-
تعزيز التموين وتكثيف الرقابة لمحاربة المضاربة
-
برنامج نقل استثنائي لتغطية ذروة رمضان
-
موائد إفطار ومبادرات شبابية تعزز روح التضامن
مع حلول أول أيام شهر رمضان المبارك، تدخل مختلف القطاعات العمومية مرحلة تنفيذ برامج خاصة سُطرت لضمان وفرة المواد الأساسية واستقرار الأسعار وتحسين الخدمات الموجهة للمواطنين.
فقد أعلنت وزارات وهيئات عمومية عن إجراءات استباقية شملت التموين، الرقابة، المياه، النقل، والتكافل الاجتماعي، في إطار مخطط وطني يهدف إلى تأمين أجواء مريحة خلال الشهر الفضيل، وتفادي أي اضطرابات محتملة في السوق أو الخدمات الأساسية.
أعلنت وزارة التجارة الداخلية وضبط السوق الوطنية، أن التحضير لشهر رمضان أصبح يُدار وفق مخطط وطني استباقي، يقوم على التنسيق متعدد القطاعات وضبط آليات التموين بشكل مبكر، بما يضمن وفرة المواد واسعة الاستهلاك واستقرار الأسعار. وأكدت الوزيرة آمال عبد اللطيف أن المقاربة الجديدة مكّنت من تحقيق نتائج ملموسة، عبر الانتقال من منطق التدخل الظرفي إلى الضبط الاستراتيجي القائم على التخطيط المسبق واستعمال المعطيات الدقيقة. ويستند هذا المخطط إلى رؤية تعتبر السوق أداة سيادية تُسهم في حماية الأمن الغذائي وتعزيز العدالة الاقتصادية، حيث تم اعتماد آليات ضبط ذكية ترتكز على الرقمنة وتحسين أنظمة التتبع والرقابة، بما يسمح باتخاذ قرارات مبنية على مؤشرات ميدانية واقعية. كما أظهرت أرقام تسوية ميزانية 2023 نسبة استهلاك للاعتمادات بلغت 90.46 بالمائة، ما يعكس وتيرة تنفيذ مرتفعة للبرامج المسطرة في القطاع. وفي السياق ذاته، شددت الوزارة على أن هذا التوجه يهدف إلى تعزيز ثقة المواطن في مؤسسات الدولة، من خلال ضمان تموين منتظم للسوق طوال الشهر الفضيل، ومحاربة المضاربة غير المشروعة، وتحقيق توازن فعلي بين تنظيم السوق وتشجيع المبادرة الاقتصادية، بما يجعل رمضان يُدار هذه السنة وفق آليات استباقية واضحة المعالم بدل المعالجات الآنية. وفرة المواد الأساسية وتفريغ مخزونات الضبط لتعزيز التموين. وفي سياق تفعيل المخطط الوطني الاستباقي لضبط السوق خلال شهر رمضان، باشرت وزارة الفلاحة والتنمية الريفية والصيد البحري تنفيذ جملة من الإجراءات التنظيمية واللوجستية الرامية إلى ضمان وفرة المنتجات الفلاحية ذات الاستهلاك الواسع. وشملت هذه التدابير توفير المواد الأولية الموجهة لتصنيع بعض المواد الغذائية، على غرار الحبوب ومسحوق الحليب، إلى جانب الشروع في تفريغ مخزونات الضبط لبعض المنتجات الأساسية، مثل البطاطا والبصل والثوم، بهدف تعزيز العرض وضمان استقرار التموين عبر مختلف ولايات الوطن. وفي ما يتعلق بالحبوب، تم تزويد مطاحن السميد والدقيق بكميات إضافية لتلبية الطلب المتزايد على العجائن خلال الشهر الفضيل، مع تعزيز مخزونات البقول الجافة، التي تشمل الحمص والفاصوليا والعدس والبازلاء الجافة، إلى جانب إعادة تفعيل نقاط البيع المباشرة لتقريب هذه المواد من المستهلكين. أما مادة الحليب، فقد استفادت من حصص إضافية من مسحوق الحليب منحتها اللجنة الوزارية المشتركة المكلفة بتنظيم برنامج إنتاج وتوزيع الحليب المبستر، بما يسمح بضمان تموين منتظم للسوق الوطنية. كما تم دعم عرض الخضروات والفواكه بالمنتجات الموسمية المنتجة في البيوت البلاستيكية والحقول المبكرة، لا سيما بولايات الجنوب، إضافة إلى إخراج كميات مخزنة في إطار نظام ضبط المنتجات الفلاحية ذات الاستهلاك الواسع وطرحها تدريجيا في الأسواق. وتندرج هذه الإجراءات ضمن رؤية تهدف إلى تفادي أي اختلال محتمل في العرض خلال فترات الذروة، وضمان انسيابية تموين السوق بما يحقق استقرارا نسبيا في الأسعار ويحافظ على توازن السوق خلال شهر رمضان.
