بين القوة على الأرض واللغة في مجلس الأمن

لغة الردع.. “الإعراب عن القلق”!!

لغة الردع.. “الإعراب عن القلق”!!
  • من الردع إلى البيانات: كيف تغيّرت لغة التعامل مع الأزمات؟

بعد اختطاف رئيس دولة من داخل أراضيها عقب عملية عسكرية، لم يحتج مجلس الأمن طويلا لصياغة ردّه الرسمي. الجهة التي أُنشئت لضبط منطق القوة اختارت لغتها الأكثر حضورا في الأزمات الكبرى: الإعراب عن القلق. وبين فعل يغيّر واقع دولة، وبيان يصف الانشغال، تتجدد مفارقة دور مجلس يُفترض أن لا تعلو فوقه قوة.

شهدت فنزويلا، في الأيام الأخيرة، تطورا غير مسبوق تمثل في عملية عسكرية أمريكية نُفذت على أراضيها، انتهت باختطاف الرئيس الفنزويلي ونقله خارج البلاد. الحدث، الذي شكّل تصعيدا نوعيا في التعامل مع الأزمة الفنزويلية، نقل الملف سريعا من مستواه الإقليمي إلى واجهة الاهتمام الدولي، نظرا لطبيعته وتداعياته السياسية والقانونية، وما يحمله من أبعاد تتجاوز حدود الدولة المعنية. وعقب هذه التطورات، بادرت عدة أطراف دولية إلى المطالبة بعقد جلسة طارئة لمجلس الأمن الدولي، باعتباره الهيئة المخوّلة بالنظر في القضايا التي تمس السلم والأمن الدوليين. وقد عُقدت الجلسة في مقر الأمم المتحدة بنيويورك، وسط ترقّب واسع لموقف المجلس من واقعة تمس سيادة دولة عضو في المنظمة، وتطرح تساؤلات حول حدود استخدام القوة في العلاقات الدولية. وخلال الجلسة، أُلقيت كلمة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش نيابة عنه، حيث عبّر عن “قلق بالغ” إزاء ما وصفه بتداعيات الأحداث الأخيرة في فنزويلا، محذرا من احتمال تفاقم عدم الاستقرار في البلاد وانعكاس ذلك على المنطقة، فضلا عن تأثيره على كيفية إدارة العلاقات بين الدول. كما شدد على ضرورة احترام ميثاق الأمم المتحدة، ومبادئ السيادة والاستقلال السياسي والسلامة الإقليمية. هذا الموقف الأممي، الذي جاء بصيغة تحذيرية عامة، شكّل الإطار الرسمي الأول لتعاطي مجلس الأمن مع التطورات، مكتفيا بتسجيل القلق والدعوة إلى الالتزام بالقانون الدولي. وبينما ظلّت تفاصيل المرحلة المقبلة غامضة، بدا واضحا أن لغة المجلس عكست مقاربة حذرة، تضع توصيف الحدث في صدارة الخطاب، دون الانتقال إلى إجراءات أو مواقف تتجاوز هذا السقف في هذه المرحلة.

 

من الردع إلى القلق… تحوّل لغة مجلس الأمن

على امتداد عقود، ارتبط اسم مجلس الأمن الدولي بوظيفة أساسية تتمثل في ضبط استخدام القوة ومنع فرض الوقائع بالقوة العسكرية، مستندا إلى صلاحيات واسعة تتيح له إصدار قرارات ملزمة وفرض إجراءات رادعة. غير أن تطور طبيعة الأزمات الدولية وتداخل الحسابات الجيوسياسية بين القوى الكبرى أدّيا تدريجيا إلى تحوّل في لغة المجلس، حيث بات الخطاب التحذيري العام يتقدّم على أدوات الردع المباشر، خاصة في القضايا التي تتقاطع فيها مصالح أطراف نافذة داخل المجلس نفسه. هذا التحوّل ظهر بوضوح في طريقة التعاطي مع أحداث فنزويلا، إذ انتقل المجلس سريعا إلى اعتماد لغة “الإعراب عن القلق” بوصفها الصيغة الأكثر توازنا بين تسجيل الموقف وتفادي الاصطدام السياسي. فبدل الانتقال إلى نقاش آليات المساءلة أو البحث في تدابير عملية، جرى الاكتفاء بتوصيف التداعيات المحتملة والدعوة إلى احترام المبادئ العامة، في مقاربة تعكس حدود ما يمكن للمجلس فعله عندما تكون الوقائع على الأرض قد فُرضت بالفعل. ومع تكرار هذا النمط في ملفات متعددة، بات “القلق” يشكّل مخرجا لغويا جاهزا يسمح للمجلس بالحفاظ على حضوره الرمزي دون الدخول في مسارات تصعيدية معقّدة. هذا التحوّل لا يعني غياب دور المجلس، بقدر ما يعكس انتقاله من موقع الردع المسبق إلى موقع التفاعل اللاحق مع الأزمات، حيث تُسجَّل الوقائع وتُوصَف آثارها، بينما تُترك معادلات القوة تحسم اتجاه الأحداث خارج قاعة المجلس.

