامل أشرف رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، على وضع تصوره العام وسهر على متابعته ميدانيًا، خاصة في شقه المتعلق باستغلال منجم غارا جبيلات وإنجاز الخط المنجمي الغربي. وأوضح الوزير أن هذا المشروع أُنجز بالاعتماد على إمكانيات مادية وطنية خالصة، دون اللجوء إلى الاستدانة، وبمساهمة واسعة من الشركات الجزائرية والكفاءات واليد العاملة الوطنية، مع الاستفادة من تعاون تقني مع شركاء أجانب في إطار شراكات مدروسة تخدم المصلحة الوطنية. وأشار سعيود إلى أن الدولة حرصت، من خلال هذا المشروع، على تجسيد رؤية تنموية متوازنة تمسّ جميع مناطق الوطن دون استثناء، مذكّرًا بأن ولاية تندوف استفادت من برنامج تكميلي خاص مكّنها من تحقيق قفزة نوعية في مختلف القطاعات، لتضاهي اليوم عديد ولايات الشمال من حيث مستوى الهياكل والخدمات. وأضاف أن الخط المنجمي الغربي سيكون له انعكاس إيجابي مباشر على الوضعية الاقتصادية والاجتماعية، ليس فقط بولاية تندوف، بل على مجمل ولايات الجنوب الغربي والاقتصاد الوطني بصفة عامة، من خلال دعم النشاط المنجمي، تعزيز النقل، وخلق ديناميكية تنموية مستدامة على المديين المتوسط والطويل.
إشادة محلية وشعبية بآفاق التنمية والانعكاسات الاقتصادية
وقوبل تدشين محطة السكة الحديدية بتندوف وإطلاق أول رحلة للقطار نحو بشار بإشادة واسعة من المواطنين والمنتخبين وفعاليات المجتمع المدني بالولاية، الذين اعتبروا المشروع مكسبًا استراتيجيًا طال انتظاره، لما يحمله من أبعاد تنموية مباشرة ومستدامة على المنطقة والجنوب الغربي عموماً. وفي تصريحات متطابقة، عبّر ممثلو الهيئات المنتخبة المحلية عن تفاؤلهم بمستقبل النشاط الاقتصادي، مؤكدين أن استغلال منجم غارا جبيلات، مدعومًا بخط السكة الحديدية المنجمي، سيُحدث نقلة نوعية في تثمين الموارد الوطنية، عبر تسهيل نقل خام الحديد نحو مراكز التحويل والموانئ، وتقليص كلفة اللوجستيات، وتعزيز تنافسية الإنتاج الوطني. من جهتهم، أبرز أكاديميون وخبراء محليون أن المشروعين يشكلان رافعة حقيقية لخلق مناصب شغل مباشرة وغير مباشرة، وتنشيط قطاعات مرافقة كالنقل والخدمات واللوجستيات، إضافة إلى دعم التكامل الصناعي بين مناطق الإنتاج بالجنوب ومناطق التصنيع بالشمال، في إطار رؤية تنموية متوازنة. كما نوّهت فعاليات المجتمع المدني بالدور الاجتماعي للمشروع، معتبرة أن ربط تندوف بالشبكة الوطنية للسكك الحديدية يعزّز اندماج الولاية في الحركية الاقتصادية الوطنية، ويحسّن ظروف تنقل المواطنين، ويفتح آفاقًا جديدة أمام الشباب للمساهمة الفعلية في مسار التنمية، بما يجعل الخط المنجمي الغربي ركيزة بنيوية لنهضة اقتصادية محلية ووطنية متدرجة. تشكل حصيلة إنجاز الخط المنجمي الغربي بشار–بني عباس–تندوف–غارا جبيلات، بكل ما رافقها من منشآت ومحطات وأرقام قياسية، محطة مفصلية في مسار تحديث البنية التحتية الوطنية، ودليلا عمليا على انتقال المشاريع الكبرى من طور التخطيط الطويل إلى منطق الإنجاز الميداني الملموس. فمشروع بطول 950 كلم، أُنجز في ظرف 24 شهرًا وفي بيئة صحراوية قاسية، يعكس تحولًا في أسلوب إدارة المشاريع القاعدية وقدرة متزايدة على التحكم في التعقيدات التقنية واللوجستية. وفي بعدها الاقتصادي، لا يُقرأ هذا الإنجاز كخط نقل فقط، بل كدعامة استراتيجية لإعادة رسم الخريطة المنجمية واللوجستية للجنوب الغربي، عبر ربط أحد أكبر احتياطات الحديد في العالم بمراكز التحويل والموانئ، وتسهيل حركة المسافرين والبضائع، بما يعزز التكامل بين الأقاليم ويمنح دفعة قوية للتنمية المحلية وخلق فرص العمل. كما يؤسس الخط لمرحلة جديدة من تثمين الموارد الوطنية وتقليص كلفة النقل ورفع مردودية الاستثمارات العمومية. أما على المستوى الوطني الأشمل، فإن هذا المشروع يندرج ضمن رؤية متكاملة لتحديث شبكة السكك الحديدية وربط المناطق الداخلية والجنوبية بقلب النشاط الاقتصادي، في سياق توجه استراتيجي يقوم على تنويع الاقتصاد وتعزيز الاعتماد على الإمكانات الوطنية. وبذلك، يتحول الخط المنجمي الغربي من مجرد إنجاز تقني إلى رمز لمرحلة جديدة في مسار التنمية، عنوانها البنية التحتية كرافعة للنمو، والجنوب كفضاء واعد للاستثمار والإنتاج والاندماج الاقتصادي المستدام.