رفع إنتاج الحليب وتعزيز مخزون اللحوم لتغطية ذروة الطلبa
وتعزيزا للإجراءات المتعلقة بضمان وفرة المواد الأساسية، تم توجيه اهتمام خاص للمنتجات التي تعرف ارتفاعا ملحوظا في الطلب خلال شهر رمضان، وفي مقدمتها الحليب واللحوم. وفي هذا الإطار، سطر المجمع العمومي للحليب ومشتقاته “جيبلي” برنامجا استثنائيا يقضي برفع إنتاج الحليب المبستر المدعم بنسبة 21 بالمائة، ليرتفع الإنتاج اليومي من 3.3 ملايين لتر إلى 4 ملايين لتر، بما يعادل 120 مليون لتر خلال الشهر الفضيل، مقابل 99 مليون لتر في شهر عادي، وذلك بهدف ضمان تموين منتظم للسوق الوطنية. وبموازاة ذلك، تم توسيع شبكة نقاط البيع المباشر التابعة للمجمع بفتح 27 نقطة جديدة عبر عدة ولايات، مع برمجة دخول وحدة جديدة لإنتاج الحليب بولاية عنابة لتحسين التغطية بأقصى شرق البلاد، فيما يتم ضمان تموين ولايات الجنوب بالتنسيق مع شركاء خواص محليين. كما سجلت السنة الماضية ارتفاعا في جمع الحليب الطازج بنسبة 30 بالمائة، ما سمح برفع نسبة إدماجه في الحليب المدعم وتقليص الاعتماد على مسحوق الحليب المستورد. أما في ما يتعلق باللحوم، فقد تم منذ بداية السنة استيراد كميات معتبرة من لحوم البقر والغنم، إلى جانب تنفيذ برنامج استثنائي لاستيراد المواشي الحية تحسبا لذروة الطلب الرمضاني. كما تم تكوين مخزون يقدر بـ10 آلاف طن من اللحوم البيضاء المجمدة، مع الشروع في تفريغه تدريجيا لضمان استقرار العرض. وتندرج هذه التدابير ضمن مسعى شامل يرمي إلى تغطية حاجيات السوق خلال فترات الضغط، مع الحفاظ على توازن العرض والطلب طوال الشهر الفضيل.
رقابة ميدانية مشددة لمحاربة المضاربة وضمان استقرار الأسعار
وإلى جانب تعزيز الإنتاج وتوسيع العرض، تم تكثيف العمل الرقابي لضمان استقرار الأسعار ومحاربة كل أشكال المضاربة غير المشروعة، خاصة خلال هذه الفترة التي تعرف حساسية استهلاكية مرتفعة. وفي هذا السياق، أكدت وزارة التجارة الداخلية وضبط السوق الوطنية أن المقاربة المعتمدة لم تعد ظرفية، بل تقوم على ضبط استراتيجي قائم على التخطيط الاستباقي والرقابة الذكية، بما يعزز ثقة المواطن في السوق ويحمي قدرته الشرائية. وقد كشفت حصيلة نشاطات القطاع لسنة 2023 عن تنفيذ أكثر من مليوني تدخل رقابي عبر كامل التراب الوطني، أسفرت عن تسجيل أكثر من 200 ألف مخالفة وتحرير ما يفوق 190 ألف محضر متابعة قضائية، وهو ما يعكس صرامة تطبيق القانون. كما تم، في إطار مكافحة المضاربة غير المشروعة، تسجيل أكثر من 191 ألف تدخل وحجز 923 طنا من المواد الغذائية بقيمة تفوق 515 مليون دينار، في خطوة تهدف إلى ردع الممارسات التي تمس باستقرار السوق. وتشير المؤشرات المقارنة مع سنة 2022 إلى ارتفاع عدد محاضر المتابعة القضائية بنسبة 6 بالمائة، ونمو رقم الأعمال المخفي المكتشف بنسبة 22 بالمائة، إلى جانب زيادة قيمة الحجوزات، ما يعكس انتقال الرقابة من منطق الكثافة العددية إلى منطق الفعالية النوعية والاستهداف الدقيق. وتندرج هذه الجهود ضمن مسعى شامل لضمان سوق منظم ومتوازن خلال شهر رمضان، يقوم على وفرة العرض وتكافؤ الفرص بين المتعاملين، مع حماية المستهلك من أي تجاوزات محتملة.
