فترة حاسمة بين اختبار الالتزام الميداني وتحريك المسار الدبلوماسي..

ماذا تخفي “هدنة الأسبوعين” بين أمريكا وإيران؟

ماذا تخفي “هدنة الأسبوعين” بين أمريكا وإيران؟
  • ترقب دولي لمسار المفاوضات بين التهدئة والتصعيد

بعد سلسلة من “التصريحات” و”التغريدات” التي حملت في كل مرة “وعيد شديد” يعقبها إعلان عن مهلة اضافية، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في ساعات متأخرة من ليلة الأربعاء، التوصل إلى هدنة مؤقتة مع إيران تمتد أسبوعين، بعد أسابيع من المواجهات المتصاعدة والتهديدات المتبادلة.

وتشكل هذه المهلة إطارا زمنيا حاسما ستتحدد خلاله ملامح المرحلة المقبلة، حيث ستخضع ملفات أساسية مثل وقف العمليات والمرور في مضيق هرمز والتفاوضات على الضمانات للاختبار الفعلي، في انتظار ما ستسفر عنه من احتمالات الانتقال من التهدئة المؤقتة إلى اتفاق أوسع.

أعلن ترمب عن قرار تعليق العمليات العسكرية الأمريكية ضد إيران لمدة أسبوعين، في خطوة وُصفت بأنها محاولة لاحتواء التصعيد الذي وضع المنطقة على حافة انفجار واسع.

وجاء هذا التعليق مشروطا بإعادة فتح مضيق هرمز بشكل كامل وآمن وفوري أمام الملاحة الدولية، في وقت أشار فيه ترمب إلى أن الاتصالات مع القيادة الباكستانية ساهمت في اتخاذ هذا القرار. وتأتي الهدنة بعد نحو ستة أسابيع من المواجهات العسكرية التي شهدتها المنطقة، وأسفرت عن سقوط آلاف القتلى في عدة دول، بينهم عدد كبير من المدنيين داخل إيران. وقبيل الإعلان عن الاتفاق، صعّد ترمب من لهجته ملوّحا بتوجيه ضربات واسعة تستهدف البنية التحتية الإيرانية، بما في ذلك الجسور ومحطات الطاقة، في حال عدم الاستجابة لمطالبه، مما وضع المنطقة على حافة تصعيد غير مسبوق.

وصرح ترمب لوكالة الصحافة الفرنسية بأن اتفاق وقف إطلاق النار يمثل “نصرا كاملا وشاملا” لواشنطن، مؤكدا أن الولايات المتحدة ستعلق هجماتها على إيران لمدة أسبوعين، وستعيد طهران بدورها مؤقتا فتح مضيق هرمز. وفي حسابه على “تروث سوشال”، قال ترمب إن الولايات المتحدة “حققت جميع الأهداف العسكرية بل وتجاوزتها”، وأنها “على وشك التوصل إلى اتفاق نهائي بشأن السلام الطويل الأمد مع إيران”. وتعكس هذه الهدنة تحولا في مسار التصعيد، إذ انتقلت المنطقة من حالة من التهديدات المتبادلة والهجمات المتصاعدة إلى فترة محددة زمنيا للتفاوض والحوار. وتشير المهلة إلى أن الضغوط الدولية، لا سيما الاقتصادية، دفعت الأطراف نحو البحث عن حل دبلوماسي بدلا من الاستمرار في المواجهة العسكرية.

 

الممر الآمن في هرمز داخل قلب الهدنة

برز مضيق هرمز كعنصر محوري في الاتفاق، حيث أصبح فتح المضيق شرطا أساسيا لتعليق الهجمات الأمريكية. وأعلنت إيران عن السماح بالمرور الآمن عبر المضيق خلال فترة الأسبوعين، وذلك بالتنسيق مع القوات المسلحة الإيرانية مع مراعاة القيود الفنية.

