يشكّل مخطط تطوير المحروقات 2026–2030 أحد أبرز المحاور الاستراتيجية التي تضعها الحكومة في صلب رؤيتها الاقتصادية خلال المرحلة المقبلة، باعتباره أداة لتأمين استدامة القطاع الطاقوي وتعزيز مساهمته في دعم الاقتصاد الوطني.
ويأتي إدراج هذا المخطط ضمن جدول أعمال اجتماع الحكومة الأخير ليعكس توجّها رسميا نحو الانتقال من منطق الاستغلال التقليدي للموارد إلى مقاربة أكثر شمولا، تقوم على التثمين الصناعي، وتعزيز الأمن الطاقوي، وربط المحروقات بمسارات التنمية طويلة المدى. وفي هذا الإطار، قدّم مخطط تطوير المحروقات 2026–2030 كوثيقة توجيهية شاملة ترسم معالم المرحلة المقبلة لقطاع يُعد من الركائز الأساسية للاقتصاد الوطني. ويستند هذا المخطط إلى توجيهات أعلى السلطات في البلاد، التي شددت على ضرورة الحفاظ على الدور المحوري للمحروقات، مع العمل في الوقت ذاته على رفع مردوديتها الاقتصادية وتعزيز مساهمتها في تمويل التنمية، ضمن مقاربة توازن بين الاستغلال الرشيد للموارد وضمان استدامتها. ويبرز المخطط توجّها واضحا نحو تطوير فروع التكرير والبتر وكيماويات والأسمدة، باعتبارها حلقات أساسية في سلسلة تثمين المحروقات، تسمح بالانتقال من تصدير المواد الخام إلى إنتاج مشتقات ذات قيمة مضافة أعلى. ويهدف هذا التوجه إلى توطيد القاعدة الصناعية الوطنية، وتقليص الاعتماد على الواردات في بعض المنتجات الطاقوية والتحويلية، بما ينعكس إيجابا على الميزان التجاري ويعزز قدرات البلاد الإنتاجية. كما يتضمن المخطط جملة من الإجراءات الرامية إلى تحسين تثمين المحروقات وتعزيز الأمن الطاقوي الوطني، من خلال ضمان استمرارية التزويد للسوق الداخلية، وتكييف قدرات الإنتاج والتحويل مع الحاجيات المتزايدة للاقتصاد الوطني. ويأتي ذلك في سياق دولي يتسم بتقلبات أسواق الطاقة، ما يجعل من التخطيط المسبق وتدعيم القدرات الوطنية عنصرا حاسما في حماية المصالح الاستراتيجية للبلاد. ومن جهة أخرى، يربط المخطط بين تطوير قطاع المحروقات ودعم قطاعات مكمّلة، على غرار تحلية مياه البحر، التي تُعد أحد المحاور المدرجة ضمن الرؤية الشاملة للقطاع. ويعكس هذا الربط توجّها نحو توظيف الموارد الطاقوية في خدمة رهانات أوسع، تشمل الأمن المائي، وتعزيز القدرات الصناعية، وترسيخ أسس تنمية متكاملة تستجيب لمتطلبات المرحلة المقبلة.
المحروقات في قلب الرؤية الاقتصادية 2026–2030
يأتي مخطط تطوير المحروقات 2026–2030، الذي عرض خلال اجتماع الحكومة، ليؤكد المكانة المحورية التي لا يزال يحتلها هذا القطاع في معادلة الاقتصاد الوطني، ليس باعتباره موردا ماليا فقط، بل كرافعة استراتيجية لإعادة تنظيم منظومة الطاقة ودعم التحول الاقتصادي الشامل. فالمخطط يُقدَّم كإطار توجيهي طويل المدى، ينسجم مع توجّهات الدولة الرامية إلى ضمان استدامة الموارد، وتحقيق توازن بين متطلبات السوق الداخلية والتزامات الجزائر الخارجية في مجال الطاقة. وفي هذا السياق، يعكس المخطط حرص السلطات العمومية على الانتقال من منطق التسيير الظرفي إلى التخطيط المهيكل، من خلال ضبط أولويات واضحة تمتد على خمس سنوات، تأخذ بعين الاعتبار تطورات السوق الطاقوية العالمية، والتحديات المرتبطة بالأمن الطاقوي، وكذا ضرورة الحفاظ على دور الجزائر كممون موثوق. ويُبرز العرض المقدم للحكومة أن القطاع لم يعد يُنظر إليه بمعزل عن بقية القطاعات، بل كجزء من رؤية اقتصادية متكاملة تدعم النمو وتوفّر موارد دائمة لتمويل التنمية. كما يندرج هذا التوجه ضمن مسعى أوسع لتثبيت المحروقات كقاعدة دعم للاقتصاد الوطني في مرحلة انتقالية، تُواكب فيها الجزائر جهود تنويع مصادر الدخل، دون التفريط في مكتسبات قطاع استراتيجي شكّل لعقود العمود الفقري للمالية العمومية. ومن خلال هذا المخطط، تسعى الحكومة إلى تعزيز حوكمة القطاع، ورفع مردوديته، وربط أدائه بأهداف اقتصادية وصناعية واضحة، بما يضمن استمرارية دوره ضمن رؤية 2026–2030.
