-
رؤساء ودبلوماسيون في مرمى الاستهداف.. أين الخطوط الحمراء؟
-
من طهران إلى الدوحة وكاراكاس.. وقائع تتحدى الأعراف الدبلوماسية
أثار اغتيال المرشد الأعلى في إيران، آية الله علي خامنئي، إلى جانب شخصيات سياسية وقيادية بارزة، في أعقاب التصعيد العسكري الأخير في الشرق الأوسط، موجة صدمة دولية، لطبيعة الاستهداف الذي طال قمة هرم السلطة داخل دولة ذات سيادة.
غير أن هذه العملية لم تبدُ حادثة معزولة، إذ جاءت في سياق سلسلة وقائع مشابهة خلال العامين الأخيرين، ما أعاد طرح سؤال جوهري حول مستقبل الحصانة السيادية والدبلوماسية في النظام الدولي.
شكل الإعلان عن مقتل المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي وعدد من الشخصيات السياسية والقيادية البارزة في طهران لحظة مفصلية في مسار الصراع الإقليمي، إذ انتقلت المواجهة من استهداف منشآت وبنى تحتية إلى ضرب رأس الهرم السياسي والدبلوماسي للدولة. العملية، التي نُفذت في سياق ضربات جوية واسعة، جاءت كاستهداف مباشر للقيادة السيادية العليا، ما منحها بعدا غير مسبوق من حيث الرمزية والتداعيات السياسية.
ووفق المعطيات المتداولة، جاءت العملية ضمن هجوم مركّز استهدف مواقع حساسة في العاصمة، وسط حديث عن استخدام قدرات استخباراتية وتقنيات دقيقة لتحديد الأهداف. وبغض النظر عن تفاصيل التنفيذ، فإن الدلالة الأبرز تمثلت في تجاوز الخطوط الحمراء المرتبطة بحصانة رأس الدولة والرموز السياسية والدبلوماسية، وهو ما جعل الحدث يتجاوز كونه عملية عسكرية إلى كونه تحولا نوعيا في قواعد الاشتباك السياسي.
2025.. اغتيال قيادات فلسطينية أمام العالم
وإذا كان ما جرى في طهران قد شكّل صدمة بحجمه ورمزيته، فإن العام 2025 كان بدوره مسرحا لعمليات استهداف طالت قيادات فلسطينية بارزة في قلب مناطق نزاع مفتوحة، وفي بعض الحالات خارجها، وسط تغطية إعلامية عالمية مباشرة. فقد اغتيل عدد من الشخصيات السياسية والعسكرية الفلسطينية خلال عمليات قصف دقيقة أو استهدافات جوية في قطاع غزة ولبنان، في سياق الحرب الدائرة، ما أعاد إلى الواجهة سياسة “الاغتيالات المركّزة” كأداة معلنة لإدارة الصراع. من بين الأسماء التي تم الإعلان عن مقتلها خلال تلك العمليات قادة وشخصيات سياسية معروفة كانت تشارك في إدارة الملف العسكري والسياسي للحرب على غرار القيادي في حركة حماس محمد السنوار، ورئيس متابعة العمل الحكومي عصام الدعليس، ووكيل وزارة العدل في قطاع غزة المستشار أحمد الحتة، ووكيل وزارة الداخلية اللواء محمود أبو وطفة، والمدير العام لجهاز الأمن الداخلي اللواء بهجت أبو سلطان. بعض هذه الاستهدافات تم داخل مناطق سكنية مكتظة، وأخرى خلال تنقلات معلومة مسبقا، ما أثار جدلا واسعا حول قواعد الاشتباك واحترام القانون الإنساني الدولي، خصوصا مع سقوط ضحايا مدنيين في محيط تلك العمليات.
ورغم خطورة هذه التطورات، فإن ردود الفعل الدولية بدت محدودة التأثير، واقتصرت في أغلبها على بيانات تنديد أو دعوات عامة إلى “خفض التصعيد”، دون اتخاذ إجراءات عملية واضحة لوقف هذا النمط من الاستهدافات أو فتح تحقيقات دولية مستقلة. كما لم يصدر عن مجلس الأمن قرار ملزم يعيد رسم خطوط حمراء واضحة بشأن استهداف شخصيات سياسية خلال نزاعات قائمة.
الدوحة: قصف وفد مفاوض داخل دولة وسيطة
وإذا كانت استهدافات طهران وغزة قد جرت في سياق صراع عسكري مباشر، فإن حادثة قصف وفد فلسطيني يضم شخصيات رفيعة كانوا يشاركون في جولة مفاوضات سياسية في العاصمة القطرية الدوحة، حيث تعرض الوفد إلى قصف أثناء تنقلهم من مقر إقامتهم نحو مواقع الاجتماعات الرسمية، في حادثة وُصفت بأنها سابقة شديدة الحساسية، ليس فقط لطبيعة الهدف، بل لمكانه وزمانه.
