عاد منهم 12 من أصل 150 مجاهدا

كتيبة جلب السلاح.. قلوب لا تعرف الخوف

كتيبة جلب السلاح.. قلوب لا تعرف الخوف

روى المجاهد مقران بن يوسف 84 سنة في شهادة سابقة للصحافة عن كتيبة جلب السلاح بالولاية التاريخية الثالثة، خلال حرب التحرير الوطنية التي تتكون من مجاهدين أقوياء تطوّعوا لأجل الذهاب إلى تونس لجلب السلاح للثورة، واخترقوا حقول الألغام وخطوط شال وموريس المرعبة.

وقال المجاهد إن الرحلة بدأت انطلاقا من الولاية الثالثة وكانوا 150 مجاهدا، لكن لم يعد منهم من هذه المغامرة التي قادتهم إلى تونس سوى 12 فقط، ودامت رحلتهم 108 يوم.

وقال المجاهد سي مقران إن سبب تشكيل كتيبة لجلب السلاح هو أنّ الثورة كانت بحاجة ماسة إلى الأسلحة والذخيرة، لاسيما عقب إطلاق مخطط شال الجهنمي، وفي نهاية نوفمبر 1958، التقى 150 مجاهدا متطوعين من مختلف مناطق الولاية التاريخية الثالثة، بمنطقة اث ارهونة بأزفون (70 كم شمال شرق تيزي وزو)، التي كانت تحتضن مركز قيادة المنطقة الثالثة تحت قيادة أحمد موستاش، والتابعة للناحية الثالثة من الولاية التاريخية الثالثة.

وانطلقت الكتيبة شرقا من أجل الاتجاه إلى تونس. وكان فصل الشتاء آنذاك جد قاسي والسماء تمطر يوميا، ولدى وصول الكتيبة إلى بجاية، كان عليها عبور وادي الصومام الذي كان في حالة فيضان، مما اضطر المجاهدين إلى ربط أنفسهم بحبل وإمساك بعضهم البعض. لكن حدث ما لم يكن في الحسبان، إذ انفصل أحدهم عن المجموعة قبل أن تجرفه المياه، ليكون أول ضحية تسجلها هذه الرحلة الطويلة.

ولم يمر وقت طويل لتسجل الضحية الثانية في هذه المغامرة، إذ بمجرد أن وطأت أقدام الكتيبة الضفة الأخرى من وادي الصومام، استشهد قائد المجموعة بعد أن داس على لغم، وكانت كتيبة المجاهدين المتطوعين تواصل مسيرتها ليلا كي تختفي عن الأنظار نهارا لتجنّب طائرات التجسّس الفرنسية.

وواصل المجاهد في حديثه بالإشارة إلى وصول الكتيبة إلى غابة بمرتفعات سكيكدة، حيث اضطرت إلى المرور على مزرعة أحد المعمرين. في الصبيحة، قصفت القوات العسكرية للمستعمر تلك الغابة بقذائف بي 26 وبقنابل النابالم الحارقة. وقال سي مقران إنّ ذلك كان “بمثابة كارثة حقيقية، واصلت الكتيبة مغامرتها حتى وصولها إلى جبل الدوغ غربي عنابة، نهاية شهر جانفي أو بداية فيفري 1959، حيث لم يتبق سوى 70 من عناصرها بعد أن استشهد الآخرون”.

ولجأت المجموعة إلى حقل زيتون في انتظار حلول الظلام ومتابعة طريقها، لكن لسوء الحظ علم الجيش الفرنسي بمرور المجاهدين بالمنطقة، ليتم محاصرتهم وقصفهم بالقنابل التي تسبّبت في فقدان عناصر أخرى من الكتيبة، وبعنابة اضطر الناجون للعبور بمنطقة من المستنقعات غير بعيدة عن الحدود التونسية، وكان من الضروري وجود مرشد محلي لعبور هذه المنطقة. ثم بلغت الكتيبة جبل الوحش قبل وصولها إلى خطوط “شال” و”موريس” المكهربة التي أقامها المحتل الفرنسي على طول الحدود ما بين الجزائر وتونس.

ولم يتبق من أعضاء الكتيبة إلا حوالي خمسين فقط، وكان لا بد منهم قطع الكابلات التي ترسل، وبمجرد قطعها، ترسل إشارة إلى مركز عسكري تحدد فيها المكان الذي وقع فيه العمل. وبمجرد وصول الإشارة وقع المجاهدون ضحية وابل من القنابل والنيران، علما أنه كان عليهم عبور خطوط موريس قبل وصولهم إلى خطوط شال، ثم عبور منطقة رملية ملغمة.

واختتمت هذه الرحلة الشاقة بعودة 17 مجاهدا إلى الولاية التاريخية الثالثة يحمل كل واحد منهم قطعتي سلاح، من ضمن 150 متطوعا باشروا هذه المغامرة، فيما لم يصل إلى الولاية التاريخية الثالثة سوى 12 منهم فقط.