تعزيز التكرير والبتروكيمياء لرفع القيمة المضافة
ويولي مخطط تطوير المحروقات 2026–2030 أهمية خاصة لتطوير فروع التكرير والبتروكيمياء، باعتبارها الحلقة الأساسية في مسار الانتقال من تصدير المواد الخام إلى إنتاج وتحويل أعلى قيمة. ويهدف هذا التوجه إلى تحسين تثمين المحروقات محليا، من خلال توسيع قدرات التكرير الوطنية وتحديث الوحدات القائمة، بما يسمح بتلبية الطلب الداخلي على المشتقات النفطية وتقليص فاتورة الاستيراد. وفي هذا الإطار، يبرز المخطط توجّها نحو إدماج صناعات بتروكيميائية أكثر تنوعا، قادرة على تحويل جزء معتبر من الإنتاج إلى مواد نصف مصنّعة ومصنّعة تُوجَّه للاستهلاك الصناعي أو للتصدير. ويُنتظر أن يساهم هذا المسار في دعم النسيج الصناعي الوطني، خاصة في قطاعات الأسمدة والمواد البلاستيكية والكيماويات، مع ما يرافق ذلك من خلق فرص عمل وتطوير مهارات تقنية متخصصة. كما يعكس التركيز على التكرير والبتروكيمياء إرادة واضحة لجعل قطاع المحروقات أكثر مرونة في مواجهة تقلبات الأسواق العالمية، عبر تقليص الاعتماد على تصدير الخام وتعزيز عائدات المنتجات المحوّلة. ويُدرج هذا الخيار ضمن رؤية أشمل تهدف إلى توطيد القدرات الصناعية للبلاد، وربط الأداء الطاقوي بأهداف التنمية الاقتصادية، في أفق بناء منظومة طاقة أكثر تكاملا واستدامة.
الأمن الطاقوي كأولوية استراتيجية وطنية
كما يشكّل تعزيز الأمن الطاقوي أحد المحاور الجوهرية في مخطط تطوير المحروقات 2026–2030، باعتباره ركيزة أساسية لضمان استقرار الإمدادات وتلبية الحاجيات المتزايدة للسوق الوطنية. ويقوم هذا التوجّه على مبدأ تحقيق توازن مستدام بين الإنتاج والاستهلاك، مع الحرص على حماية القدرات الوطنية من التقلبات الخارجية والضغوط المرتبطة بتطورات الأسواق الدولية. وفي هذا السياق، يبرز المخطط جملة من الإجراءات الرامية إلى تحسين إدارة الموارد الطاقوية، سواء عبر ترشيد الاستهلاك أو من خلال تطوير البنى التحتية المرتبطة بالنقل والتخزين والتوزيع. ويُنتظر أن تسهم هذه الإجراءات في رفع مستوى الاعتمادية على المنظومة الطاقوية الوطنية، وضمان استمرارية التزويد في مختلف الظروف، خاصة في المناطق ذات الطلب المتزايد. كما يندرج هذا المسار ضمن رؤية أوسع لتأمين السيادة الطاقوية للبلاد، من خلال توطيد القدرات الصناعية والتقنية المرتبطة بقطاع المحروقات، وربطها بخيارات تنويع مصادر الطاقة. ويعكس ذلك توجّها استراتيجيا يهدف إلى جعل الأمن الطاقوي عنصرًا داعمًا للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، وقاعدة صلبة لمواصلة مسار التنمية على المدى المتوسط والبعيد.