الوفد المستهدف كان يضم شخصيات سياسية مكلفة بملف التفاوض، وبعضهم كان يحمل صفة رسمية واضحة ضمن عملية وساطة إقليمية. استهداف مفاوضين، في دولة لا تعد طرفا في النزاع، يطرح أسئلة قانونية معقدة تتجاوز منطق “الهدف العسكري المشروع”. فالمفاوض، بحكم صفته، يُفترض أن يتمتع بحماية خاصة، حتى في ظل النزاعات المسلحة، باعتباره جزءا من مسار يفترض أنه يسعى لاحتواء الحرب لا توسيعها. ردود الفعل على الحادثة بدت حذرة ومقتضبة، دون إعلان عن فتح تحقيق دولي أو تحديد مسؤوليات بشكل واضح. الدولة الوسيطة نفسها شددت على احترام سيادتها، لكنها لم تحصل على آلية دولية فورية لمساءلة الجهة المنفذة، ما عمّق الانطباع بأن قواعد الحصانة التفاوضية لم تعد تحظى بالحماية ذاتها التي كانت تتمتع بها سابقا. وبهذا المعنى، لم تعد المسألة تتعلق باستهداف قيادات عسكرية أو سياسية ضمن ساحات قتال، بل باتت تمتد إلى الفضاء الدبلوماسي نفسه. وهو تطور يعيد طرح سؤال جوهري: إذا لم يعد المفاوض في مأمن داخل دولة وسيطة، فأي مساحة تبقى للحلول السياسية؟ ومن هنا، يصبح الحديث عن السيادة الوطنية والحصانة الدبلوماسية أكثر إلحاحا.
كاراكاس: اختطاف رئيس دولة في عملية عابرة للحدود
وإذا كان استهداف قيادات سياسية في ساحات نزاع أو حتى داخل دول وسيطة قد أثار جدلا واسعا، فإن ما جرى في كاراكاس نقل النقاش إلى مستوى أكثر حساسية، عندما تم تنفيذ عملية اختطاف لرئيس دولة في سياق تحرك أمني عابر للحدود. العملية، التي جرت خارج إطار تفويض أممي معلن، أثارت تساؤلات حادة حول حدود الولاية القضائية للدول، وحول مدى احترام مبدأ السيادة الوطنية المنصوص عليه في القانون الدولي. تفاصيل العملية، وفق المعطيات المتداولة، تشير إلى تنسيق أمني عالي المستوى، دون صدور قرار من مجلس الأمن أو تفويض صريح من هيئة دولية مخولة. هذا الغياب للتفويض الأممي منح الحدث طابعا استثنائيا، خصوصا أن استهداف رئيس دولة يمسّ مباشرة بمفهوم الحصانة الشخصية الذي يتمتع به بحكم منصبه. القانون الدولي يمنح رؤساء الدول حصانة مطلقة تقريبا أثناء وجودهم في المنصب، باعتبارهم ممثلين لسيادة دولهم. لذلك، فإن تنفيذ عملية عابرة للحدود بحق رئيس دولة، دون إطار قانوني دولي جامع، يُنظر إليه على أنه اختبار مباشر لمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وهو أحد الأعمدة الأساسية للنظام الدولي منذ تأسيس الأمم المتحدة. وهكذا، ومع انتقال المشهد من طهران إلى غزة فالدوحة وصولا إلى كاراكاس، يتشكل خيط ناظم واضح: شخصيات سيادية، وفود تفاوض، ورؤساء دول باتوا أهدافا مباشرة في عمليات تتجاوز الحدود الجغرافية والسياسية. هذا التراكم يضع القانون الدولي نفسه أمام امتحان صعب، ويفتح الباب أمام سؤال أعمق: ماذا تبقى فعليا من قواعد الحصانة والسيادة في عالم تتقدم فيه القوة على النصوص؟
ماذا يقول القانون الدولي؟
بعد هذا المسار المتصاعد من طهران إلى غزة فالدوحة ثم كاراكاس، يصبح الرجوع إلى النصوص المؤسسة للنظام الدولي ضرورة لفهم حجم التحول. ينص ميثاق الأمم المتحدة في مادته الثانية على مبدأ المساواة في السيادة بين الدول، ويحظر في الفقرة الرابعة التهديد باستخدام القوة أو استعمالها ضد سلامة أراضي أي دولة أو استقلالها السياسي، مع استثناء وحيد يتمثل في حق الدفاع الشرعي المنصوص عليه في المادة 51، أو استخدام القوة بقرار من مجلس الأمن بموجب الفصل السابع. وفي السياق ذاته، تنص اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية لعام 1961 على حصانة الممثلين