تزويد منتظم بالمياه وتحسن في مخزون السدود قبل رمضان
وبالتوازي مع ضبط السوق وضمان وفرة المواد الغذائية، تم إيلاء عناية خاصة لملف التزويد بالمياه الصالحة للشرب، باعتباره من الخدمات الأساسية التي تمس الحياة اليومية للمواطنين خلال شهر رمضان. وفي هذا السياق، أكد المدير العام للري والخدمة العمومية للماء بوزارة الري، نور الدين حميداتو، أنه تم تهيئة جميع الظروف لضمان تزويد منتظم بالمياه عبر مختلف ولايات الوطن، بما يسمح بقضاء الشهر الفضيل في أريحية. وأوضح المسؤول، أن الأمطار الأخيرة ساهمت في رفع مستويات امتلاء السدود، حيث بلغت نسبة الملء، إلى غاية بداية هذا الأسبوع، 48,99 بالمائة، مقابل 38,91 بالمائة خلال نفس الفترة من السنة الماضية، وهو ما يعكس تحسنا ملحوظا في الوضعية المائية. كما أشار إلى وجود 81 سدا قيد الاستغلال و5 سدود طور الإنجاز، إلى جانب امتلاء حوالي 20 سدا بنسبة تتراوح بين 80 و100 بالمائة، ما يدعم قدرة التخزين ويحسن تزويد السكان بالمياه الشروب ويخدم كذلك الري الفلاحي وقطاع الصناعة. وفي ما يتعلق بجودة المياه، شدد المسؤول على أن كل المياه الموزعة صالحة للشرب، بفضل دور محطات نزع المعادن وتقنيات المعالجة المعتمدة.
تمديد ساعات الترامواي والنقل الحضري إلى ما بعد الإفطار
وبعد ضمان التموين المنتظم بالمياه والمواد الأساسية، تم تكييف خدمات النقل الحضري بما يتماشى وخصوصية شهر رمضان، من خلال تمديد ساعات الاستغلال إلى ما بعد الإفطار لتسهيل تنقل المواطنين. وفي هذا الإطار، أعلنت مؤسسة “سيترام” عن تعديل برنامج الترامواي عبر سبع ولايات، حيث تنطلق أولى الرحلات في الجزائر العاصمة على الساعة 6:30 صباحا، فيما تمتد آخر الرحلات إلى غاية منتصف الليل خلال النصف الأول من الشهر، لتصل إلى 1:20 صباحا في النصف الثاني. وشمل تمديد المواقيت ولايات مستغانم، سطيف، سيدي بلعباس، وهران، ورقلة وقسنطينة، مع برمجة آخر الرحلات ما بين منتصف الليل والواحدة صباحا حسب كل خط، إلى جانب تحديد فترة توقف لمدة 30 دقيقة وقت الإفطار. كما يتراوح وقت الانتظار بين 6 و10 دقائق عبر مختلف الشبكات، بما يضمن انسيابية التنقل خلال الفترات التي تعرف ذروة في الطلب. من جهتها، سطرت مؤسسة النقل الحضري “إيتوزا” برنامجا خاصا يسمح بضمان التنقل إلى غاية الواحدة صباحا، مع تشغيل 186 خطا نهارا و70 خطا ليلا بوتيرة مرور منتظمة. كما تم تخصيص رحلات لنقل المصلين إلى جامع الجزائر لأداء صلاتي التراويح والجمعة، مع الإبقاء على تسعيرة 50 دج للنقل الحضري و100 دج للنقل شبه الحضري، في إطار حرص السلطات على تسهيل تنقل المواطنين خلال الشهر الفضيل.