وأوضح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في بيان رسمي أن القوات المسلحة الإيرانية ستوقف عملياتها الدفاعية فور توقف الهجمات على الأراضي الإيرانية.

ويمثل مضيق هرمز شريانا حيويا لأسواق الطاقة العالمية، إذ يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط والغاز. وقد أدى إغلاقه خلال التصعيد الأخير إلى اضطراب الأسواق وارتفاع الأسعار، إلى جانب تعاظم المخاوف من ركود اقتصادي عالمي. وفي هذا السياق، برز فتح المضيق بوصفه أولوية ملحّة بالنسبة للولايات المتحدة والمجتمع الدولي، نظراً لتأثيره المباشر في استقرار الاقتصاد العالمي.

وأشارت وسائل الإعلام الإيرانية إلى أن المقترح الإيراني يتضمن بروتوكولا للمرور الآمن عبر مضيق هرمز، مما يعني أن طهران ربطت التهدئة بضمانات واضحة بشأن حركة الملاحة. وهذا يشير إلى أن المضيق لم يعد مجرد ممر ملاحي بل تحول إلى ملف تفاوضي رئيسي سيخضع للاختبار الفعلي خلال المهلة المحددة.

وتتطلب عملية فتح المضيق بشكل آمن مستمرا مراقبة مكثفة من جانب القوات البحرية والعسكرية، مع ضمان عدم حدوث أي حادثة قد تؤدي إلى انهيار الاتفاق. وبذلك أصبح المضيق نقطة اختبار حقيقية لمدى جدية الأطراف في الالتزام ببنود الهدنة، وللتعاون الذي قد يتطور خلال فترة الأسبوعين.

 

المقترح الإيراني الذي فتح باب التهدئة

قدمت إيران مقترحا من عشر نقاط لإنهاء الحرب، وصفه ترمب بأنه “قابل للتنفيذ” و”أساس عملي للتفاوض”.

وأشار ترمب في بيانه على “تروث سوشال” إلى أنه “تم الاتفاق على جميع نقاط الخلاف السابقة تقريبا بين الولايات المتحدة وإيران”، مؤكدا أن فترة الأسبوعين ستتيح إتمام الاتفاق وتفعيله. وتتضمن بنود المقترح الإيراني، وفقا لما أوردته وكالة تسنيم الإيرانية، تعهدا من الولايات المتحدة من حيث المبدأ بضمان عدم الاعتداء على إيران. كما تشمل البنود استمرار سيطرة إيران على مضيق هرمز، والقبول بالتخصيب، ورفع جميع العقوبات الأولية والثانوية. وتتطلب البنود أيضا إنهاء جميع قرارات مجلس الأمن وقرارات مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بالإضافة إلى دفع تعويضات لإيران. وتشمل البنود الأخرى خروج القوات القتالية الأمريكية من المنطقة، ووقف الحرب على جميع الجبهات، بما في ذلك ضد المقاومة في لبنان. وبذلك يعكس المقترح الإيراني رؤية شاملة لتسوية الأزمة، لا تقتصر على وقف العمليات العسكرية بل تتناول قضايا أوسع تتعلق بالعقوبات والضمانات والتعويضات. وأوضح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن إيران استجابت لطلب رئيس وزراء باكستان شهباز شريف، وبالنظر إلى المقترحات المقدمة من الولايات المتحدة وإعلان الرئيس ترمب قبول الإطار العام للمقترح الإيراني، فإن القوات المسلحة الإيرانية ستوقف عملياتها الدفاعية فور توقف الهجمات على الأراضي الإيرانية. وهذا يعني أن الهدنة لا تنفصل عن المقترح الإيراني، بل تشكل الخطوة الأولى نحو تنفيذ بنوده.

 

ما الذي ستبحثه المفاوضات خلال هذه الفترة؟

حددت مهلة الأسبوعين إطارا زمنيا محددا للمفاوضات التي ستركز على ملفات متعددة ومعقدة.