 

عندما تسبق القوة القانون

وتكشف التطورات الأخيرة في فنزويلا عن نمط متكرر في إدارة الأزمات الدولية، حيث تفرض القوة واقعا جديدا قبل أن يجد القانون الدولي طريقه إلى النقاش المؤسسي. ففي لحظة تنفيذ العملية العسكرية واختطاف رئيس دولة، كانت الوقائع قد استقرّت على الأرض، بينما انتقل المسار القانوني لاحقا إلى قاعات النقاش والبيانات. هذا التسلسل الزمني يعكس خللا بنيويا في العلاقة بين الفعل العسكري والمرجعيات القانونية، إذ يصبح القانون في موقع الملاحِق لا الرادع. في هذا السياق، يبرز دور الأمم المتحدة بوصفها الإطار الذي يُفترض أن يُحتكم إليه لضبط استخدام القوة، غير أن آلياتها العملية كثيرا ما تصطدم بتوازنات سياسية تجعل التدخل القانوني مؤجلا أو محدود الأثر. فحين تتقدّم الحسابات الاستراتيجية للدول المؤثرة، تُختزل القواعد القانونية في مبادئ عامة تُستحضر في الخطاب، دون أن تُترجم بالضرورة إلى إجراءات تُعيد الأمور إلى نصابها. ومع تكرار هذا المشهد، تتعزز فكرة أن القوة باتت تختبر حدود القانون، لا العكس. فبدل أن يشكّل القانون الدولي إطارا مانعا للتصرفات الأحادية، أصبح في حالات عديدة أداة توصيف لاحقة لما حدث بالفعل. هذه المفارقة تطرح تساؤلات أوسع حول قدرة المنظومة الدولية على فرض قواعدها في عالم تتقدّم فيه الوقائع الميدانية بسرعة تفوق إيقاع القرار القانوني، ما يجعل الشرعية في موقع دفاع دائم أمام منطق الفعل الأحادي.

 

القلق كبديل عن القرار

ومع تصاعد الأزمات وتعقّد موازين القوى داخل مجلس الأمن الدولي، برز “الإعراب عن القلق” بوصفه صيغة جاهزة تحضر كلما تعذّر التوافق على قرار ملزم. هذا المصطلح، الذي يُفترض أن يكون تمهيدا لإجراءات لاحقة، تحوّل مع الوقت إلى نهاية المسار لا بدايته، حيث يُستعمل لتسجيل موقف عام دون الالتزام بخطوات عملية قد تثير خلافات داخل المجلس. التمييز هنا ضروري بين القلق بوصفه توصيفا سياسيا، وبين القرار كأداة تنفيذية. فالأول يعبّر عن انشغال أو تحفّظ، بينما الثاني يُنتج أثرا ملموسا على الأرض. غير أن الفجوة بينهما اتسعت في السنوات الأخيرة، إذ بات القلق يحلّ محل القرار في ملفات حساسة، ما يمنح المجلس هامش خروج دبلوماسيا، لكنه يترك الوقائع الميدانية دون معالجة فعلية. ومع تكرار هذا النمط، أصبح القلق جزءا من آلية إدارة الأزمات نفسها. فهو يسمح بالحفاظ على وحدة شكلية داخل المجلس، ويجنّب أعضاؤه صدامات سياسية مباشرة، لكنه في المقابل يرسّخ انطباعا بأن القرارات الكبرى تُؤجَّل أو تُفرَّغ من مضمونها. وهكذا، يتحوّل القلق من أداة إنذار إلى بديل مؤقت —وربما دائم— عن القرار، في عالم تتسارع فيه الأحداث بوتيرة تتجاوز قدرة اللغة على اللحاق بها.

 

فنزويلا ليست استثناء

ولا تبدو فنزويلا حالة معزولة في طريقة تعاطي مجلس الأمن الدولي مع الأزمات ذات الطابع الصدامي، بل تندرج ضمن سلسلة ملفات شهدت المنحى ذاته، حيث يتقدّم الفعل الميداني وتأتي المؤسسة الدولية لاحقا بلغة توصيفية عامة. هذا النمط تكرّر في أزمات مختلفة خلال السنوات الأخيرة، ما عزّز الانطباع بأن المجلس بات يتعامل مع الوقائع بوصفها أحداثا مكتملة، لا مسارات يمكن التأثير فيها مسبقًا. في هذه الحالات، تتشابه اللغة الأممية حتى مع اختلاف السياقات الجغرافية والسياسية، إذ يحضر القلق، والتحذير من التداعيات، والدعوة إلى احترام القانون الدولي، دون أن يصاحب ذلك تحرّك عملي قادر على تعديل ميزان الوقائع. هذا التكرار جعل الخطاب الأممي مألوفا إلى حد فقدانه عنصر المفاجأة، وأضفى على ردود الفعل طابعا نمطيا يوحي بأن الأدوات المستخدمة واحدة مهما اختلفت طبيعة الأزمة. ومن هذا المنظور، تكشف فنزويلا عن خلل أعمق يتجاوز الحدث نفسه، ويتمثل في تحوّل إدارة الأزمات إلى مسار متوقّع النتائج. فحين يدرك الفاعلون أن أقصى ما يمكن أن يصدر عن المجلس هو بيان قلق، تتقلّص قوة الردع المسبقة، ويتحوّل الاستثناء إلى قاعدة. وهكذا، لا تطرح فنزويلا سؤالا حول وضعها الخاص فقط، بل تعيد فتح النقاش حول قدرة النظام الدولي على كسر هذا النمط، واستعادة دور يتجاوز توصيف الأزمات إلى التأثير الفعلي في مساراتها.