الدبلوماسيين، وضمان سلامتهم وحمايتهم من أي اعتداء. وتُعد هذه الحصانة من ركائز العمل الدبلوماسي الدولي، لأنها تتيح استمرار قنوات التفاوض حتى في أحلك الظروف. أما رؤساء الدول وكبار المسؤولين السياديين، فيتمتعون بحصانة شخصية كاملة أثناء توليهم مناصبهم، وفقا للأعراف الدولية المستقرة وأحكام محكمة العدل الدولية. هذه الحصانة لا تُعد امتيازا شخصيا، بل امتدادا لسيادة الدولة نفسها. ولذلك فإن اغتيال أو اعتقال رئيس دولة أو شخصية سيادية عليا خارج إطار قانوني دولي جامع يُفهم باعتباره مساسا مباشرا بمبدأ السيادة. لكن الفجوة بين النص والتطبيق تبدو اليوم أكثر وضوحا من أي وقت مضى. فبينما تبقى المواد القانونية قائمة على الورق، تتزايد الوقائع التي تتجاوزها في الممارسة، سواء عبر عمليات عسكرية دقيقة، أو ملاحقات عابرة للحدود، أو استهداف شخصيات رسمية خلال نزاعات قائمة. وهنا يبرز التحدي الحقيقي: هل ما نشهده هو خرق استثنائي لقواعد ما تزال قائمة، أم بداية تآكل تدريجي للنظام القانوني الذي حكم العلاقات الدولية لعقود؟
السؤال الكبير: أين الردع؟
تتجه الأنظار تلقائيا نحو آلية الردع الدولية المفترض أن تضبط مثل هذه التحولات. مجلس الأمن، بوصفه الجهة المخولة بحفظ السلم والأمن الدوليين، بدا منقسما إزاء هذه الأحداث، إذ لم تصدر عنه قرارات ملزمة أو لجان تحقيق مستقلة في بعض الحالات، بينما طغت الانقسامات السياسية وحق النقض على أي تحرك جماعي حاسم.
غياب العقوبات أو الإجراءات الرادعة في أعقاب استهداف شخصيات سيادية أو وفود تفاوضية أو تنفيذ عمليات عابرة للحدود عزز الانطباع بأن آلية المساءلة الدولية تمر بمرحلة شلل أو على الأقل تراجع في فعاليتها. وفي المقابل، تتباين ردود الفعل الدولية بحسب هوية الأطراف المتورطة، ما يثير جدلا واسعا حول ازدواجية المعايير في تطبيق القانون الدولي. كما أن غياب محاكمات دولية سريعة أو إحالات واضحة إلى الهيئات القضائية المختصة في بعض هذه الوقائع يطرح تساؤلا إضافيا: هل يتعلق الأمر بتعقيد قانوني وإثباتات تحتاج وقتا، أم بإرادة سياسية غائبة تحول دون تفعيل أدوات الردع؟ هذه الفجوة بين الحدث ورد الفعل تُبقي النظام الدولي في منطقة رمادية، حيث تتراكم الوقائع دون آلية حاسمة للمعالجة.
مرحلة إعادة تشكيل غير معلنة؟
بعد هذا المسار الممتد من اغتيال شخصيات سيادية وقيادية بارزة في طهران، إلى استهداف قيادات فلسطينية خلال حرب مفتوحة، ثم قصف وفد تفاوض داخل دولة وسيطة، واعتقال رئيس دولة في عملية عابرة للحدود، يتضح أن المشهد لم يعد مجرد سلسلة حوادث منفصلة. نحن أمام تحولات متراكمة تضرب في عمق مفاهيم كانت تُعد ثابتة في العلاقات الدولية، وعلى رأسها السيادة الوطنية والحصانة السياسية والدبلوماسية.
اللافت في هذا المسار ليس فقط خطورة كل حادثة على حدة، بل غياب آلية ردع دولية واضحة تعيد رسم الحدود. النصوص القانونية لا تزال قائمة، وميثاق الأمم المتحدة لم يتغير، واتفاقيات الحصانة ما تزال سارية، لكن التطبيق على الأرض يبدو أكثر هشاشة. هذا التباعد بين القاعدة القانونية والممارسة الفعلية يخلق حالة من الغموض الاستراتيجي، حيث تصبح القوة أداة حسم أسرع من القانون. ومع استمرار الانقسام داخل مجلس الأمن، وتفاوت ردود الفعل الدولية، يترسخ شعور بأن النظام الدولي يمر بمرحلة إعادة تشكيل غير معلنة. لم تعد السيادة مفهوما محصنا بالكامل، ولم تعد الحصانة السياسية والدبلوماسية خطا أحمر ثابتا كما في السابق، بل باتت خاضعة لموازين القوة والتحالفات والظروف السياسية.
مصطفى. ع