وفي مقدمة هذه الملفات تأتي مسألة الضمانات الدولية التي ستضمن عدم عودة الأطراف إلى التصعيد، بالإضافة إلى آليات التحقق من الالتزام ببنود الاتفاق. وستشكل مسألة العقوبات محورا أساسيا في المفاوضات، حيث يتطلب الموقف الإيراني رفع جميع العقوبات الأولية والثانوية التي فرضتها الولايات المتحدة على إيران. وفي هذا السياق، ستحتاج المفاوضات إلى تحديد آليات واضحة لرفع هذه العقوبات بشكل تدريجي أو فوري، وضمانات بعدم فرض عقوبات جديدة في المستقبل. وستناقش المفاوضات أيضا ملف إعادة بناء البنية التحتية المتضررة في إيران نتيجة الهجمات الأمريكية والإسرائيلية، وكذلك مسألة التعويضات التي طالبت بها طهران. وتتطلب هذه الملفات، تقييما دقيقا للأضرار وتحديد مبالغ التعويضات وآليات دفعها. وسيكون استمرار السيطرة الإيرانية على مضيق هرمز ملفا تفاوضيا محوريا، حيث ترتبط هذه المسألة بالسيادة الإيرانية والتوازن الاستراتيجي في المنطقة. وستناقش المفاوضات أيضا قضايا التخصيب والبرنامج النووي الإيراني، وكذلك إنهاء قرارات مجلس الأمن والوكالة الدولية للطاقة الذرية المتعلقة بإيران.

 

الوساطة الباكستانية ومسار اللقاءات المنتظرة

وأدت باكستان دورا محوريا في الدفع نحو التهدئة، حيث طرح رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف مبادرة تقضي بوقف فوري لإطلاق النار على جميع الجبهات بما فيها الجبهة اللبنانية، يتبعه مسار تفاوضي يمتد من 15 إلى 20 يوما للتوصل إلى اتفاق أوسع.

وأشار ترمب إلى أن الاتصالات مع القيادة الباكستانية، بما في ذلك المؤسسة العسكرية، ساهمت في اتخاذ قرار تعليق الهجمات ومنح فرصة للحل الدبلوماسي. وقال شريف إن وقف إطلاق النار سيبدأ فورا وستستضيف العاصمة إسلام آباد وفودا من البلدين لمحادثات من المقرر أن تبدأ يوم غد الجمعة. وأضاف أن المحادثات تهدف إلى التوصل إلى “اتفاق نهائي”، وقالت إيران إنها ستخصص أسبوعين للمفاوضات. وبذلك تشكل باكستان الإطار الجغرافي والسياسي للمفاوضات، مما يعكس دورها كوسيط موثوق به من قبل الأطراف. وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت إن البيت الأبيض يدرس إجراء محادثات في باكستان، لكن الخطط لم تُوضع بشكل نهائي. وهذا يشير إلى أن الجانب الأمريكي لا يزال يدرس الخيارات المختلفة لمكان انعقاد المفاوضات وآليات سيرها. وفي هذا السياق، تبقى الوساطة الباكستانية العنصر الأساسي الذي يحافظ على زخم المفاوضات ويضمن استمرار الحوار بين الطرفين. وتعكس الوساطة الباكستانية البعد العملي للمهلة المحددة، حيث توفر إطارا مؤسسيا لسير المفاوضات وضمان التزام الأطراف ببنود الهدنة. وتشير الخطوات التي اتخذتها باكستان إلى أنها تسعى إلى تحويل المهلة المؤقتة إلى فرصة حقيقية للتوصل إلى تسوية مستدامة.

 

بين الهدنة المؤقتة والتأهب العسكري

وتعكس الهدنة طابعا مؤقتا أكثر من كونها تسوية نهائية، إذ تهدف بالدرجة الأولى إلى كبح التصعيد وفتح نافذة للحوار.