تعزيز القدرات الصناعية ورفع مردودية التثمين
ويولي مخطط تطوير المحروقات 2026–2030 أهمية خاصة لتوطيد القدرات الصناعية الوطنية المرتبطة بالقطاع، باعتبارها حلقة محورية في الانتقال من منطق الإنتاج الخام إلى منطق التثمين ذي القيمة المضافة. ويرتكز هذا التوجه على دعم وحدات التكرير والبتروكيماويات، بما يسمح برفع مردودية الموارد المستخرجة وتقليص الفاقد المرتبط بتصدير المواد الأولية دون تحويل. وفي هذا الإطار، يسعى المخطط إلى تحديث الأدوات الصناعية القائمة وتوسيع طاقاتها الإنتاجية، مع إدماج تقنيات أكثر نجاعة في مجالات المعالجة والتحويل. ويُنتظر أن تنعكس هذه الخطوات على تحسين نوعية المنتجات الطاقوية، وتوسيع باقة المشتقات الموجهة للسوق الوطنية، بما يدعم استقرار التموين ويحد من الاعتماد على الواردات في بعض المواد الحساسة. ويواكب هذا المسار توجهٌ نحو ربط التثمين الصناعي بالطلب الحقيقي للاقتصاد الوطني، خاصة في القطاعات ذات الاستهلاك المكثف للطاقة والمواد البتروكيميائية. ومن شأن هذا التكامل أن يعزز مكانة قطاع المحروقات كرافعة صناعية حقيقية، لا تقتصر وظيفتها على توفير العائدات، بل تمتد إلى دعم النسيج الإنتاجي الوطني وتحفيز ديناميكية النمو الاقتصادي.
الأمن الطاقوي واستدامة الموارد على المدى المتوسط
يشكّل تعزيز الأمن الطاقوي أحد المحاور الأساسية في مخطط تطوير المحروقات 2026–2030، حيث يهدف إلى ضمان توازن دائم بين الإنتاج الوطني والطلب الداخلي المتزايد، في سياق يتسم بتقلبات الأسواق العالمية وتغير المعادلات الجيوطاقوية. ويعتمد هذا التوجه على التخطيط المسبق لقدرات الإنتاج، وتحسين إدارة الموارد، بما يضمن استمرارية التموين دون ضغط على الاحتياطات الاستراتيجية للبلاد. وفي هذا الإطار، يولي المخطط أهمية خاصة لربط سياسات المحروقات بمشاريع داعمة، على غرار تحلية مياه البحر وتوفير الطاقة اللازمة لها، بما يسمح بتأمين الاحتياجات الحيوية للسكان والأنشطة الاقتصادية، خاصة في المناطق التي تعاني من شح الموارد المائية. ويعكس هذا الترابط مقاربة شاملة تنظر إلى الطاقة باعتبارها عنصرًا مركزيًا في معادلة الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. كما يندرج هذا المسار ضمن رؤية ترمي إلى تحقيق استدامة الموارد، من خلال تحسين أساليب الاستغلال، وترشيد الاستهلاك، وتعزيز القدرات الوطنية على مواجهة التحديات المستقبلية. وبهذا، يتجاوز مخطط تطوير المحروقات البعد الظرفي، ليؤسس لإطار استراتيجي يضمن للجزائر أمنها الطاقوي ويعزز قدرتها على التكيف مع التحولات العميقة التي يعرفها قطاع الطاقة عالميًا. ويتضح أن مخطط تطوير المحروقات 2026–2030 لا يُقدَّم كبرنامج قطاعي محدود، بل كخيار استراتيجي متكامل تسعى من خلاله الدولة إلى إعادة ضبط موقع المحروقات داخل المنظومة الاقتصادية الوطنية. فالمخطط يربط بين الاستغلال العقلاني للموارد، وتوسيع سلاسل القيمة الصناعية، وضمان استمرارية التموين، بما يعكس تحوّلا في طريقة التفكير من منطق التسيير الظرفي إلى منطق التخطيط بعيد المدى. ويبرز هذا التوجه حرص السلطات العمومية على توظيف قطاع المحروقات كرافعة استقرار ودعم للتنمية، دون الارتهان له كمصدر وحيد للنمو. فالتكامل بين التكرير، والبتروكيمياء، والأسمدة، وتحلية مياه البحر، يعكس رؤية تسعى إلى تحقيق أكبر قدر من النجاعة الاقتصادية والاجتماعية، مع الحفاظ على التوازنات الكبرى، وتعزيز قدرة البلاد على مواجهة التحولات الطاقوية العالمية بثبات ومرونة. وعليه، فإن مخطط تطوير المحروقات في أفق 2030 يشكل محطة مفصلية في مسار إعادة بناء السياسات الطاقوية الوطنية، على أسس أكثر استدامة وتنوعًا. وهو مسار يضع الأمن الطاقوي، وتثمين الموارد، وتوطيد القدرات الصناعية في صلب المعادلة، بما يسمح للجزائر بالحفاظ على دورها الطاقوي الاستراتيجي، مع التقدم المتدرج نحو نموذج اقتصادي أكثر توازنا واستقلالية.