 

نظام دولي يُدار باللغة لا بالأدوات

وفي ظل هذا المسار المتكرر، يبرز تساؤل جوهري حول طبيعة النظام الدولي الراهن: هل ما يزال نظاما قائما على الأدوات التنفيذية، أم أنه تحوّل تدريجيا إلى نظام يُدار باللغة والبيانات؟ فالفجوة بين الصلاحيات النظرية المتاحة لمؤسسات القرار الدولي، وبين ما يُمارس فعليا على الأرض، باتت أكثر وضوحا مع كل أزمة جديدة، حيث تتراكم النصوص والتصريحات دون أن توازيها خطوات ملموسة. هذا التحول لا يعكس فقط تعقيد موازين القوى، بل يكشف أيضا عن ميل متزايد إلى إدارة الأزمات عبر احتواء لغوي بدل احتواء عملي. فحين تُستبدل الأدوات التنفيذية بمفردات محسوبة، تصبح اللغة وسيلة لتخفيف حدّة الصدام السياسي، لكنها في الوقت ذاته تُفرغ آليات الردع من مضمونها. وبهذا الشكل، تتحوّل البيانات إلى غاية في حد ذاتها، لا مقدمة لمسار فعلي قادر على تغيير الوقائع. ومع استمرار هذا النهج، يتعزز الانطباع بأن النظام الدولي بات يفضّل الاستقرار الشكلي على الحسم، والتوازن الخطابي على الفعل المؤثر. هذا الخيار، وإن كان يجنّب المواجهات المباشرة داخل المؤسسات الدولية، إلا أنه يترك فراغا عمليا تملؤه القوى القادرة على فرض أمر واقع. وهكذا، يصبح السؤال المطروح ليس فقط عن فعالية الأدوات المتاحة، بل عن الإرادة في استخدامها، في عالم تُدار فيه الصراعات بالكلمات، بينما تُحسم نتائجها خارج قاعات القرار. تكشف أحداث فنزويلا، وما رافقها من ردود فعل أممية، عن لحظة كاشفة في مسار النظام الدولي، حيث بات الفارق صارخا بين جسامة الأفعال وحدود اللغة المستخدمة في توصيفها. فحين يُختطف رئيس دولة عقب عملية عسكرية، ويُحال الملف إلى أعلى هيئة دولية معنية بحفظ السلم والأمن، ثم يُختزل الموقف في “الإعراب عن القلق”، فإن ذلك لا يعكس فقط حذرا دبلوماسيا، بل يسلّط الضوء على تراجع فعلي لقدرة المؤسسات الدولية على فرض قواعدها في وجه منطق القوة. هذا التحول لا يمكن قراءته بوصفه عجزا تقنيا أو ظرفيا، بل كنتاج توازنات دولية معقدة جعلت القرار الأممي رهينة حسابات سياسية تتجاوز النصوص والمواثيق. ففي عالم تتقدّم فيه الوقائع الميدانية بسرعة، يبدو أن المؤسسات الدولية باتت تلاحق الأحداث بدل أن تسبقها، وتُدير الأزمات بلغة تحافظ على الحد الأدنى من الإجماع، حتى وإن جاء ذلك على حساب الفعل المؤثر. ومع كل أزمة جديدة، تتكرّس هذه المعادلة، ويتراجع منسوب الردع المسبق لصالح إدارة لاحقة للنتائج.

وأمام هذا الواقع، لا يطرح ملف فنزويلا سؤالا حول دولة بعينها فقط، بل يفتح نقاشا أوسع حول مستقبل النظام الدولي نفسه، ودور مجلس الأمن في مرحلة تتزايد فيها الاختبارات الصعبة. فإما أن تستعيد المؤسسات الدولية قدرتها على تحويل اللغة إلى أداة فعل، أو يترسخ نمط يُدار فيه العالم بالبيانات، بينما تُحسم مصائره بمنطق القوة خارج الأطر التي وُجدت أصلبين القوة على الأرض واللغة في القاعة لضبطها.