الحمدُ للهِ وَكَفَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ المصطفَى، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ صَلَاةً وَسَلَاماً دَائِمَيْنِ مُتَلَازِمَيْنِ إِلَى يَوْمِ الدينِ. أمَّا بَعْدُ، مَعَاشِرَ المؤمنينَ وَالمؤمناتِ: لِحِمَايَةِ حِيَاضِ الأُمَّةِ وَحِفْظِ أَعْرَاضِهَا، يَجَبُ عَلَيْنَا اِلْتِزَامُ هَذَا المسارِ القرآنيِّ العمليِّ:
إِمَاتَةُ الباطلِ بالسكوتِ: الإشاعةُ كالنارِ، يَنْطَفِئُ لَهِيبُهَا إِذَا لَمْ تَجِدْ حَطَباً (نَاقِلاً) يَنْشُرُهَا، فَكُنْ مَقْبَرَةً لِلإشاعةِ وَلَا تَكُنْ مِنْبَراً لَهَا.
رَدُّ الأمرِ لِأَهْلِهِ: تَمَثَّلُوا القاعدةَ القرآنيةَ: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعلمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: 83]. فالمسائلُ الأمنيةُ والدينيةُ الكبْرَى مَحَلُّهَا المُؤَسَّسَاتُ المؤهّلة والعلماءُ الراسخونَ، وَلَيْسَتْ مَجَالاً لِلتَّكَهُّنِ العَامِّ.
التَّصْفِيَةُ الأخلاقيةُ وَالتّقْنِيَّةُ: تَجَنَّبْ نَشْرَ الأخبارِ التي تَبُثُّ الرُّعْبَ واليأْسَ فِي قُلُوبِ الناسِ، خَاصَّةً فِي أَوْقَاتِ الأزماتِ، وَرُدَّ الأمرَ دَوْماً لِأُولِي الأمرِ وَالخُبَرَاءِ. كما قد سبق، قَبْلَ نَشْرِ أَيِّ مَنْشُورٍ أَوْ حَدِيثٍ؛ سَلْ نَفْسَكَ: هَلْ مَصْدَرُهُ مَوْثُوقٌ؟ هَلْ هُوَ صِدْقٌ؟ هَلْ نَشْرُهُ يَبْنِي أَمْ يَهْدِمُ؟ فالمسلمُ كَيِّسٌ فَطِنٌ حَذِرٌ كَمَا وَرَدَ فِي الأثرِ.
حِمَايَةُ الجنابِ العلميِّ والمؤسسيِّ: كُونُوا لِعُلَمَاءِ الأُمَّةِ وَمُؤَسَّسَاتِهَا حِصْناً دُونَهُ مَهَالِكُ الزَّللِ؛ فَهُمْ وَرَثَةُ النبوةِ وَأَمَانَةُ اللهِ فِي أَرْضِهِ. وَتَيَقَّنُوا أَنَّ مَنْ صَمَتَ عَنْ ثَلْبِ المرجعيَّاتِ اليَوْمَ، فَقَدْ حَكَمَ عَلَى هُوِيَّتِهِ بالضَّيَاعِ غَداً؛ إِذْ لَا عِزَّ لِأُمَّةٍ اِسْتَبَاحَتْ عِرْضَ كِبَارِهَا، وَلَا بَقَاءَ لِجِيلٍ قَطَعَ حِبَالَ مَرْجِعِيَّتِهِ بِيَدِهِ، وَيَتْرُكُ الأجيالَ نَهْباً لِلفوضَى العَقَائِدِيَّةِ، فَلَا نَجَاةَ لِمَنْ هَدَمَ منارةَ اِهْتِدَائِهِ. إِخْوَةَ الإيمانِ والإسلامِ:إِنَّ الإشاعةَ تَبْدَأُ بِكِذْبَةٍ مِنْ حَاقِدٍ، وَيَحْمِلُهَا جَاهِلٌ، وَيُصَدِّقُهَا مُغَفَّلٌ؛ فَبِاَلتَّبَيُّنِ نَحْفَظُ الأمنَ، وبالسكوتِ عَنِ الباطلِ نُمِيتُهُ وَنَكْسِرُهُ، وَبِحِفْظِ مَكَانَةِ العلماءِ والمؤسساتِ نَصُونُ الدينَ وَنَحْفَظُ الوطنَ. اللهم لك الحمدُ حتى ترضى، ولك الحمدُ إذا رضيتَ، ولك الحمدُ بعد الرضا. اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على نبيِّنا محمدٍ، صاحبِ الوجهِ الأنورِ، والجبينِ الأزهرِ، وعلى آلِه وصحبِه الطيبينَ الطاهرينَ. اللهم يا حفيظُ احفظْ علينا ألسنتَنا من الزللِ، وقلوبَنا من الغلِّ، وجوارحَنا من الخللِ. اللهم طهّرْ ألسنتَنا من الكذبِ والغيبةِ، ونزّهْ أسماعَنا عن الخوضِ في الباطلِ والرِّيبةِ. اللهم إنّا نعوذُ بك من فتنِ القولِ، وزيغِ العملِ. اللهم اجعلنا مِمّن إذا سَمعوا القولَ اتبعوا أحسنَه، ولا تجعلنا مِمّن تلقّفوا لغو القول بألسنتِهم، وحَسبوه هيناً وهو عندَكَ عظيم.
الجزء الثاني والأخير من خطبة الجمعة من جامع الجزائر