عِبَادَ اللَّهِ: إِذَا أَرَدْنَا أَنْ نَعْرِفَ كَيْفَ نَعِيشُ بَعْدَ رَمَضَانَ وَكَيْفَ نُحَافِظُ عَلَى أَثَرِ الطَّاعَةِ فِي حَيَاتِنَا اليَوْمِيَّةِ، فَعَلَيْنَا أَنْ نَنْظُرَ إِلَىٰ حَالِ السَّلَفِ الصَّالِحِ بَعْدَ رَمَضَانَ، فَإِنَّهُمْ فَهِمُوا حَقِيقَةَ العِبَادَةِ وَفَهِمُوا أَنَّ القَبُولَ أَعْظَمُ وَأَخْطَرُ مِنْ مُجَرَّدِ العَمَلِ نَفْسِهِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مُعَلَّى بْنِ الفَضْلِ قَوْلُهُ عَنِ الصَّحَابَةِ: كَانُوا يَدْعُونَ اللَّهَ تَعَالَى سِتَّةَ أَشْهُرٍ أَنْ يُبَلِّغَهُمْ رَمَضَانَ، ثُمَّ يَدْعُونَهُ سِتَّةَ أَشْهُرٍ أَنْ يَتَقَبَّلَ مِنْهُمْ. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ: كَانَ مِنْ دُعَائِهِمْ: اللَّهُمَّ سَلِّمْنِي إِلَىٰ رَمَضَانَ، وَسَلِّمْ لِي رَمَضَانَ، وَتَسَلَّمْهُ مِنِّي مُتَقَبَّلًا. كُلُّ هٰذَا لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَخَافُونَ أَنْ يَكُونَ عَمَلُهُمْ مَرْدُودًا عَلَيْهِمْ، وَكَانُوا يَحْزَنُونَ عَلَىٰ فِرَاقِ رَمَضَانَ حُزْنًا شَدِيدًا، لِأَنَّهُمْ فَقَدُوا مَوْسِمًا عَظِيمًا مِنْ مَوَاسِمِ الطَّاعَةِ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَجْتَهِدُونَ فِي إِتْمَامِ العَمَلِ وَإِتْقَانِهِ ثُمَّ يَهْتَمُّونَ بَعْدَ ذٰلِكَ بِقَبُولِهِ، وَيَخَافُونَ رَدَّهُ. رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كُونُوا لِقَبُولِ العَمَلِ أَشَدَّ اهْتِمَامًا مِنْكُمْ بِالعَمَلِ، أَلَمْ تَسْمَعُوا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: “إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ” المائدة: 27. وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ هٰذِهِ الآيَةِ: “وَالَّذِينَ يُوتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ” المؤمنون: 60، قَالَتْ عَائِشَةُ: أَهُمُ الَّذِينَ يَشْرَبُونَ الخَمْرَ وَيَسْرِقُونَ؟ قَالَ: “لَا يَا بِنْتَ الصِّدِّيقِ، وَلٰكِنَّهُمُ الَّذِينَ يَصُومُونَ وَيُصَلُّونَ وَيَتَصَدَّقُونَ وَهُمْ يَخَافُونَ أَلَّا تُقْبَلَ مِنْهُمْ، أُولٰئِكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ” رواه الترمذي. فَكَانُوا يَرْبِطُونَ بَيْنَ العَمَلِ وَالقَبُولِ وَالخَوْفِ مِنْ رَدِّ الطَّاعَةِ، حَتَّىٰ يَكُونَ العَمَلُ نَافِعًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ. أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ: وَمِنْ أَهَمِّ الأَسْئِلَةِ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ يَسْأَلَهَا الإِنْسَانُ بَعْدَ رَمَضَانَ لِنَفْسِهِ: هَلْ قُبِلَ مِنِّي رَمَضَانُ أَمْ لَا؟ لِأَنَّ العِبْرَةَ لَيْسَتْ فِي الصِّيَامِ فَقَطْ، وَلٰكِنْ فِي أَنْ يُقْبَلَ صِيَامُكَ، أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ، اعْلَمُوا أَنَّ رَمَضَانَ قَدْ رَحَلَ، وَلٰكِنَّ رَبَّ رَمَضَانَ بَاقٍ لَا يَزُولُ، وَأَنَّ مَوَاسِمَ الطَّاعَةِ لَا تَنْتَهِي بِانْتِهَاءِ شَهْرٍ، وَإِنَّمَا تَنْتَهِي بِانْتِهَاءِ العُمُرِ، فَالسَّعِيدُ مَنْ خَرَجَ مِنْ رَمَضَانَ وَقَدْ تَغَيَّرَ حَالُهُ، وَاسْتَقَامَتْ صَلَاتُهُ، وَصَلُحَ قَلْبُهُ، وَاسْتَمَرَّ عَلَى الطَّاعَةِ بَعْدَ رَمَضَانَ، لِأَنَّ العِبْرَةَ لَيْسَتْ بِكَثْرَةِ العَمَلِ فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ، وَلٰكِنَّ العِبْرَةَ بِالثَّبَاتِ وَالِاسْتِقَامَةِ حَتَّىٰ نَلْقَى اللَّهَ تَعَالَى. اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنَّا صِيَامَ رَمَضَانَ وَقِيَامَهُ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنَ المَقْبُولِينَ وَلَا تَجْعَلْنَا مِنَ المَحْرُومِينَ، اللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَىٰ ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ، اللَّهُمَّ ثَبِّتْنَا عَلَىٰ طَاعَتِكَ بَعْدَ رَمَضَانَ، وَلَا تَجْعَلْنَا مِمَّنْ عَرَفُوكَ فِي رَمَضَانَ ثُمَّ نَسُوكَ بَعْدَهُ، اللَّهُمَّ اجْعَلْ خَيْرَ أَعْمَالِنَا خَوَاتِيمَهَا، وَخَيْرَ أَيَّامِنَا يَوْمَ نَلْقَاكَ.
الجزء الثاني والأخير من خطبة الجمعة من جامع الجزائر