رحلات إضافية وتكييف المواقيت عبر المحطات البرية
وإلى جانب تمديد خدمات النقل الحضري، تم تعزيز النقل البري بين الولايات تحسبا لارتفاع الطلب مع حلول شهر رمضان، حيث أعلنت الشركة الوطنية لتسيير واستغلال المحطات البرية “سوغرال” عن برمجة 2.170 رحلة إضافية هذا الأسبوع، استجابة لتزايد تنقل المسافرين قبيل وأثناء الشهر الفضيل. ويأتي هذا الإجراء تنفيذا لتعليمات وزير الداخلية والجماعات المحلية والنقل، الرامية إلى تكييف برامج الرحلات وفق احتياجات المواطنين خلال هذه الفترة. كما تم تعديل مواقيت 1.050 رحلة يوميا وتحويلها إلى الفترة المسائية والليلية، تفاديا لتقاطع مواعيد الانطلاق مع توقيت الإفطار، بالنظر إلى ارتفاع الطلب خلال الساعات التي تلي الإفطار. وتم، في هذا السياق، تعزيز التنسيق مع مديريات النقل الولائية ومؤسسات النقل العمومية والخاصة، مع تسخير عمال إضافيين لضمان استمرارية الخدمات بالمحطات، لاسيما أعوان الأمن والنظافة والشباك. وفي إطار تحسين الخدمة، دعت المؤسسة إلى توسيع استخدام آليات الرقمنة لتسهيل اقتناء التذاكر والدفع الإلكتروني، تفاديا للطوابير أمام الشبابيك، كما تم فتح أماكن للصلاة وتجهيز الفضاءات الأساسية عبر مختلف المحطات. وتم كذلك تنظيم 33 مائدة إفطار بالتنسيق مع المجتمع المدني والهلال الأحمر الجزائري، إلى جانب حملات تحسيسية حول السلامة المرورية، بما يعكس مقاربة شاملة تجمع بين تسهيل التنقل وضمان راحة المسافرين خلال الشهر الفضيل.
موائد إفطار ومبادرات شبابية تعزز روح التضامن
وبموازاة التدابير التنظيمية واللوجستية التي مست السوق والخدمات العمومية، برز البعد الاجتماعي لشهر رمضان من خلال تسخير عدد من الفضاءات العمومية لاحتضان مبادرات الإطعام والتكفل بعابري السبيل. وفي هذا الإطار، أعلنت وزارة الشباب عن وضع مخيمات وبيوت الشباب وفضاءاتها تحت تصرف الجمعيات والمبادرات التطوعية لتنظيم مطاعم الرحمة، في خطوة تهدف إلى تعزيز روح التضامن والتكافل خلال الشهر الفضيل. كما تندرج هذه العملية ضمن توجهات القطاع الرامية إلى ترسيخ ثقافة العمل التطوعي المنظم، وتثمين دور مؤسسات الشباب باعتبارها فضاءات مفتوحة لخدمة المجتمع. ودعت الوزارة مختلف الفواعل الشبابية، من جمعيات ومنظمات ومبادرات فردية، إلى الانخراط الفعال في هذه العمليات، عبر التسجيل في المنصة الرقمية المخصصة لذلك، بما يسمح بتنظيم المبادرات في إطار منسق يضمن الفعالية والاستمرارية. وفي السياق ذاته، شهدت المحطات البرية تنظيم موائد إفطار بالتنسيق مع مؤسسات المجتمع المدني والهلال الأحمر الجزائري، إلى جانب مبادرات مرافقة كحملات التبرع بالدم والتحسيس الصحي لفائدة المصابين بالأمراض المزمنة. وتعكس هذه التدابير تكاملا بين البعد الخدمي والبعد التضامني، بما يرسخ صورة شهر رمضان كفضاء للتكافل الاجتماعي، إلى جانب كونه موسما يتطلب جاهزية تنظيمية شاملة.