وبذلك لا تعني الهدنة نهاية الأزمة أو انتهاء الحالة الاستثنائية، بل تمثل فترة محدودة يمكن أن تنقلب إلى تصعيد جديد في أي لحظة إذا فشلت المفاوضات أو حدث أي خرق من قبل أحد الأطراف. وستبقى القوات العسكرية في حالة تأهب تحسبا لأي خرق محتمل، حيث تحتفظ الولايات المتحدة بحق الرد السريع إذا انتهكت إيران شروط الهدنة. وفي المقابل، تحتفظ إيران بحقها في الرد على أي هجوم أمريكي جديد. وهذا يعني أن الهدنة تعيش في حالة توازن دقيق، حيث يمكن أن تنهار بسهولة إذا لم تلتزم الأطراف بالشروط المتفق عليها. وستراقب الأسواق العالمية هذه التطورات عن كثب، خاصة في قطاعي الطاقة والنقل البحري. وستخضع حركة الملاحة عبر مضيق هرمز للاختبار الفعلي، حيث ستحدد سلاسة مرور السفن وعدم حدوث أي حادثة مدى جدية الأطراف في الالتزام بالاتفاق. وأي حادثة بحرية أو هجوم عسكري جديد قد يؤدي إلى انهيار الهدنة وعودة الأزمة إلى نقطة الصفر. وتعكس هذه الحالة من التأهب والحذر هشاشة المرحلة الحالية، حيث تتعايش الهدنة مع احتمالية عودة التصعيد. وبذلك تمثل الأسبوعين القادمة فترة اختبار حقيقية لمدى إمكانية تحويل الهدنة المؤقتة إلى تسوية مستدامة.

 

ماذا بعد الأسبوعين؟

تبقى النتيجة النهائية للمهلة المحددة معلقة بين احتمالين: إما تحول الهدنة المؤقتة إلى اتفاق طويل الأمد يضع حداً نهائياً للأزمة، أو بقاؤها مجرد هدنة مؤقتة قد تنقلب إلى تصعيد جديد.

وفي هذا السياق، ستتحدد مسارات الأزمة خلال الأسبوعين بناء على مدى نجاح المفاوضات في تحقيق تقارب حول الملفات الخلافية. وتعتمد نتيجة المفاوضات على عدة عوامل، منها مدى استعداد الولايات المتحدة لقبول المطالب الإيرانية بشأن العقوبات والضمانات والتعويضات، وكذلك مدى استعداد إيران للتنازل عن بعض مطالبها إذا لزم الأمر. وستلعب الوساطة الباكستانية دورا محوريا في تقريب وجهات النظر وإيجاد حلول وسط مقبولة للطرفين. وفي انتظار ما ستفضي إليه المفاوضات، يبقى مضيق هرمز نقطة اختبار حاسمة لمدى جدية الأطراف، حيث سيحدد سلاسة مرور السفن والحفاظ على استقرار حركة الملاحة مدى التزام الطرفين بالاتفاق. وستراقب الأسواق العالمية هذه التطورات عن كثب، حيث أن استقرار المضيق يعني استقرارا نسبيا في أسعار الطاقة العالمية. وتعكس هذه المهلة حجم الضغوط الدولية، لا سيما الاقتصادية، لتفادي اندلاع نزاع أوسع في المنطقة. وفي ختام الأسبوعين، ستتضح صورة المرحلة المقبلة: إما انتقال المنطقة إلى مرحلة جديدة من الاستقرار النسبي والتفاوضات الجادة، أو عودتها إلى حالة من التوتر والتصعيد. وبذلك تمثل هذه المهلة محطة حاسمة في مسار الأزمة، توفر فرصة حقيقية لاحتواء التوتر وضمان استمرار تدفق الطاقة عالميا، لكنها تظل اختبارا حقيقيا لإمكانية الانتقال من التصعيد العسكري إلى تسوية سياسية مستدامة.

مصطفى. ع