مهمتهم جلب السلاح

متطوعو الموت.. مجاهدون من طينة الأبطال

متطوعو الموت.. مجاهدون من طينة الأبطال

تضمنت كتيبة جلب السلاح بالولاية التاريخية الثالثة خلال حرب التحرير الوطنية مجاهدين من طينة الأبطال تطوّعوا لأجل الذهاب إلى تونس لجلب السلاح للثورة، واخترقوا حقول الألغام وخطوط شال وموريس المرعبة.

تحدث المجاهد مقران بن يوسف عن بطولات هذه الكتيبة طوال 108 يوما، انطلاقا من الولاية التاريخية الثالثة إلى تونس (القاعدة الشرقية)، من أجل جلب الأسلحة للثورة.

وقال المجاهد في حديث سابق: “بدأنا الرحلة انطلاقا من الولاية الثالثة وكنا 150 مجاهدا، لكن للأسف لم يعد منا من هذه المغامرة التي قادتنا إلى تونس سوى 12 فقط”.

وتذكر سي مقران نداء الثورة نهاية خريف 1958، الداعي إلى تشكيل كتيبة لجلب السلاح لأنّ الثورة كانت بحاجة ماسة إلى الأسلحة والذخيرة، لاسيما عقب إطلاق مخطط شال الجهنمي.

وفي نهاية نوفمبر 1958، التقى 150 مجاهدا متطوعا من مختلف مناطق الولاية التاريخية الثالثة، بمنطقة اث ارهونة بأزفون (70 كم شمال شرق تيزي وزو)، التي كانت تحتضن مركز قيادة المنطقة الثالثة تحت قيادة أحمد موستاش، والتابعة للناحية الثالثة من الولاية التاريخية الثالثة.

وانطلقت الكتيبة شرقا من أجل الاتجاه إلى تونس، وكان فصل الشتاء آنذاك جد قاسيا والسماء تمطر يوميا تقريبا، ولدى وصول الكتيبة إلى بجاية، كان عليها عبور واد الصومام الذي كان في حالة فيضان، مما اضطر المجاهدين إلى ربط أنفسهم بحبل وإمساك بعضهم البعض، لكن حدث ما لم يكن في الحسبان، إذ انفصل أحدهم عن المجموعة قبل أن تجرفه المياه، ليكون أول ضحية تسجلها هذه الرحلة الطويلة.

ولم يمر وقت طويل لتسجل الضحية الثانية في هذه المغامرة، إذ بمجرد أن وطأت أقدام الكتيبة الضفة الأخرى من واد الصومام، استشهد قائد المجموعة بعد أن داس على لغم.

وكانت كتيبة المجاهدين المتطوعين تواصل مسيرتها ليلا كي تختفي عن الأنظار نهارا لتجنّب طائرات التجسّس الفرنسية.

وواصل المجاهد في سرد ذكرياته بالإشارة إلى وصول الكتيبة إلى غابة بمرتفعات سكيكدة، حيث اضطرت إلى المرور على مزرعة أحد المعمرين. في الصبيحة، قصفت القوات العسكرية للمستعمر تلك الغابة بقذائف بي26 وبقنابل النابالم الحارقة.

وقال سي مقران في حديث سابق لوسائل إعلامية إنّ ذلك كان “بمثابة كارثة حقيقية”، وأنه رأى بأم عينه مجاهدا أصابته قنبلة النابالم الحارقة وهو ينصهر كشمعة.

وبحزن شديد على تلك الذكرى المأساوية، أكد المجاهد أنّ تلك الصورة “المروّعة” ستبقى في مخيلته طوال حياته، مشيرا إلى وفاة 12 إلى 13 مجاهدا خلال هذه العملية.

واصلت الكتيبة مغامرتها حتى وصولها إلى جبل الدوغ غربي عنابة، نهاية شهر جانفي أو بداية فيفري 1959، حيث لم يتبق سوى 70 من عناصرها بعد أن استشهد الآخرون.

ولجأت المجموعة إلى حقل زيتون في انتظار حلول الظلام ومتابعة طريقها. لكن لسوء الحظ علم الجيش الفرنسي بمرور المجاهدين بالمنطقة، ليتم حصرهم وقصفهم بالقنابل التي تسبّبت في فقدان عناصر أخرى من الكتيبة، وفق شهادة بن يوسف.

وبعنابة اضطر الناجون للعبور بمنطقة من المستنقعات غير بعيدة عن الحدود التونسية. وكان من الضروري وجود مرشد محلي لعبور هذه المنطقة. ثم بلغت الكتيبة جبل الوحش قبل وصولها إلى خطوط “شال” و”موريس” المكهربة التي أقامها المحتل الفرنسي على طول الحدود ما بين الجزائر وتونس.

ولم يتبق من أعضاء الكتيبة إلا حوالي خمسين فقط، وكان لا بد منهم قطع الكابلات التي ترسل، بمجرد قطعها، إشارة إلى مركز عسكري تحدد فيها المكان الذي وقع فيه العمل. وبمجرد وصول الإشارة وقع المجاهدون ضحية وابل من القنابل والنيران، علما أنه كان عليهم عبور خطوط موريس قبل وصولهم إلى خطوط شال، ثم عبور منطقة رملية ملغمة.

واختتمت هذه الرحلة الشاقة بعودة 17 مجاهدا إلى الولاية التاريخية الثالثة يحمل كل واحد منهم قطعتي سلاح، من ضمن 150 متطوعا باشروا هذه المغامرة، فيما لم يصل إلى الولاية التاريخية الثالثة سوى 12 منهم فقط.

وأكد أنّ “هجمات العدو وكل المخاطر التي رافقتها لم تثن أبدا عزيمة وشجاعة المتطوعين للموت الذين التحقوا بالثورة لتقديم أفضل ما لديهم من أجل تحرير الجزائر من نير الاستعمار”.