-
الجزائر وفلسطين.. التزام تاريخي وموقف لا يتغير
تحل ذكرى ليلة الإسراء والمعراج كموعد إيماني سنوي، تتجدد فيه المعاني الروحية والقيم الإنسانية التي تحملها هذه الحادثة العظيمة في تاريخ الأمة الإسلامية، فهي ليلة اختصها الله عز وجل بمعجزة خالدة، أسرى فيها بنبينا محمد صلوات الله عليه من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم عرج به إلى السماوات العلا، في رسالة ربانية عظيمة وعميقة تؤكد مكانة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وتكرس قدسية الزمان والمكان، وتربط بين العقيدة والسلوك وبين الأمان والمسؤولية.
وقعت حادثة الإسراء والمعراج في ظرف استثنائي من مسيرة الدعوة الإسلامية والنبوية، عقب ما عرف بعام الحزن، حيث اشتدت المحن على المسلمين، وتكاثرت الصعوبات عليهم، وبلغ أذى المشركين لهم ذروته، فجاء هذا التكريم الإلهي بعثا للأمل في نفوس المؤمنين وتثبيتا للرسول صلى الله عليه وسلم، ودليلا واضحا على أن بعد الشدة يأتي الفرج، وأن طريق الحق وإن طال فإن نهاية النصر.
المسجد الأقصى.. رمز الهوية الدينية للأمة الإسلامية
يحتل المسجد الأقصى المبارك موقع القلب في معجزة حادثة الإسراء والمعراج العظيمة، باعتباره محطة الإسراء، وأحد أقدس المعالم الدينية في الإسلام، فالمسجد الأقصى ليس مجرد معلم تاريخي، بل هو رمز ديني وحضاري، وهو أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، ومهد الرسالات السماوية، ومن هنا فإن ارتباط المسلمين به ارتباط عقائد يتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة، ليصبح جزءا من الهوية الدينية والوجدانية للأمة العربية والإسلامية.
قضية الأمة لا قضية شعب واحد
تكتسب القضية الفلسطينية، بعدا متجددا في كل مرة تحل فيها ذكرى حادثة الإسراء والمعراج، خاصة في ظل ما يشهده الشعب الفلسطيني من معاناة يومية، وانتهاكات متواصلة، واعتداءات تطال الإنسان والأرض والمقدسات، فاقدس بما يحمله من رمزية دينية وتاريخية، ليست قضية شعب واحد فحسب بل قضية أمة بأكملها، واختبار حقيقي لمدى التزامها بقيم العدل ونصرة المظلوم.
صبر الشعوب مفتاح الخلاص
ما زال الشعب الفلسطيني يعاني من ويلات الحصار وبطش المحتل الإسرائيلي، الذي “تفنن” في تجويع الفلسطينيين وتهجيرهم، ومن المحاولات المستمرة لطمس الهوية وتهويد المقدسات الإسلامية، وهو ما يتناقض بشكل صارخ مع المبادئ الإنسانية والقوانين الدولية ويضع المجتمع الدولي أمام مسؤوليات أخلاقية وقانونية جسيمة، غير أن هذه المآسي تعيد إلى الأذهان الدروس المستخلصة من معجزة الإسراء والمعراج، وفي مقدمتها أن الظلم لا يدوم، وأن صبر الشعوب هو مفتاح خلاصها، وأن العدالة قد تتأخر ولكنها لا تغيب.
مناسبة لنصرة القضية العادلة
تشكل ذكرى حادثة الإسراء والمعراج، فرصة لتعزيز الوعي الجماعي، خاصة لدى الأجيال الصاعدة، بأهمية القيم التي يحملها هذا الحدث العظيم، وعلى رأسها الصبر، والثبات والتضامن وتحمل المسؤولية، فإحياء هذه الذكرى لا ينبغي أن يقتصر على الطقوس والاحتفالات، بل يجب أن يكون مناسبة لنصرة القضايا العادلة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية عبر التربية والإعلام، والعمل الجمعوي ونشر الوعي بتاريخ القدس ومكانتها.
الجزائر مع فلسطين.. الموقف الثابت للحكومة والشعب
وفي هذا الإطار يبرز الموقف الجزائري شعبا ودولة الداعم الثابت للقضية الفلسطينية، انطلاقا من تجربة الجزائر التاريخية المريرة مع المستعمر الفرنسي، ومن الإيمان العميق بعدالة القضايا التحررية، ولهذا ظل الجزائريون جيلا بعد جيل يعتبرون القضية الفلسطينية قضية وطنية، وهو موقف تجسد في الذاكرة الشعبية الجزائرية، وفي الخطاب الثقافي والديني، والمبادرات التضامنية التي لم تنقطع وفي المواقف الداعمة عبر مختلف النقاشات العالمية. كما لعبت المؤسسات الدينية والتربوية والإعلامية في الجزائر دورا هاما في إبقاء القضية الفلسطينية حاضرة في الوعي المجتمعي، خاصة في المناسبات الدينية الكبرى، ومنها ليلة الإسراء والمعراج، حيث يتم التذكير بقدسية المسجد الأقصى، وبضرورة حمايته والدفاع عنه بكل الوسائل المشروعة والمتاحة. وتعد الجزائر من أكثر الدول العربية والاسلامية التي حافظت على موقف ثابت وداعم للقضية الفلسطينية منذ انطلاقتها، معتبرة فلسطين قضية مركزية تتجاوز حدود السياسة لتصبح واجبا أخلاقيا وتاريخيا على الأمة بأسرها، وقد جسدت الجزائر هذا الموقف عبر عقود من التضامن السياسي، الدبلوماسي والثقافي، وصولا إلا الدعم الإنساني للشعب الفلسطيني. ولم يقتصر دعم الجزائر للقضية الفلسطينية على المستوى الرسمي فحسب بل شمل أيضا الموقف الشعبي والثقافي، فقد شهدت الساحة الجزائرية عبر مختلف العقود حملات تضامن واسعة مع الفلسطينيين تهدف إلى إبقاء القضية الفلسطينية حية في وجدان الجزائريين.
مسرى الرسول “ص” جوهر القضية الفلسطينية
إن ربط حادثة الإسراء والمعراج بالقضية الفلسطينية ليس عاطفيا أو ظرفيا، بل هو ارتباط أصيل وعريق تؤكده النصوص الدينية والوقائع التاريخية، فالمسجد الأقصى الذي باركه الله في كتابه العزيز، مازال اليوم ينتظر وعي الأمة واستفاقتها، وهو بحاجة إلى تكاتف شعوبها، ودعم أحرار العالم ، حيث تتواصل معاناة الشعب الفلسطيني تحت وطأة الاحتلال الظالم الذي يفرض حصارا خانقا، ويكرس واقعا يوميا من القمع والتضييق، حيث تتعرض المدن والقرى الفلسطينية لاعتداءات متكررة تطال المدنيين وتخلف خسائر بشرية ومادية جسيمة، في ظل تدهور الاوضاع الانسانية والاجتماعية، كما يشهد الفلسطينيون انتهاكات ممنهجة لحقوقهم، من تهجير قسري وهدم للمنازل وتضييق على سبل العيش فضلا عن الاعتداءات المتواصلة على المقدسات الدينية وفي مقدمتها مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم، كل هذه الأوضاع لا تمثل أزمة إنسانية فقط، بل تعكس ظلما تاريخيا مستمرا، ويجعل من القضية الفلسطينية نموذجا صارخا لمعاناة شعب وخذلان أمة.
ل. ب










